القراءة العربية «ليبرالية» أخيراً / يوسف بزي

انطلقت على موقع «فايسبوك» دعوة لتسمية أهم عشرة كتب قرأها كل واحد منا. واستجاب للدعوة معظم المداومين والناشطين على الموقع، بجدية تحاول فعلاً تذكّر وانتقاء تلك الكتب التي أثّرت على نحو حاسم في الذائقة والإعتقاد والمعرفة، أو بسخرية تستنكر اختزال مطالعة الكتب في قائمة قصيرة، لا بد أن يشوبها الإعتباط، أو باستعراضية «تؤلف» قائمة من أشهر الكتب، أي المظنون بها أنها الكتب التي تجعل قارئها مثقفاً مرموقاً.

وعلى نحو عمومي، تكشف أغلب إجابات الفايسبوكيين (الجدية والساخرة والإستعراضية) عن اشتراك معظمنا في تأليف مكتبة عربية افتراضية واحدة، هي التي تصوغ إلى حد بعيد الوعي الثقافي العربي، سياسة وأدباً وفلسفة. هي مكتبة تقليدية وشائعة و»مريحة»، أي تضمن لصاحبها الإنتساب إلى التيار العريض، المقبول بمعايير «الحداثة» السائدة والمكرسة. يمكن هنا أن نجد كتب عباس محمود العقاد وطه حسين، ونجيب محفوظ طبعاً، كذلك جبران خليل جبران أو نزار قباني، ثم محمود درويش من غير إغفال ديوان المتنبي مثلاً أو بدر شاكر السياب أو حتى عبد الرحمن منيف. والبارز في هذه اللائحة أيضاً تكرار إسم كارل ماركس وإبن خلدون وجان بول سارتر ومحمد عابد الجابري. وعلى الأرجح أن شعبية كتاب «رأس المال» أشبه بشائعة كاذبة شديدة الإنتشار، وهي أغلب الظن مجرد إشهار للإنتماء اليساري غير مقترنة بقراءة الكتاب فعلاً. يصح هذا على كتب المفكرين الآخرين.

والملاحظ أن هذه اللائحة العامة والإفتراضية، تخلو من الكتب الدينية والتراثية كما من كل كتب المفكرين الإسلاميين تقريباً. ما يدل مرة أخرى على وجود هذا الإنعزال القديم بين «مجتمع الحداثة» في العالم العربي، و»مجتمع التقليد» الذي غالباً ما يعتصم بثقافة مطالعة مغايرة، ليست بالضرورة «قارئة»، بقدر ما هي «ناقلة»، وتحفظ مقولاتها وتتداولها بعيداً عن منظومة الكتب والقراءة. عدا أن «مجتمع الحداثة« المتخيل هنا، لا يقل تقليدية وعتقاً وضيقاً، في مطالعته التي تبدو أقرب إلى النسخ والتكرار وتكريس المكرس والإستخفاف بالجديد ومحاذرة المختلف، والإكتفاء بالشائع والمتداول.

يمكن أيضاً الإنتباه إلى أميّة لغوية عند مثقفي تلك اللائحة، خصوصاً في اللغات الحية فالإيطالية شبه معدومة، والإسبانية نادرة، والألمانية غائبة، فيما الفرنسية ضعيفة، والإنكليزية ركيكة. وهذا ما ينعكس في مجال الترجمة إلى العربية أيضاً، التي لا ترتقي أبداً إلى سوية ما تترجمه فرنسا أو إسبانيا مثلاً. وهذا ما يظهر كيف أن قراء الترجمات لديهم لائحة واحدة بالكتب التي يفضلونها. إنها على الأرجح الكتب القليلة المتوفرة.

يعمد معظم المستجيبين لسؤال «العشرة كتب» إلى تكريس مؤلفات النضوج أو تلك التي باتت راهنا متوافقة مع آرائهم، من غير ما قرأوه في مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب، ومن غير الكتب التي سحرتهم أولاً وكرهوها فيما بعد، أو خجلوا من سطوتها سابقاً عليهم، فيكتمونها كمن يحرق ذاكرته.

لكن، على مستوى آخر، تظهر إشارات في هذا الإستطلاع العشوائي والمزاجي، تدل على نزعة تمرد واضحة، تميل إلى التأكيد على الطابع الشخصي والفردي في مزاج القراءة. ميل جديد يعبر عن حرية واثقة من نفسها، ليس فقط في القراءة لكن أيضاً في اعتناق الأفكار وصوغها فردياً، والتعبير عنها بوصفها الهوية الشخصية وعلامتها الفارقة. وهي من أجل ذلك تعلن عن كتبها المفضلة حقاً، من دون اعتبار لمكانة مؤلفيها، أو شيوع عنوانها. يستطيع أحدهم أن يعلن شغفه بالشاعر بسام حجار ولا يذكر بدر شاكر السياب، أو أن يسمي رواية «مالك الحزين» لابراهيم أصلان من دون ذكر «ثلاثية» نجيب محفوظ، أو شغفه بكتاب أحمد بيضون «الجمهورية المتقطعة» متناسياً إبن خلدون مثلاً. بعضهم يورد سلسلة «الشياطين 13» من غير اكتراث لميلان كونديرا أو فرانز كافكا، اللذين يبدوان كاتبين شعبيين عند القراء العرب. هؤلاء الذين يؤكدون على فرديتهم في القراءة والتأثر، هم أيضاً أصحاب موجة العصيان الثقافي، «الليبرالي» (إن صح التعبير)، بنقدهم الحاد لمنظومة «الحداثة العربية» البطريركية الطابع، السلطوية الميول، المركزية الخطاب، المتعالية والتي أسست ذاك الإنعزال الكبير إلى حد القطيعة مع الجمهور العمومي.

إنها موجة القراءة الفردية، الصريحة في تململها من «خمول» الحداثة وتعسفها. وهي برحابتها لا تؤلف «مكتبة» واحدة وشائعة، بل تكشف عن مكتبات لا متناهية، مرتبة على نحو «ديموقراطي» تهدم التراتبية الهرمية الإستبدادية، وتجعل كل سلطة ثقافية خاضعة لمبدأ التبدل والتحول والتداول، بل لمبدأ الموت والولادات الجديدة ولانهائية النص، ونسبية الأفكار والحقيقة. والأهم أنها تأخذ الثقافة العربية إلى «القراءة» الشخصية لا إلى «التلاوة» الجماعية. قراءة بلا سلطة، حيث يستحيل تسمية عشرة كتب فقط.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق