موسم الهجرة إلى الجهات الخمس! / إبرهيم اليوسف ق

صص كثيرة، يرويها الفارّون من الحرب التي تُشَنّ على مَن هم روح العراق، وعراقته، ووجهه الأصيل: على مسيحييه، صنّاع الحضارات، وعلى كرده الإيزيديين، وشبكه، بل وعلى كرده جميعاً. حرب مسعورة من شأنها أن تبتلع الأخضر واليابس. لا منجى منها البتّة، لأنها تجهز على مكوّنات المكان كلها، ولا سيما أن إوارها يُضرَم على أيدي وحوش، في أشكال آدمية، بلا ضمائر، بلا أحاسيس بشرية. وحوش هم كائنات هلامية تُسيَّر عبر مشيئة أجندات وخطط لريموت كونترول بنوك الجهات المجهولة المعلومة.

ليس أكثر مأسوية من اغتصاب صبايا إيزيديات أمام والدهنّ وأخوتهنّ المقيّدين، ومن ثمّ قتل هؤلاء أمام أعينهم. اضطرت العائلة إلى إشهار إسلامها، مكرهةً، قبل أن تُقاد الصبايا إلى السبي؛ شأن الأم التي رُمي وليدها بعيداً من صدرها، من دون أن تعلم مصيره، وهي في مسباها المجهول، في انتظار بيعها في سوق الرقيق.

أجل، القصص كثيرة، أصعبها ذلك المسير الماراتوني للأسر المنكوبة، وهي تتجه إلى الجبال، هرباً من بطش أزلام “داعش”، وهم ينكّلون بالضحايا. يزداد عمق الجرح، ويتضاعف الألم به، لأن ثمة من أبناء الأسرة من هو في قبضة هؤلاء الوحوش الكاسرة، أسرى ومسبيين. لكن يخفف من وعورة الدروب الجبلية – الذائبة في السراب واللهاث، وحرارة الطقس، وانعدام ماء الشرب، بل والرغيف – أن هناك مجرد أمل بالخلاص، في إطار غريزة البقاء.

من أصعب الحكايات التي رواها بعض الإيزيديين، أنهم اضطروا حرصاً على حياة أطفالهم الصغار أن يفتحوا شرايينهم، أو أوردتهم، لا فرق، كي يسقوا أطفالهم من دمائهم، لئلا يموتوا. هذا يكاد يشبه الخرافة، ويذكّر بقصص مأسوية كردية جرت أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما تمّت إحدى كبرى هجرات القرن الماضي، في اتجاه المناطق الأكثر أماناً.

الجروح التي أثخنت سهل نينوى ومنطقة سنجار تجعل المكانين وأهلهما من المسيحيين والإيزيديين والشبك متوأمين. لا يزال صيف 2014، دمويّاً للغاية، وعاصفاً، في حق هؤلاء جميعاً، مذ سقطت الموصل في أيدي “داعش”، بعد هرب الجيش العراقي الذي كان قد نقل للتوّ عتاده العسكري إلى هذا المكان. لكأن ما جرى لم يكن أكثر من عملية “تسليم” و“تسلم”. كان الأمر مثيراً للذهول. أي تواطؤ هذا الذي تمّ جهاراً نهاراً؟ بل أيّ حكومة هي هذه التي لا تملك ذرة ضمير، فتجعل المئات الأبرياء من جنودها، الذين لم يفهموا اللعبة، يقعون في الأسر ويُعدَمون على أيدي هؤلاء الغزاة، من دون أن يرفَّ لها جفن؟ لا تزال رسائل محافظ الموصل أثيل النجيفي إلى وزير الدفاع بضرورة التحرك السريع محفوظة على هاتفه النقال، بيد أن هذه الرسائل لم تلق اهتماماً يُذكر. كأن لسان حال الوزير يقول: ماكو أوامر! تتعزز الصورة أكثر من خلال اعترافات رئيس ديوان الإقليم فؤاد حسين الذي يؤكد أنه اتصل بصديقه ونظيره، مدير مكتب المالكي طارق نجم، كي يعلمه بالخطر المبيّت ضد الموصل، ويدعوه مع وفد خاص إلى هولير (إربيل) للتحرك السريع، فكان الردّ: “أنتم دبّروا الأمور في الإقليم، ونحن نتدبره في بقية مناطق العراق”.

بعد رحلة يوم واحد، يفاجئ علي غيدان قائد القوى العراقية في الموصل ونائبه عبود كنبر جبارياور وكيل وزارة البيشمركة، قائلاً: “نحن في الطريق إلى هولير، دلّونا”، فيتم ذلك. ويوعز إلى البيشمركة استقبال من معه، ليتم نقلهم بوساطة طائرة إلى بغداد، في اليوم التالي، حيث يأتي هربه، بداية للنزوح الجماعي.

فيلم الواقعية الخرافية

لسنا أمام ريبورتاج صحافي، ولا أمام عرض للحال، بالتفاصيل الصغيرة والدقيقة لما جرى في مدينة عريقة، يعيش فيها العربي إلى جانب الكردي، والمسيحي مع الإيزيدي والشبكي والمسلم وغيرهم، بل أمام فيلم حقيقي، فيلم واقعي، يكاد ينتمي إلى الواقعية الخرافية، وهي الواقعية التي قد يُصطلَح عليها، بعد مرحلة الواقعية السحرية، لأنها لا تكاد تصدَّق.

مكبّرات الصوت في الجوامع، تعلن النفير، وأصوات النواقيس تختنق، وسط فحيح الكربون الذي يسبق الديناميت، وهو يحوّل جماليات الكنيسة إلى مجرد أنقاض؛ تتضارب جدرانها بعضها بالبعض، وتلتقي هندسة بلاطات الأرض، بزخرفات السقف والجدران، بل تنسف النوافذ والأبواب، وتحترق طبعات الأناجيل، كما المخطوطات، والتحف، وسيرة المكان. حارس المعبد، الذي يحرس رائحة آبائه، وصليبه، منذ ما قبل الإسلام بمئات السنين، يضطر إلى ترك داره، وما فيها من ذكريات، خاضعاً لتدرجات حبر التصنيف الداعشي، فيولي الديار الأدبار، متوجهاً صوب إقليم كردستان، حيث يطمئن فيه إلى أهله هناك.

المشهد ذاته، يتكرر مع الشبكي، الذي تنوس تغريبته بين بغداد وإقليم كردستان، موزّع الإحساس إلى انتماءين، أحدهما عربي، والثاني كردي. لا نتوقف لفحص أحماض أرومة المظنّة، في هذا المقام، ولا سيما عندما نعلم أن هولير، وبقية خرزات عقدها، المنتظمة في خيطها الكردستاني بين زاخو ودهوك، والسليمانية، قد استقطبت مليوناً ومئتي ألف نازح، الكرد بينهم لا تتجاوز أعدادهم الثلاثمئة ألف كردي لاجئ من المكان المعروف ضمن خريطة سوريا، ناهيك بنحو مئتي ألف إيزيدي، ليكون من تبقى، بعد حصيلة هذا الجمع والتقسيم، عرباً ومسيحيين.

هؤلاء الذين رفضوا تقديم الجزية، وفرّوا بأرواحهم، من دون أن يحمل أحدهم من أملاكه وأمواله، سوى ما يرتديه من ملابس، ليقطعوا مسيرة ما لا ينتهي من أميال اللهاث والتعب، على أرجلهم، من بينهم الأطفال والشيوخ. هؤلاء، على مأساتهم، كانوا أكثر طمأنة، ممّن سيكرّر هذه التغريبة من جيرانهم الإيزيديين والشيعة الذين استشعروا خطر “داعش”، ولاذوا بأرواحهم من الموصل، من دون أن يكون في بال أحد أن سنجار/شنكال، ستكون الهدف التالي لـ“داعش”، بهذه الفجائعية، والوحشية، والبربرية.

ثمة من قصد من مسيحيي الموصل أهله في إقليم كردستان، وثمة من لم يكن له أقرباء يحتضنونه، فكانت حكومة الإقليم عنوانهما، وهي الحكومة التي تلقّت إلى أول دفعة من اللاجئين إليها، منذ انتفاضة الثاني عشر من آذار 2004، الكردية في سوريا، حين لاذ بها بضعة ألوف من الكرد، خشية انتقام النظام الدموي الذي راح يلاحق نشطاءهم!

الماضي القريب

مخيمات عدة، أقيمت في إقليم كردستان، أشهرها مخيم دوميز الذي أعدّ، مع تقاطر الألوف من الكرد بعد الثورة السورية، إثر الحصار المتعدد الوجه لمناطقهم. هذا كلّف الإقليم الكثير، لا سيما أن نزوحهم من الشطر الكردستاني الغربي إلى الشرقي، جاء في الفترة الأكثر حرجاً في تاريخ الإقليم الذي يعيش تحديات كثيرة. سبب هذا الحرج، أن رئيس الحكومة العراقية المخلوع كان أصدر قرارات عدة، من أجل حصار الإقليم، ما أثّر في مستوى الحياة فيه، إلى درجة تعثّر سداد رواتب موظّفيه. وجاء نزوح ما يقارب ربع مليون كردي من مناطق كوباني وعفرين وقامشلي ليشكل عبئاً كبيراًعلى كردستان العراق. تمّ صرف نحو خمسين مليون دولار على الأسر اللاجئة، بعد مرور سنتين على احتضان هؤلاء اللاجئين، من دون أن تساهم المنظمات الدولية إلا بنسبة لا تصل إلى العشرين في المئة من نفقاتهم، ومن دون أن تؤدي حكومة بغداد المركزية واجبها تجاههم، على رغم أن المالكي نفسه كان لاجئاً في سوريا، وكانت أعداد العراقيين اللاجئين في سوريا قد وصلت الى أربعة ملايين شخص، ومنهم كثيرون لا يزالون هناك، على رغم هجرة بعضهم من سوريا بسبب تدهور الوضع الأمني في ظل ظروف الحرب.

النزوح الجحيمي

تحدّث كثيرون من أبناء الموصل، ومنهم بعض العرب الذين تركوا بيوتهم، كما كتب الناقد الدكتور محمد صابر عبيد، ابن الموصل، في “ملحق النهار”، واصفاً رحلته وأسرته صوب دهوك، ومنها إلى تركيا، بعدما اضطروا لترك ديارهم، والنزوح الجماعي، ليكون مصيرهم مشابهاً للذين لا حيلة لهم، لتأمين الإقامة.

من حقّ اللاجئ، كل لاجئ، وقد تم الاحتفال بيومه العالمي في أواخر حزيران الماضي، أن يستشعر هذه المفارقة، مفارقة من الممكن فهمها عند إعمال الحكمة، بيد أن المسافة تظل شاسعة بين الحياة في البيت الأول، والمخيم الملاذ.

منذ غزو الموصل، بدأت رحلة النزوح الجحيمي لمسيحييها، حيث تقبّلت قلة قليلة من أصحاب المصالح، بأن يتمّ التعامل معها على مبدأ “أهل الذمة” ودفع الجزية. هناك من يولي وجهه صوب مناطق سكن المسيحيين في عينكاوة القربية من أربيل وغيرها، حيث الأمان. هذا ما دفع بالناطق الرسمي باسم الحزب الوطني الآشوري ماجد إيليا، إلى طلب حماية البيشمركة بعد هزيمة الجيش العراقي في سهل نينوى. هاكم ما قاله راعي كنيسة ماريث آلاها الكلدانية القس يوسف ياقو: “يومياً نستقبل الآلاف. اللاجئون بحاجة إلى المساعدات الإنسانية. خمسمئة أسرة سكنت المركز الثقافي”.

مسيحيو نينوى

كانت أعداد مسيحيي العراق تصل إلى المليون ونصف المليون شخص، بحسب إحصاءات الثمانينات من القرن الماضي. بيد أن أعدادهم تقلصت تدريجياً، بسبب ديكتاتورية النظام الصدّامي، فلم يبق منهم إلا مئات الألوف الآن، بعدما هاجر أكثرهم إلى أوروبا. الاستقبال الرسمي الأول لهم بعيد غزو الموصل، قام به وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في مطار باريس، مؤكداً أن فرنسا ستستقبل بضعة آلاف آخرين منهم. هذا أمر مقلق حقاً، لأن المنطقة باتت تفرغ من مكوّناتها الأصيلة، ولا سيما من المسيحيين، الذين يشكلون “الطائفة” الثالثة، إضافة إلى الإيزيديين الذين يحتلون المرتبة الرابعة من حيث ديانتهم، والثانية على اعتبارهم من الكرد الأقحاح. اتّخذ نحو خمسة وتسعين ألف مواطن من الشيعة والتركمان من منطقة سنجار ملاذاً لهم، منذ غزو “داعش” لمناطقهم، وتم استقبالهم، على رغم تردي أوضاع المنطقة، بسبب الظروف التي مرّوا بها، حتى اثناء تبعيتها، حتى الأمس القريب، إلى حكومة المركز. بيد أنهم سيضطرون لمغادرة المكان مع الإيزيديين أثناء محنتهم الكبرى.

وقائع الهرب

على الرغم من بعد سنجار 114 كيلومتراً عن الموصل غرباً، فإن نحو 600 مركبة أقلّت سفاحي “داعش” الذين فاجأوا أهلها، في تمام الساعة الثانية ما بعد منتصف1-2 من آب الماضي، فاحتلوا بعض مجمعاتها السكنية التي تقع بالقرب من مناطق القبائل العربية التي احتضن بعضها مسلّحي “داعش”. انتشر الخبر بسرعة البرق عبر الهواتف النقالة: “داعش” ترتكب مجزرة في حقّ الإيزيديين، ما أربك الأهالي الذين سرعان ما تركوا ديارهم، ولا سيما إثر انتشار أخبار تقول إن الدواعش يغتصبون النساء ويسبونهن، ويعدمون حتى من يدّعي تبديل دينه، معلناً إسلامه. هذا ما حدث لمئات الأسر المتبقية التي انتقلت إلى تلعفر.

عوائل الإيزيديين استطاعت أن تفرّ صوب جبل شنكال وتتسلق متعرجاته، لتتحصن فيها. كانوا بالآلاف، فيما أخذ “داعش” يبث عبر مكبّرات الصوت: “لقد استرجع البيشمركة سنجار”، أو “ليعد المدنيون إلى ديارهم آمنين”، كي يتخذوهم دروعاً بشرية. واصل النازحون السير، على غير هدى، واصلين الليل بالنهار، في اتجاه دهوك. بعضهم تاه، ليظهر على حدود غرب كردستان، فاستقبلهم الاتحاد الديموقراطي الكردستاني وقوته العسكرية في معسكر نوروز في ديرك، وصولا إلى قبور البيض وقراها، كتل خاتون، آله رش، أو تلجه. آخرون وصلوا إلى ريف عامودا، ليحاول النظام السوري أن يبيّض صفحته، من خلال إيوائهم في أحد معسكراته هناك.

ظروف قاسية يعيشها اللاجئ، بعد صدمة تركه دياره وبيئته، ليعيش في ظل علاقات جديدة. في دهوك وحدها نحو 750 ألف لاجئ – والرقم في ازدياد- 300 ألف منهم من سنجار، 250 ألفاً من شيخان وتل كيف، 300 من الشبك الشيعة الذين غادروا 65 قرية من قراهم. هذا حمل سلطات دهوك – كما يقول محافظها- على أن تستعين بالمباني الحكومية، والجوامع، والحدائق، لتأمين الإقامة الأولى لهؤلاء الضيوف. 700 مدرسة في المحافظة خصصت لاحتضان هؤلاء، فتأجلت الامتحانات شهراً كاملاً.

معاناة اللاجئين كبيرة، خصوصا الذين يعيشون تحت الخيام، حيث تبلغ حرارة الطقس 50 درجة مئوية، ويشيع خوف من انتشار الملاريا. الدفعة الأولى من المواد الإغاثية الأميركية كانت عبارة عن 20 ألف غطاء، و3 آلاف و300 خيمة، وبعض المواد التموينية. يأتي ذلك، ضمن قرار أميركا والاتحاد الأوروبي دعم الكرد الإيزيديين في محنتهم.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق