“داعش” زواج المخيّلة الأمبراطورية ومتعة القتل المشهدي / محمد أبي سمرا

أيّ تراث يستلهمه “داعش” في غزوته العراقية والسورية، التي جعل من الفعل الإجرامي المشهدي قوله الأول والأخير فيها؟ كأنه يقول إن ذلك الفعل العاري الأصمّ، الأخرس والأبكم، هو أصل العالم وفصله، وسِفْرُ تكوينه. هذا بعدما مهّدَ الطريق لـ“الخليفة” المأخوذ بشهوة المحو القيامي لسوريا والعراق، كلٌّ من “القاعدة”، والبعثين الأسدي والصدّامي، والثورة الإسلامية الخمينية ومخيّلتها الأمبراطورية.

واصل تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تراث “القاعدة” الذي نشأ وترعرع في أفغانستان الطالبانية، جامعاً في تسعينات القرن العشرين مهاجرين جهاديين هاربين ومتطوعين في خلايا سرية، جذبتهم “قاعدة الجهاد الإسلامي العالمي” الأفغانية التي أسّسها عبدالله عزام الفلسطيني وأسامة بن لادن السعودي وأيمن الظواهري المصري في بيشاور، فضمّت في صفوفها مجاهدين من بلدان عربية وإسلامية، ومن أبناء الجاليات العربية والإسلامية المهاجرة في أوروبا وأميركا.

في “قاعدة الجهاد العالمي” الأفغانية تلك، التقى وامتزج تراث مثلّت الأبعاد والعناصر: تراث الجهاد والنضال والمقاومة في فلسطين منذ حركة الحاج أمين الحسيني في ثلاثينات القرن العشرين، حتى نشوء الكفاح المسلّح الفلسطيني المهاجر في سبعينات القرن نفسه، التراث السلفي الوهّابي الذي شكّل عنصراً أساسياً في نشأة الهوية والدولة السعوديتين في نجد والحجاز والأحساء في شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر، وتراث الجماعات الإسلامية و“الأخوانية” المصرية وانشقاقاتها منذ تعرّضها لتصفيات واعتقالات في العهد الناصري، وصولاً إلى مجابهاتها الدامية مع أجهزة الأمن ووحدات الجيش في عهد الرئيس حسني مبارك.

استباحة العراق ولبنان

بعد عملية “القاعدة” في نيويورك وواشنطن في 11 أيلول 2001، قام تحالف دولي بقيادة أميركية، بتقويض الدولة الطالبانية في أفغانستان، وباقتلاع “قاعدة الجهاد العالمي” الأفغانية، فاعتُقل المئات من “الأفغان العرب” في غوانتانامو، وفرَّ الباقون عائدين إلى ديارهم، أو تشرّدوا في ديار استطاعوا الوصول اليها، فباشروا فيها نشاطهم الجهادي، منشئين خلايا نائمة أو ناشطة، وفق الظروف والامكانات. هذا بعدما شهد عقد التسعينات مذابح جزائرية مروّعة، كان لمنظمات الإجرام الجهادي الجزائري اليد الطولى فيها. في ذلك العقد والسنين القليلة التي سبقته، والعقد الذي تلاه، كانت الخلايا الجهادية وعملياتها ناشطة في بلدان عربية وإسلامية كثيرة، وفي بعض البلدان الأوروبية أيضاً.

غداة الغزو الأميركي لعراق صدّام حسين واحتلاله في العام 2003، وفي خضمّ حروب العراق الأهلية والطائفية ما بين 2004 و2006، نشأت “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، واستوطنت بقوة صحراء الأنبار العراقية بتسهيل وتأطير كبيرين من مخابرات النظام الأسدي السوري المتحالف مع إيران الخمينية والخامئنية التي كانت قد أطلقت “جهاداً” شيعياً في لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي والقوات المتعددة الجنسية الأميركية والفرنسية ما بعد العام 1982، ثم استلحقته بـ“جهاد” شيعي عراقي ضد الاحتلال الأميركي للعراق. هذان “الجهادان”، السنّي “القاعدي”، والشيعي الموالي لإيران في العراق، على الرغم من عدائهما الدموي، التقيا مع الرغبة الأسدية السورية على تقويض احتمال قيام وطنية عراقية جامعة تشكّل ركيزة لدولة متوازنة. وكانت السياستان الإيرانية والأسدية قد التقتا، من قبلُ ومن بعدُ، على تقويض احتمال نشوء وطنية لبنانية في 2005، للخروج من إرث الحروب الأهلية المديدة الملبننة برعاية أسدية، حالت دون بناء دولة متوازنة ومستقرة في لبنان ما بعد الحرب. وكان الحزب الخميني الملبنن، ولا يزال، الذراع الأمنية والأهلية الأساسية الفاعلة في تجديد التمزق السياسي والأمني اللبناني ومفاقمته منذ جلاء جيش الاحتلال السوري المديد عن لبنان، حتى الساعة.

“الجهادان” المتكافئان
إلى استلهامه تراث “القاعدة” الأصلي في أفغانستان، وبعثه وتجديده، استلهم تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصاراً بـ“داعش”، تراث أبي مصعب الزرقاوي و“قاعدته في بلاد الرافدين”، فبعثه وجدّده في صحراء الأنبار العراقية. فالزرقاوي الأردني، السلفي الجهادي، متخرّج في السجون الأردنية، والشقي التائه بعد اقتلاع “قاعدة الجهاد” الأفغاني، حطّ رحاله في الأنبار، وجمع في أفعال إمارته الإجرامية المنظمة إرث الجهاد العالمي المهاجر المتناثر، وشقاء الاجتماع العشائري وثاراته وقسوته الصحراوية، في خضم الحرب الأهلية الطائفية العراقية. لكن التدبير السياسي والأمني الذي اهتدت إليه قيادة الجيش الأميركي في العراق، مكّنها من تقويض إمارة الزرقاوي، عبر استمالتها عشائر الأنبار التي جنّدت أبناءها في ما سمّي “الصحوات” العشائرية، لقتال جند الإمارة الزرقاوية، فنجحت في اقتلاعهم وتجفيف مصادر شبكاتهم، فيما تمكّنت الطائرات الأميركية من اصطياد الزرقاوي نفسه وقتله، فأحيا سلفيو عشيرته الأردنية مجالس عزاء لتشييعه ودفنه في دياره. أما في العراق، فبدل أن تعمل إدارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، على دمج “الصحوات” العشائرية السنّية في العملية السياسية لبناء الدولة العراقية الوليدة، استبعد المالكي مع فريق حكمه “الصحوات” وهمّشها، استجابة للسياسات الإيرانية الراغبة في بقاء العراق حديقة أمامية لنفوذها المشرقي، وصولاً الى الساحل المتوسطي في لبنان.

عشائر الأنبار و“صحواتها” المحبطة، استلهمتا احتجاجات “الربيع العربي” في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين في 2011 و2012، فحشدت جمهورها في اعتصامات مديدة في مدن الأنبار، احتجاجاً على تهميشها وعلى ما تعرّض له أبناؤها من مطاردات واعتقالات وتنكيل على يد قوات الأمن والجيش العراقيين. لكن قوّات المالكي هاجمت المعتصمين، فغرّقتهم وقتلت المئات واعتقلت أعداداً كبيرة منهم، فتزايدت في المدن العراقية عمليات التفجير الانتحاري، وعادت الأنبار مرتعاً للسلفيين الجهاديين وخلاياهم الإجرامية الانتحارية. وفيما كانت قوات الأسد الأمنية والعسكرية تفتك دموياً بالمحتجّين المتظاهرين السوريين سلمياً في المدن والأرياف السورية، فرَّ من سجون بغداد، في عملية مشبوهة غامضة، مئات من المعتقلين السلفيين الجهادين، واجتازوا الحدود العراقية الى شرق سوريا وشمالها الشرقي وصولاً الى حلب، حيث كانت قد بدأت تتكوّن منظمات سلفية جهادية، كـ“جبهة النصرة”، الفرع السوري لـ“القاعدة”. وسرعان ما انشقَّ عن “النصرة” تنظيم “داعش”، لتتحول سوريا الداخلية والوسطى، كما رغبت العصابة الأسدية الحاكمة، مرتعاً لتناسل منظمات الإرهاب الجهادي التي أخذت تفتك بوحدات “الجيش السوري الحر”، قتلاً وتشريداً، بعدما كان النظام الأسدي قد قتل وشرّد واعتقل الملايين من الشعب السوري وشبّانه الثائرين سلمياً على ديكتاتوريته الدموية المديدة.

في هذه الأثناء كان الحزب الخميني اللبناني قد أرسل وحدات عسكرية من جيشه لـ“الجهاد”، في سوريا، نصرةً لنظامها الأسدي، بحجة الحرب على الإرهاب التكفيري، فتشاركت هذه الوحدات مع “عصائب أهل الحق” العراقية الشيعية في “الجهاد” في سوريا، تحت شعار الذود عن مزار السيدة زينب الدمشقي، كي “لا تُسبى زينب مرتين”. وفيما كان مقاتلو “حزب الله” اللبناني يحاصرون مدينة القصير السورية ويدمّرونها، ويهجّرون أهلها، فتقصفهم قوات الأسد البرية والجوية، قبل وصول بقاياهم الى مخيّمات عرسال، ضربت التفجيرات الانتحارية الضاحية الجنوبية والسفارة الإيرانية في بيروت. أما القلمون بمدنه وبلداته الجردية السورية، فأخذ الحزب الخميني اللبناني على عاتقه تحريرها من أهلها، قتلاً وتشريداً. وحين سقطت يبرود في قبضته، احتفل جمهور الحزب بالنصر الميمون، فأُطلق الرصاص في سماء الأحياء البيروتية المختلطة، ابتهاجاً، وترويعاً للسكّان البيروتيين، حيث رُفعت في بعض الشوارع شعارات مبتهجة تقول: “جنود الله في يبرود”، فتجددت العمليات الانتحارية في الضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي.

الحوثيون و“حزب الله”

“أنصار الله” الحوثيين، الموالون للسياسات الإيرانية في صعدة وشمال اليمن، بعد حروبهم المذهبية الانفصالية المديدة، باشروا تقويض العملية السياسية الانتقالية اليمنية، وشنّوا عمليات عسكرية جديدة على الجيش اليمني المنقسم في أعقاب الثورة الشعبية على نظام علي عبدالله صالح. تنظيم “القاعدة” بدوره، ناشط ومتوطّن في اليمن، ويسيطر على جيوب ومناطق يمنية كثيرة. أخيراً ها هي ذي الجماعة الحوثية بزعامة عبد الملك الحوثي وقيادته – به شبه شخصي وخطابي برفعت عيد في جبل محسن في طرابلس – تتذرع برفع الحكومة اليمنية الدعم عن المشتقات النفطية، فتزحف زحفاً مذهبياً مقنّعاً بالاحتجاج المطلبي السلمي، وخلفه تزحف وحدات “أنصار الله” المسلحة، فيحاصر الزحف المزدوج المقنّع العاصمة صنعاء، ويحتل شوارعها وساحاتها، وينصب خيم اعتصامه أمام الوزارات والمؤسسات الحكومية، لإسقاط الحكومة.

الحملة الحوثية هذه تستلهم استقواء “حزب الله” اللبناني بـ“نصره الإلهي” المدمّر لجنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية في تموز 2006، لاحتلال وسط بيروت واعتصامه فيه اعتصاماً حربياً تقنّع طوال أقلّ من سنتين بسلميته لإسقاط الحكومة اللبنانية الأولى المستقلة عن النظام الأسدي. لكن الحزب الخميني ورهطه لم ينهِ اعتصامه الانتقامي أو الثأري ذاك من “ثورة الأرز”، إلا بهجوم عسكري على أحياء العاصمة وبلدات في الجبل.

على هذا المثال يتقنّع “أنصار الله” الحوثيون في صنعاء بمطالب اجتماعية عامة، تستبطن قوة فئوية مذهبية غايتها الاستقواء والاستتباع والسيطرة على الدولة والحكم في يمن مفكّك ممزّق تتناهبه القبائل والفقر وتنظيم “القاعدة”. وذلك استكمالاً للهجوم الاستراتيجي الإيراني لتفتيت المشرق العربي واستتباعه حتى شواطئ المحيط الهندي، بعد الإطباق على الشاطئ الشرقي من المتوسط، لتتنامى في البلدان العربية المشرقية المفككة والممزقة دولها وجماعاتها المتناحرة، منظماتُ “القاعدة” في نسخها المتجددة والمتناسلة، كمكافئ للنفوذ الإيراني في هذه البلدان. هكذا تتصوّر المخيلة السياسية الإيرانية أن إيران القوية النافذة والمسيطرة في بابل الجماعات والأقوام والطوائف المتناحرة، هي الدولة الوحيدة الصالحة والقادرة على أن تكون “المحاور” الوحيد للغرب الأوروبي والأميركي في “الحرب على الإرهاب” واجتثاثه. وكان الراحل حافظ الأسد قد اختبر هذه المعادلة في لبنان طوال عقود.

الإرهاب والدول الملّية

في مقالة صحافية تقصّى وضاح شرارة (“المستقبل”، 22 حزيران، 2014) المسارات المتعرجة المحتملة التي مكّنت تنظيم “داعش” من “غزوة الأنبار”، فرأى أن غزوته وليدة “سفاح الارهاب والدول الملّية”. السفاح هذا صنيعة هذه الدول: سوريا حافظ وبشار الأسد، إيران الخمينية والخامنئية، عراق صدّام حسين ونوري المالكي من بعده. والدولة الملّية هي ما يجاهد “حزب الله” مستميتاً في سبيل تحقيقها في لبنان. وها هو وزير خارجية الدولة الأسدية، وليد المعلّم، الساكت منذ شهور، يستعيد أنفاسه ونطقه قبل أيام، ليستدرج – بعد سفاح دولته الإرهابية الإجرامية المديد مع المنظمات الإرهابية – عروضاً لمشاركة دولته سائر دول العالم ومجلس الأمن الدولي في الحرب على الإرهاب “الداعشي”، مشترطاً أن تمرّ الحرب هذه عبر سيادة “الدولة” السورية. وهي “دولة” قتلت للمحافظة على سيادتها الملّية 230 ألف سوري، واعتقلت 358260 سورياً، إضافة الى 99440 مفقوداً، وفقاً لـ“مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية” من دون حساب ملايين المشرّدين اللاجئين داخل سوريا وخارجها.

فغزوة “داعش” العراقية في الأنبار “ألهبت المخيلات والأهواء البلدانية الاستراتيجية الهاجعة أو اليقظة، وبعثت أحلاماً ورؤى عريضة عرض المدى والوطن العربيين. فيسعُ حلف المخيلات والأهواء والأحلام والرؤى التحرر من سايكس – بيكو (…) البغيضة التي أناخت على التاريخ، وقيّدت اضطرابه ومدّه وجزره وحصرتها في قمقم بلدان – دول قطرية”. المخيلات الملتهبة هي مخيلات الدول الملّية والمنظمات الإرهابية. وفي طليعة تلك الدول إيران الخامنئية الحرسية، وسوريا الإسدية التي يُفترض أن الغزوة “الداعشية” حققت “نبوءة” أسدها الإبن: “تفشّي التكفيريين الوهّابيين في المشرق العربي كله”. وهذا ما يجيز “طَلَبُهُ” أن يغيّر العالم “معاملته”. أما إيران الخامنئية الحرسية، فتتخيل أن غزوة “داعش” تساعدها في تمتين نفوذها وتمكينه في العراق، عبر حاجة رئيس الوزراء العراقي اليها، كي تقوم “بتطويع خصومه ومنافسيه الشيعة وجمهورهم المذهبي المتطرف، لقاء انقياده الى خصوماتها الاقليمية والدولية الكثيرة”.

لكن دولاً كهذه، ماذا يمكن أن تكون حالها في “عوالم – أضداد”، هي صنيعتها، قدر ما هي (الدول) صانعتها؟: “شعوب وقبائل لا تميل الى التعارف مقدار ميلها الى التقاتل: فرس وعرب، فرس وترك، ترك وعرب، عرب وكرد، سنّة وشيعة، مشرق عربي متوسطي وشبه جزيرة عربية”… الخ.

فتنة الإجرام المشهدي

لا يبدو أن هنالك هدفاً معلناً واضحاً يسعى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” الى تحقيقه سوى عبارة “الدولة الاسلامية”، وكلمات كالعراق والشام، وبعدها “الخلافة” و“الخليفة”، لم يقل التنظيم شيئاً ينبئ ويبلّغ عمّا يريد وعما يسعى اليه. سوى ما تنشره وتبثّه وسائل الإعلام من أخبار ومتابعات وتحليلات وصور عن وجوده وحضوره وممارساته، ليس هنالك من قول يعلن التنظيم به وعبره عن غايته من أفعاله المصوّرة. ثم إنه ليس كالمنظمات الارهابية السرية التي سبقته مثل “القاعدة” و“قاعدة” الزرقاوي و“النصرة” التي لم يسبق أن أقبلت على هذا القدر من الصور الاستعراضية لعملياتها وأفعالها. وهو أيضاً يختلف عنها في خرسه عن القول والكلام، جاعلاً من الفعل المشهدي وصوره، كلامَهُ الوحيد، بلا تعليل ولا تسويغ ولا وسائط. فقوله هو فعله المباشر الذي يعتبره ويعتمده وسيلته الوحيدة للإبلاغ والإعلان والإفصاح عن الفعل نفسه، ولا شيء آخر سوى الفعل. كأنه في هذا يقول إنه الفعل أولاً وأخيراً، من دون حاجته الى شرح دوافعه وبواعثه وأسبابه وغاياته. هذه كلها لا معنى ولا أهمية لها ولا فائدة ترتجى منها، ما دام الفعل العاري، الأخرس والأبكم والأصمّ، يقول ويعلن كل شيء، كاملاً وصريحاً، ودفعة واحدة، بلا زيادة ولا نقصان: القتل والإجرام، والقتل والإجرام بوصفهما أصل العالم وفصله، وسِفْر تكوينه.

حتى سلفية التنظيم الجهادية المفترضة عقيدته وثقافته أو إيديولوجيته، ليست واضحة صلته بها. كأنه استعارها استعارة صورية، وشكلية وسريعة، وألصقها لصقاً خارجياً بأفعاله الإجرامية المشهدية المنظمة. الأخبار والروايات القليلة عن المصادر والشبكات والخيوط التي تجمّع منها التنظيم، أي موارده البشرية، وكذلك ندرة السير، بل انعدامها عن عناصره، لا تفيد بأن السلفية الجهادية تشكل مورداً ومصدراً لثقافته وأشكال تنظيمه، لا في حلقات مسجدية، ولا في بؤر وخلايا دعوية. قد تكون سلفيته وليدة الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. لكن هذه لا تشكل مادة تثقيفية ودعوية فعلية. فهي نتفٌ من عبارات وكلمات. ثم هنالك عدد كبير لا يستهان به من عناصر التنظيم وافد من بلدان أوروبية وآسيوية، من جاليات إسلامية وغير إسلامية، وبينهم أوروبيون أقحاح، لا صلة لهم بالتربية والثقافة الإسلاميتين. كأن هؤلاء توافدوا من ديارهم والتحقوا بالتنظيم عن هوىً هوسي غرائبي جاذبه مغامرات إجرامية مشهدية في الصحراء. وهو هوىً مغامر ومشهدي ما بعد حداثي، لا يبدو أنه مسبوق بثقافة دعوية وقضية تسوّغان الهجرة المغامِرة. قد تكون لتنظيم “داعش” نواة أو نوىً تنظيمية ودعوية لديها تجارب وخبرات سابقة في الجهاد السلفي المحلي والدولي المهاجر وثقافته في “القاعدة” و“النصرة” وسواهما. لكن السواد الأكبر الذي يتشكل منه التنظيم، لا يبدو أنه يمتلك قدراً يعتدّ به من تلك التجارب والخبرات، سوى التهاويم والأخيلة والصور.

طبعاً هذه الملاحظات والتصورات، ليس من سند لها، حقيقي وملموس، سوى السلوك العام للتنظيم وأفعاله الخرساء التي يركّز على بثّ مشاهدها وصورها العارية، وغير المسبوقة ولا المتبوعة بقول يفصح عن هدفها وغايتها، إلا إذا كانت كلمات مثل “الدولة الاسلامية” و“الخلافة” و“الخليفة” كافية للافصاح عن أفعاله.

حازم الأمين في مقالة له (“الحياة”، 24 آب 2014)، أشار الى “جذر غير شرقي” لـ“داعش”، معتبراً أن السلفية الجهادية من “أضعف مركّباته وجذوره”. فالسلفية الجهادية انحازت جماعاتها الى “جبهة النصرة”. وهو يرى أن ذلك الجذر غير الشرقي، يتجلى في الإصرار على القتل الإجرامي المشهدي الإستعراضي المصوّر، المنطوي على هوس “هوليوودي” بالإجرام. فـ“داعش” جعل من الإجرام الدموي الهوليوودي المتخيّل، واقعاً. و“هنا تكمن جاذبية” هذا التنظيم لـ“الأشقياء الغربيين” الذين يقودهم هوسهم الشقيّ الى سوريا والعراق. ويخلص الأمين الى أن عنف “داعش” الإجرامي، “مجرد من أي معنى وقيمة. فهو انتزع من البعث قابليته للقتل، ومن العشائر نزعاتها الثأرية وضغائنها المتوارثة، ومن الصحراء قسوتها وخشونتها”.

في صورة فوتوغرافية نشرتها صحيفة “الحياة” في 25 آب الماضي، على ثمانية أعمدة في صدر إحدى صفحاتها، يظهر رتل من سيارات الدفع الرباعي “الداعشية” الجديدة المصطفّة في صفّين متوازيين في شارع مستقيم. مقاتلو التنظيم يرفعون أعلامه، يلوّحون بها، مع البنادق والسيوف والسكاكين. بعضهم مقنّع ملثّم، وكثرٌ سافرو الوجوه، مبتسمين ضاحكين تلك الابتسامات والضحكات الرقيقة في أزيائهم الأفغانية وغير الأفغانية. لا أحد في الصورة سواهم، ولا شيء سوى سيّاراتهم وأعمدة الإنارة في الشارع المستقيم المقفر. وحدهم تحت البيارق والسيوف والبنادق، ولا يريدون أن يشاركهم أحد في مشهدهم الكرنفالي الإحتفالي بأنفسهم، إلا قتيلاً مقطوع الرأس، مرجوماً/ مرجومة بالحجار حتى الموت، مسبيّاً/ مسبيّة، مشرداً/ مشردة، حتى الذبح أو الموت عطشاً وجوعاً في القفر. إنهم يحتفلون بـ“القيامة الآن” التي هم ملائكتها وشياطينها، لا فرق. هي قيامتهم الوثنية الكرنفالية في شبقها الدموي. و“إلا كيف نفسر المتعة (الداعشية) – تساءل زياد العسلي، رئيس فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين في واشنطن (”الحياة“2 آب الماضي) – بنحر المئات من الشبان العراقيين والسوريين؟”. ألا يصعب تخيل إقدام شذّاذ الآفاق هؤلاء على الذبح والتقتيل بلا متعة وحشية بربرية عدمية؟ كأنهم خرجوا من المقلب الآخر للعالم، من الظلماء والعماء السديمي، ليستعرضوا شغفهم بأفعالهم الشنيعة مبتسمين أمام الكاميرات.

عنف المخيلة الأمبراطورية

من وحي “داعش” وأفعاله، تساءل ياسين الحاج صالح في مقالةٍ له (“الحياة”، 26 آب الماضي) تساؤلاً أليماً عن أسباب عدم “غضب المسلمين لدينهم، وهو اليوم عنوان لممارسات تجمع بين كونها من الأكثر شراً وإجراماً في تاريخ البشر، وبين التمتّع بها ونسبتها بفخرٍ الى دين المسلمين؟”.

في معرض تقصّيه أسباب ذلك، يشير الحاج صالح الى أن الإسلاميين بأطيافهم كافة “لا يعترضون على جوهرية العلاقة بين الدين والعنف وعلى تطبيق الشريعة” بحدّ السيف. فالإسلاميون “يشتركون في مخيّلة أمبراطورية وفي ذاكرة أمبراطورية، متمركزتين حول فتح البلدان وغزو الأراضي والسيطرة العالمية، والمجد الحربي”.

وضاح شرارة قبل ما يزيد على ثلاثة عقود، وفي مقدمة كتابه “الأهل والغنيمة – مقوّمات السياسة في المملكة العربية السعودية”، “دار الطليعة”، 1981، كتب متسائلاً: “لماذا يأخذ قلب العرب الذين ولجوا عتبة الثلث الأخير من القرن العشرين بالخفقان حالما يتناهى الى وعيهم وقع حوافر فرس تخبُّ في البعيد فوق كثيبٍ من الرمل؟”. للإجابة عن هذا السؤال استعان الكاتب بابن خلدون الذي شغله السؤال نفسه قبل ستة قرون، وصاغه شرارة على النحو الآتي: “لأن المخيلة التاريخية العربية ملكيّة، مدادها تجدّد الملك تحت سنابك الخيل الآتية من الحاشية الصحراوية وعلى صهواتها أُناس تستحوذ على أفئدتهم شهوة محو المكان. هذا قبل أن يأخذهم المكان (الحاضرة) في أحابيله ويلاشيهم في لجّته التي لا قرار لها ولا عمق”.

لدى كتابة هذه السطور ونشرها مطلع ثمانينات القرن العشرين، كانت العروبة قد بدأت تلفظ أنفاسها، ولم يمضِ أكثر من سنة واحدة على سيطرة الخمينية ودولتها الإسلامية في إيران، وعلى مباشرتها تطهير المجتمع الإيراني من معارضيها وحلفائها، اغتيالاً وقتلاً وسجناً وتشريداً، وتسليطاً للجهاز الديني وحرسه الثوري على دين الإيرانيين ودنياهم، وإغراقهم في الكآبة والسواد، على ما شهدت وكتبت الإيرانية شيرين عبادي، حاملة جائزة نوبل للسلام. وما كان ليُكتبَ للخميني وتجهّمه مع رهطه أن يتسيّدوا على إيران وشعبها، لو لم تسعفهم الحرب العراقية الإيرانية المديدة المدمرة طوال ثماني سنوات. وفي الأثناء استحوذت الخمينية وإسلامها الذي يمزج الدين بالعنف، على أفئدة فئات عربية واسعة، محبطة وجريحة وتتوق هوسيّاً الى القوة والسلطان الأمبراطوريين. في خضم ذلك الاستحواذ أخذ يتنامى “الإسلام الرسالي”، السلفي والإخواني، وسواهما من أطياف الإسلام الدعوي، والانتحاري الذي دشّنته الخلايا السرية التي منها ولد “حزب الله” في لبنان، قبل أن يبزغ القتل الانتحاري بزوغه المشهدي الكبير مع “القاعدة” التي دمّرت أعلى أبراج “الشيطان الأكبر” في نيويورك. وكان أحد كبار الشعراء العرب قد زار نيويورك قبل ثلاثة عقود، فكتب منشداً: “ماحياً كل حكمة/ هذه ناري/ لم يبقَ آية/ دمي الآية/ لغم الحضارة/ هذا هو اسمي”، كأنه مزهوّ استبق ذلك البزوغ المشهدي الكبير.
اليوم حطّت المخيلة العربية والإسلامية وعنفها الأمبراطوري ومجدها الحربي في “داعش” المأخوذ بشهوة المحو المشهدي القيامي لسوريا والعراق، بعدما مهّد الطريقَ لـ“الخليفة” كلٌّ من البعثَين، الأسدي والصدّامي، وآية الله العظمى، روح الله الموسوي، الإمام الخميني، قدَّس الله سرّه، وتلامذته أجمعين.

أخيراً هذه الخاتمة للكاتب العراقي خالد مطلق (“المستقبل”، 24 آب الماضي): “بعدما هجّرنا المسيحيين ما بعد العام 2003، وبعدما استيقظ الإسلام فينا (…) أو خرج من سراديبه، (…) أصبحت بغداد قرية كبيرة تعيث فيها الأكثرية المسلمة خراباً. (..) لقد صرنا الأكثرية المتشابهة، نحدّق في خرائب أرواحنا القروية والبدوية ونرقص على ركام مدينة لم نتعلم قراءة أبجديتها إلا بآيات الكرسي وسورة التوبة، وبيالثارات الحسين. أما المسيحيون فهم قطعة السكر في قدح الشاي البغدادي الشديد السواد والمرارة”.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق