الشاعر أحمد الصافي النجفي البدوي الشريد المتمرد على ثياب المشيخة / محمد حجيري

منذ مدة، بات هناك ما يمكن وصفه بـ»هجر» للشعر الكلاسيكي المعاصر، وبات نادراً ما تتوفر أعمالهم في المكتبات، وهناك قلة قليلة من الجيل الجديد، يقرأون هذا النوع من الشعر، من الياس أبو شبكة إلى بشارة الخوري (الأخطل الصغير) ورشيد أيوب والمعالفة واحمد شوقي وخليل مطران وحافظ ابراهيم وحتى الجواهري وسعيد عقل. وفي هذا الإطار، يكون جهد محمد مظلوم في إعادة تسليط الضوء على الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1896- 1977) في «الغربة الكبرى لمسافرٍ بلا جهة/ دراسة ومختارات من شعر أحمد الصافي النجفي»(قريبا عن منشوارت «الجمل«) كأنه محاولة لكسر نمطية هجران الشعر الكلاسيكي، وحسب ما يتوصل اليه مظلوم أن الصافي النجفي لم تحظَ تجربته بدراسة نقدية رصينة تتناسب مع أهمية إنجازه الشعري، ودوره في مسار تطوُّر القصيدة العربية وانتقالها من مرحلة التقليد إلى حقبة التجديد، فأغلبُ الكتب المتوفِّرة في المكتبة العربية، والتي تدور حول تجربته وشعره، هي من نوع الشهادات الشخصية، عن سيرة الشاعر، كما أنَّ قسماً كبيراً من تلك المؤلفات يعتمدُ بشكل أساسي على استذكارات شخصية، ولقاءات مع الشاعر، يستعيدها عددٌ من مريديه وقرَّائه وأصدقائه. وإزاء ندرة الكتب النقدية، التي تقارب تجربة الصافي النجفي الشعرية، مقاربة فنية ثقافية شاملة، وتحاول الإحاطة بعوالمها المركَّبة، والكشف عن بنيتها المضمرة، بقيَ هذا الشاعر في عزلة من نوع آخر. وكما حرص هو دائماً على هجران الناس، وإنكار النقاد وهجوهم، ها هم يقتصُّون منه بشكل آخر معاكس، أو لعلَّهم لا يجرؤون على المغامرة لتفحص أرثه رغم رحيله، ربَّما فَرَقاً من ذلك العالم صعب المراس والقياد الذي تعيش فيه قصائده، العالم الذي يبدو عصياً وغريباً رغم بساطته. وما يقوله مظلوم فيه جانب كبير من الحقيقة، في المقابل هناك بعض الدراسات النقدية عن النجفي نافدة من دور النشر والمكتبات، وغيابها عن التداول يرتبط من دون شك بتراجع الإقبال على الشعر عموماً، والشعر الكلاسيكي(المعاصر) خصوصاً. فاذا كان الشعر في دائرة الانحسار، فكيف يكون الأمر في الدراسات عنه؟!

يحاول محمد مظلوم في هذه الدراسة، وكذلك المختارات الواسعة من أشعاره، لفتَ الانتباه إلى أهمية اختراق تلك العزلة الأصعب والأكبر: «عُزلة الشاعر بعد موته، بعد عُزلته الكُبرى في حياته». كما يحاولُ الإضاءةَ على المناطق الأشدِّ عتمةً في تجربته في التمرُّد والاغتراب والانشقاق والعصيان ورفض التلقينات الأبويَّة في الثقافة والوعي والحياة بشكل عام، وتقصي فرادته في ذلك، وهي فرادة صادرة عن وعي أخلاقي وإحساس عالٍ ونادر بالحرية الإنسانية.

ولا شك أن تجربة النجفي وسفراته ورحلاته المتعددة تدل على أركان شعره، فهو ولد عام 1897 في النجف في أسرة دينية حجازية في الأصل، توفي والده بالكوليرا التي عمت العراق عام 1907. كان النجفي ضعيف البنية أرهقته الدراسات، فأصيب ببعض أنواع العصاب أي الانهيار العصبي الشديد، فأشار الأطباء عليه التوقف عن متابعة الدروس، فاتجه إلى المطالعة في الأدب القديم والصحف والمجلات مكتسباً معلومات ثقافية واسعة. أخذ ينشر مقالاته في مجلتي «المقتطف» و»الهلال» المصريتين. ويروي في سيرته «قبل انتهاء الحرب العالمية بسنة واحدة رغبت عن لباس المشيخة وبالتالي عن البقاء في مدينة النجف، فهربت مع رفيقي السيد محمد علي كمال الدين، قاصدين البصرة للاشتغال فيها، وقد اخترنا في طريقنا خطوط الحرب بين الأتراك والانكليز من جهة وكدنا نمسك بيد الأتراك بتهمة التجسُّس». خلع النجفي «لباس المشيخة» مُبكراً وترك مدينة النجف في رحلة عاثرة إلى إيران لم تدم طويلاً خلال الحرب العالمية الأولى. وعندما عاد إلى مسقط رأسه وجدها قد سقطت بيد الإنكليز، واشتعل حماسة في مقاومة المستعمرين معولاً على ثورة الشريف حسين. وكان بيته، في مدينة النجف، مقراً للنضال يلهب فيهم ويؤجج سنا الثورة شعراً وفعلاً. وبعد أفول الثورة وهزيمتها نصبت له الأعواد لشنقه، فأدركه الخبر، وسرعان ما غادرها ثانية إلى إيران. وحين عاد بعد ثماني سنوات وجد إرث الثورة قد جرى اقتسام سهامه، معاصروه وأقران ممن عاصروا الحقبتين كالزَّهاوي، والرّصافي، والجواهري، والشبيبي، وعلي الشرقي، أصبحوا نواباً في مجلس الأعيان، وانخرطوا في المؤسسات الناشئة آنذاك، في حين اضطرَّ من جانبه إلى العيش في المنفى. وبما أن لكلِّ ثورة في العراق ضحيَّةً شعرية من طراز رفيع، فقد كان الصافي النجفي ضحيَّة ثورة العشرين بامتياز.

لم يسكت النجفي أو يهدأ في مواجهته الانكليز، الذين كانوا يحكمون البلد، وراح ينظم شعرا «وطنيا» أثار حافظة الانكليز، الذين اعتقلوه، حيث قضى أربعين يوما في السجن الانكليزي كانت حصيلتها مجموعة شعرية سماها «حصاد السجن». فكان لهم ما أرادوا وله ما أراد:

سجنت وقد مرتْ ثلاثون حجةً من العمرِ فيها للسجونِ تشوّقْتُ

سعى «دعبلٌ» للسجنِ طولَ حياتِه فخابَ، وفي المسعى لسجني توَفّقْتُ

ونفي إلى بيروت، ومنها عاد مجددا إلى العراق، ويروي البعض أنه قبل تراب عراقه بشوق ولهفة، ولكنه لم يلبث أن أصيب بمرض عضال، نصحه الأطباء أثره بالسفر إلى بلاد أقل حرارة وألطف جوا، وهكذا كان حيث ترك بلاده متوجها إلى سوريا ولبنان «حيث الجو معتدل والطبيعة حافلة بالمجاذبات»، كما سوف يقول بعد ذلك بنصف قرن، حين راح يروي ذكرياته عن تلك المرحلة.

وصل النجفي إلى دمشق في العام 1930، ومنذ استقر فيها، جعل من مقهى «الهافانا» الثقافي محطته الدائمة. ولقد طابت الإقامة للشاعر في دمشق يومها وصارت العاصمة السورية بالنسبة إليه «جنة الخلد«. أما حياته في هذه المدينة كما يقول أصحابه في تلك الفترة فكانت اقل من متواضعة. فهو لدى مغادرته المقهى كان يقصد «بيته» الذي كان عبارة عن غرفة ملحقة بأحد الجوامع قرب سوق الحميدية.

كانت صور النجفي في دمشق، صورة «الشريد» الذي لا أهل له أو وطن، نزيل الفنادق والمقاهي والغرف القديمة الباردة، ولأن المسافة قصيرة بين دمشق وبيروت كان النجفي يستغل أية مناسبة للمجيء إلى لبنان، مع التذكير ان والدته من منطقة صور اللبنانية. سوف يمضي في لبنان الشطر الأكبر من حياته، حيث سكن مدنه وكتب عنها بدءاً ببيروت مروراً بطرابلس فبعلبك وصيدا وجزين وانتهاء بصور. ومع أن النجفي الآتي من العراق، لم يطق ضجة بيروت ولكنه استعذب بحرها، فكان يخلو إلى مقاهيها الشعبية البحرية، ولا سيما إلى مقهى الحاج داوود الذي قتلته تحولات المدينة ومزالق الحرب الأهلية. كان النجفي يجلس جلسة مزاجية، ويأوي مساء إلى غرفة شديدة التواضع تقع بالقرب من مستشفى «أوتيل ديو». وفي أثناء مرضه نادرا ما كان الصافي النجفي يعرض نفسه على الأطباء. ولولا بعض أصدقائه، ما كان دخل المستشفى يوما.

في المقلب الآخر يروي جعفر الخليلي في كتابه «هكذا عرفتهم» أن النجفي كان يتنقَّل من مدينة إلى مدينة في جنوب لبنان، بدءًا بمدينة صور التي لم يحبها، مروراً بصيدا التي أقام فيها فترة من الزمن. وفي صيف العام 1958، وتحديداً «فندق طانيوس» شمال صيدا، وكان لبنان يحترق في أتون احداث 1958، والفندق خال إلا من رجل نحيل القامة غريب الاطوار عرف انه شاعر، ولأن صاحب الفندق يحب الشعراء ويتعاطف معهم، سمح له ان يقيم كضيف ونزيل وحارس في الوقت نفسه. وهكذا إذ وجد الرجل نفسه وحيداً في الفندق والنيران تحتدم في لبنان، لم يجد أمامه إلا أن يكتب الشعر، فكتب قصائد كونت ديواناً حمل اسم «الشلال». ورغم تنقلات النجفي في البلدان والمدن فهو بقي محافظاً على زيه البدوي، الكوفية والعقال، والعباءة وما يختفي تحتها، ويقول خليل برهومي في كتابه «شاعر الغربة والألم»: للصافي مظهر ينفر، وجوهر يحير، كان دائما يظهر بمظهر واحد لا يتغير في أيامه ولياليه. كوفية عراقية بالية، وجلباب مهتري ريم، ونعل بال قديم. أنه «البدوي الذي يسعى إلى أن يكون نبيَّاً»(محمد مظلوم)، بعد أن يغمر الطوفان كل شيء إزاءه، ولذلك كان بأسه أقوى من بؤسه، فهو القادم من الصحراء، إلى مدن البحر، والحجر، ولكنَّه ظلَّ متمسكاً بزيِّ الأعراب، متوَّجاً بعقاله، في وقت تحولت فيه الرؤوس إلى «حاسرة، والسيقان المضمومة تحت الثوب القديم غدت منفرجة في البنطال»، وهذا بحسب محمد مظلوم تعبير إضافي، عن الشخصية الاستبطانية، والمزاج المختلف، وإشارات ظاهرية للتأكيد على تمايزه عن محيطه.

بدأ المنفى المركب في حياة الشاعر من الحلقة الأكثر حميمية ودفئاً: العائلة، فنشأت غربته من هناك! حيث كان أهله يسمُّونه وسط أفراد العائلة بـ»العجمي» وينادونه بهذا النسب الغريب،

غريباً لدى أهلي أُعَدُّ من الصِّبا ولمْ آتِ لولا غُربتي بِغَريبِ

يسمُّونني بالأعجميِّ لغُربتي فما كنتُ من أفهامِهم بقريبِ

عاش النجفي غريباً داخل نفسه وغريباً بين أهله وعشيرته، فكتب أجمل قصائد الغربة، والمعاناة من السجن التي وصفها بالغربة داخل الغربة. وخلال وجوده في إيران، صار أكثر ميلاً إلى التأثر بتجارب عدد من «الشعراء المنزوين» كما يسمِّيهم.

كانت رحلة الصافي «المذعور مما حوله من نكبات وقبح وإنكار، تستدعي أن يجتاز المضيق مموَّهاً بحرَّاسٍ أقوياء»، فكان كلٌّ من المعري والمتنبي قناعي التمويه في ذلك الاجتياز الصعب، فالمعري صنوه في العزلة، وفي السيرة الشخصية لكلٍّ منهما تشابهٌ ظاهرٌ، فكلاهما لم يتزوَّج، ولم ينجب لدوافع فلسفية وجودية، وكلاهما «رهين محبسين» أو ثلاثة سجون حيث يقول المعري:

أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ

لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ

أما النجفي فهو رهين محبسين معاصرين: «ضنى وفقر» وسجن ثالث حقيقي وليس مجازياً:

رهينُ المحبسينِ: ضنىً وفَقْرِ وأُسجنُ؟ جلَّ ذلكَ مِنْ نصيبِ

أما التماهي مع المتنبي، فيبدو أكثر كثافة، بفعل متانة عناصر الدمج، والتفاعل بين الشخصيتين، رغم تباعد العصر بينهما، فكلاهما شدَّ الرحال في وقت ما من حياته إلى شرق البلاد وغربها: إيران والشام، وإن اختلفت بينهما المطامح أو المطامع كما يسميها النجفي:

إنَّ عندي روحَ النبيِّ، ولكنْ ليسَ عندي مطامعُ الْمُتنبِّي.

لقد جمع الصافي في رحلة تماهيه المزدوج هذا، بين زهو المتنبي وكبريائه، وترفُّعه، وقلقه، وبين زهد المعرِّي، وعزلته.

شاعر آخر، قارب الصافي تجربته روحياً، وإن لم تصل تلك المقاربة، إلى ذلك «التماهي» وهو عمر الخيام وجانب المقاربة بين حياة النجفي والخيام- والثاني قريب كذلك في فلسفته من المعري- تتضح في نزعة التشاؤم من الوجود، وفي رحلة الشكّ والحيرة والقلق الوجودي، في ما يتعلق بثنائية: الإلحاد/ الإيمان، التي عبر عنها الخيام في رباعياته تعبيراً دقيقاً، وهي تلخِّصُ إلى حدٍّ نوعاً من السيرة الأخرى للنجفي، في تقلبه في أسئلة الوجود، وموقفه المضاد للتديُّن الذي بدأ من الأمواج:

مسالكُ دِيننِا مُلئتْ صُخوراً تعوقُ السَّالكينَ عنِ الْمُرورِ

قد اخْتلفَ الورى دِيناً ولكنْ تساووا في المآثمِ والشُّرورِ.

وإلى اليوم يفضل عشاق الشعر ترجمة النجفي لرباعيات الخيام، على رغم ان الرجل رفض ذات يوم اعادة طبعها حين عرضت عليه دار نشر بيروتية ذلك مقابل 10 آلاف ليرة لبنانية قائلاً، حسب رواية يوردها عبدالواحد لؤلؤة: «إنني الآن أجد الرباعيات تدعو، إلى الالحاد والخمر والتشكيك وانا أشعر بالواجب، ورسالتي في شعري هي ضد رسالة الخيام».

حاول النجفي في مجمل أشعاره، وبجرأة قصوى أن لا يترك قصيدته تنجرف إلى الوزن الشعري بصرامة التفعيلة وتراكيبها، التي تشدَّها إلى مناطق معهودة في الذاكرة. ولهذا، فعادة ما كان يؤخذ عليه عدم اهتمامه بموسيقى قصائده، أو أنه ينحو بشعره نحو «نثرية» ما، وهي في معتقد النقد القديم: الوزن الشعري المجلجل، فموسيقاه خافتة منسابة، لا تكاد تشعر معها أنك أمام قصيدة موزونة، بالمعنى التقليدي، أو بالتراتبية التي ألفتها الذاكرة. وبدا الصافي النجفي للنقد في عصره متمثلاً بنموذج مارون عبود، وكأنه «أعجمي» يرطن بين فصحاء، تماماً كما اتهمه أهله في صغره، كان مارون عبود في كتابه «مجددون ومجترون» أكثر النقَّاد قسوة في الحكم على شعره. إذ اعتبره شعر أغراض ومناسبات، ولا صلة له بفن كتابة الشعر، وشبَّهه بالشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي. وكان مارون عبود يسخر من الزهاوي ومن نوع الشعراء الذين يقاربون كتابة الشعر، أو يقرضونه، من دون أن يراعوا الشروط الفنية لكتابة الشعر، الشروط التي جعلت من الشعراء الآخرين شعراء كباراً. ويذهب عبود في نقده لشعر النجفي فيعتبره أشبه بشعر أبي العلاء المعري، الذي لم يكن شعراً بنظر عبود، بل نثراً في شكل الشعر، عبَّر فيه فيلسوف المعرة عن فلسفته في الحياة.

وبرأي محمد مظلوم، إنَّ واحداً من أسباب مشكلات النقد مع شعر النجفي، هو غرابته وغربته بشكل عام، وجرأته على المروق، وكسر المعتاد في الذائقة والذاكرة معاً. فقد قرأ الشعر الفارسي جيداً، ولعله أول شاعر عربي استفاد من ثقافته الفارسية، ودمجها عضوياً في أشعاره ورؤيته، وقد صار معروفاً الآن أنَّ الشعر الفارسي، بشكل عام، لا يميل إلى التعقيد اللفظي، إنما يقوم على سهولة ظاهرية مفرطة، ولكنَّ هذا الشعر وبسبب مزجه المناخ العرفاني بالحياة اليومية، واهتمامه بأن تكون المتعة في القراءة مزدوجة في التلقي المباشر والتأويل البعيد، قد صوَّر للبعض أن هذا السياق غر المألوف من «السهل الممتنع» يبدو وكأنَّهُ إسفافٌ، ويمكن أن يراه دعاة شعر «الديباجة» و»الفخامة» وقوعاً في العادية، ولهذا فإنَّ ما وصفه عبود بغياب «الديباجة في شعر الصافي» هو تعبير دقيق عن ذلك المأزق النقدي، الذي لا يستطيع تقبُّل الشعر خالياً من الديباجة القديمة، وظهوره عارياً أو على الأقل في إهاب جديد.

ومع استغنائه الاختياري عن أبرز الأغراض الأساسية في الشعر العربي، فهو أكثر الشعراء تطرُّقاً لموضوعات جديدة، ومعانٍ مختلفة في شعره، إنَّه بتمردَّه على الأغراض الموروثة، ورغم موقفه المضاد لشعر التفعيلة، لكنه في العمق يعدَّ الممهِّد الحقيقي لكن الخفيِّ للقصيدة العربية الحديثة، ذات المناخ الشعري المتموَّج وغير الخاضع لأحادية الغرض أو حتميته.

عندما رحل الصافي النجفي يوم 27 حزيران يونيو 1977 في بغداد كان في الثمانين من عمره، وكانت شهور قليلة فقط قد مضت عليه منذ عاد إلى وطنه وهو الذي كان له نظرة غير ومنسية للأوطان، مثله مثل الكثير من اللبنانيين والعرب ذاق جراح الحرب الاهلية، عندما عاد النجفي إلى بغداد، كانت ست واربعون سنة قد انقضت منذ غادرها منفياً أو هارباً من الاستعمار أولاً، ومن المناخ الجاف ثانياً، حيث لم يعد اليها الا لماماً وفي فترات متفرقة، هو الذي فضّل دائماً أن يعيش في بيروت وبقية المدن اللبنانية. وبقيت حكاياته في المقاهي البحرية علامة من العلامات الثقافية.

عن جريدة المستقبل

====

«المفتاح» رواية جونيشيروا تانيزاكي فانتازيا إيروتيكية برهافة لغوية

 
منى برنس
كلما قرأت عملاً أدبياً يابانياً أُصاب بالدهشة! فمن خلال معرفتي السطحية بعدد من اليابانيات واليابانيين الذين التقيتهم في مناسبات مختلفة، أستطيع القول انهم أناس محافظون جدا فيما يتعلق بالتعبير عن المشاعر والعلاقات العاطفية والجنسية، ويبدون على الدوام هادئون وخجولون ولا ينظرون في عين من يحدثهم بشكل مباشر. إلا أن الأدب الياباني الحديث (ميشيما، كاواباتا، تانيزاكي، وآخرون) يتناولون تلك الموضوعات المتعلقة بالعلاقات ما بين الجنسين بشكل جريء وحداثي جدا، مقارنة بالفترة الزمنية التي كتبوا فيها أعمالهم (نهاية القرن التاسع عشر وبداية ومنتصف القرن العشرين). وما يثير دهشتي عادة ليس فقط الموضوع إنما طريقة تناوله وأسلوب الكتابة المختلف تماما عن نظيره في أدب أميركا اللاتينية، والأدب الأوروبي والأدب العربي. فمهما كانت درجة عنف وغرابة الموضوع والأحداث، تبقى الكتابة هادئة وغاية في الرهافة ولا يوجد فيها أي صخب أو صراخ لغوي مصاحب أو معبّر عن الغليان، الذي تشعر به في أي نص أدبي ياباني.

اخيرا، استعرت من المكتبة رواية بعنوان «المفتاح« للكاتب جونيشيروا تانيزاكي، وتوقفت بعد قراءة أول صفحتين. هذا كتاب جريء جداً، قلت لنفسي. وبشكل تلقائي انتقلت إلى الصفحة الأخيرة التي تحوي نبذة عن المؤلف. مواليد طوكيو وتوفي في . كان ذلك مفاجأة لي. فقد ظننت أن الكاتب معاصر بسبب موضوع وأسلوب الرواية. الرواية نفسها صدرت عام . لا أعلم هل للبعد الجغرافي أي دخل في تلك الحداثية، وما بعد الحداثية المبكرة في الأدب الياباني.

تبدأ الرواية بفصل يحمل عنوان «يوم رأس السنة«، يعلن فيه الراوي أنه بدءا من اليوم سوف يكتب بحرية عن موضوع تردد كثيرا في الكتابة عنه سابقا، وهو علاقته الجنسية بزوجته، إيكوكو. وما جعله مترددا سابقا هو خشيته من أن تكون زوجته تقرأ مذكراته، وبالتالي قد تشعر بالإهانة. فهي زوجة تقليدية وتفتخر بأخلاقها العتيقة وتربيتها المتزمتة، وترى في ذلك أنوثة وتواضعاً يجعلها تخجل من مناقشة أي موضوع حميمي بينهما. هي فقط تقوم بممارسة الفعل في صمت وفي الظلام وتحت أغطية كثيرة، ولا تجعل زوجها يرى من جسدها أي جزء أسفل خصرها. ويتساءل الزوج «هل هذا زواج حقيقي؟«. ورغم أنه يحب زوجته ولا يمل منها إلا أنه مصاب بالإحباط، وهو السبب الذي يجعله يكتب الآن، آملا أن تقرأ زوجته مذكراته خلسة: «أنا سأفترض أنها تقرأ، وأنني أتحدث اليها مباشرة«. ويعترف الزوج بأن قدرته الجنسية لا تضاهي قدرة وشهوة زوجته، فهو يبلغ من العمر عاما وهي تبلغ عاما، وأنه يجد نفسه متعبا من ممارسة الجنس، وأن مرة أسبوعيا تناسبه، لكن زوجته متطلبة. فيبدأ الزوج في تخيل ماذا لو ارتبطت زوجته بشخص آخر.

الفصل التالي بتاريخ يناير (كانون الثاني)، وفيه تقرر الزوجة، كتابة مذكراتها. وتبدأ بالإشارة إلى مفتاح الدرج الذي يخبئ فيه الزوج مذكراته، والذي تركه الزوج في مكان بارز في غرفة مكتبه. وتتساءل الزوجة، هل يريدني أن أقرأ ما يكتب؟ لكنها تعلن أنها غير راغبة في سبر أغوار نفسه، فهي شخصيا لا تحب أن يعرف الآخرون ما يدور في نفسها. ثم تبدأ في الحديث عن ليلة رأس السنة من منظورها: «كالعادة بدا زوجي وكأنه وصل إلى ذروة شهوته، وكالعادة تُركت غير مشبعة. شعرت بالبؤس بعد ذلك. هو دائما يعتذر عن عدم تكافؤه معي، ومع ذلك يتهمني بالبرود وأنني طوال سنة لم أحد عن الطريقة التقليدية وعن الوضعيات ذاتها في ممارسة الجنس«. ومع ذلك، تعترف أن زوجها يستجيب لرغباتها التي تلمح لها فعلا، من دون أن تفصح عنها بالكلام. وتتابع الزوجة الكتابة من منظورها قائلة أن زوجها يتهمها بأنها لا تحبه قدر حبه لها، وأنها تعتبره ضرورة، وضرورة معيبة أيضا. وأنها مسؤولة جزئيا عن عدم اشباعها. وتعترف الزوجة بأن أبويها ربياها على أن تكون امرأة هادئة، خجولة، متواضعة، وألا تبادر أبدا بالفعل مع الرجل. لكنها أيضا تعترف بأنه لا ينقصها الشغف، لكن هذه المشاعر عميقة جدا بداخلها وتحتاج لشخص قادر على استثارتها من دون أن تعلن هي عن ذلك. ثم تفكر بأن زواجها كان غلطة شنيعة. لكنها في النهاية تحب زوجها وتكرهه في الوقت ذاته. تحبه لأنه زوجها وتكره جسده ومحاولاته المستميتة لإشباع خيالاته الجنسية، مثل تقبيل قدميها، ورؤيتها عارية والتي لا تسمح بها مطلقا.

تتوالى الفصول- اليوميات من وجهتي نظر الزوج والزوجة. ومن اللافت للنظر أن الزوجة لا تذكر اسم زوجها مطلقا، فقط تقول «زوجي«، في حين يستخدم الزوج اسم زوجته مرارا. ومن خلال تلك اليوميات نتعرف على كيمورا، وهو شاب يأمل الزوجان أن يصبح زوجا لابنتهما توشيكو. لكن الابنة لا تعره كثير انتباه. في حين يلاحظ الزوج اهتماما ما ولطفا واضحا ما بين زوجته وكيمورا، خصوصاً بعد أن شربت كثيرا من البراندي، ويشعر بالغيرة. لا يتحدث عن شعوره مع زوجته لكن يذكر ذلك في يومياته. يستمر الزوج في دعوة كيمورا إلى العشاء وشرب براندي من نوع خاص يجعل إيكوكو تسكر حتى الثمالة، فتذهب إلى الحمام وتسقط في البانيو. وتنتهي الليلة بأن يحمل الزوج زوجته إلى الفراش بمساعدة الصديق الذي يرى جسد إيكوكو عارياً. في تلك الليلة، التي ستتكرر أحداثها، يعري الزوج زوجته وهي فاقدة للوعي، ويأتي بمصباح فلورسنتي ويقربه من زوجته ويبدأ في تأمل تفاصيل جسدها، التي لم يرها من قبل مطلقا، ويبدأ في ممارسة خيالاته الحسية معها مستخدماً لسانه، والقيام بأفعال تصفها زوجته «بالمشينة«. ينم عن الزوجة ما يجعل الزوج يعتقد أنها تدعي النوم، فيقرر الاستمرار فيما يفعله اختبارا لأي مدى ستتركه يعبث بجسدها إلى أن تصل شهوته لأعلى درجاتها ويجامعها، وتتفاعل الزوجة معه بقوة لتصل لذروتها عدة مرات وهي تغمغم باسم كيمورا. ويتساءل الزوج هل كانت زوجته تحلم بأنها تمارس الجنس مع كيمورا؟ أم تريد أن تخبرني كم تتمناه؟ أو ربما تحذرني؟

في الفصل التالي تحكي الزوجة تفاصيل ما تذكره من تلك الليلة من وجهة نظرها. وتقول: «من المؤكد أن ذلك كان حلماً. ولكن هل يعقل أن يكون الحلم بهذه الدرجة من القوة والحسية؟ في الأول تعجبت من إحساسي بأنني على وشك الوصول إلى الذروة ومن هذا الاحساس الحاد باللذة، نوع من التحقق الحسي لم أحسب أن زوجي قادر على منحه لي. لكنني سريعاً ما عرفت أن الرجل الذي أشاركه الفراش هو كيمورا. هل مكث الليل بجواري.. وأين ذهب زوجي وهل يليق بي مثل هذا التصرف اللاخلاقي؟ ولكنني أدركت أيضا أنني في منطقة بين الحلم والواقع. بطريقة ما، الرجل الذي يعانقني بدا لي كيمورا، لكنه في الواقع كان زوجي». تتأمل الزوجة ما حدث، وتتساءل: هل كان ذلك وهما، وهل هذا الوهم الممتع نتيجة شرب البراندي؟ تشكر زوجها على تلك التجربة الفريدة، وتقرر أن تتناول هذا البراندي بشكل متكرر. وتفكر بكيمورا الذي تخيلته معها في الفراش، ولم تره إلا مرتديا ثيابه وتقرر أنها ترغب في معرفته بشكل «حقيقي».

تتطور العلاقة ما بين إيكوكو وكيمورا بتواطؤ من الزوج والابنة. يعطي كيمورا كاميرا بولارويد للزوج وهو يعلم بطريقة ما أن الزوج يحب رؤية زوجته عارية، ويرغب في تصوير تفاصيل جسدها. يصور الزوج زوجته في أوضاع مختلفة وهي عارية، بعد أن تسكر وتصبح في حال ما بين الوعي واللاوعي. ويطلب الزوج من كيمورا تحميض الفيلم. تترك الابنة بيت عائلتها وتستأجر غرفة ملحقة ببيت مدرستها، وتدعو أمها وكيمورا للعشاء عندها. تسكر الأم وتفقد الوعي، يحملها كيمورا إلى الفراش. تذهب الابنة لإخبار والدها وتترك أمها مع كيمورا بمفرديهما. يبدأ الزوج في تخيل ما قد يمكن حدوثه بين زوجته وكيمورا. تشتعل غيرته ويستعيد قوته الجنسية ويجامعها بكل قوة وشغف.

تناقش الزوجة وضعها مع كيمورا، الأمر الذي لا تفعله مطلقا مع زوجها. وتسأله إن كانت لا تزال مخلصة لزوجها. فيجيب كيمورا بأنه لم يلمس ذلك الجزء الذي نهاه الزوج عن ملامسته. وتقول الزوجة بأنه لولا أن وضع زوجها كيمورا بينهما، وعذبه بهذه الطريقة ما تأججت مشاعر الزوج. وأن زوجها بطريقة ما متماه مع كيمورا. إن الإثنين هما شخص واحد.

في تلك الأثناء يطّلع كلا من الزوجين على مذكراتهما على نحو سري. ويتساءل الزوج لأي مدى ستبقى زوجته مخلصة له، أي إلى أي مدي ستحافظ على تلك الشعرة التي تفصلها عن ارتكاب فعل الزنا. لن تصمد الزوجة طويلا وستمنح كيمورا نفسها كلية. وستشتعل علاقتها الجنسية بزوجها أيضا إلى أن يصاب بجلطة أثناء الفعل. تمكث إيكوكو بجوار زوجها، لكنه وابنتهما سيحثانها على الاستمرار في علاقتها بكيمورا. يموت الزوج في النهاية. وتتساءل الزوجة، في يومياتها، عن دوافعها الحقيقية التي جعلتها تواصل تلك اللعبة، التي أدت إلى وفاة زوجها مع علمها بمرضه. وتنتهي إلى أنها منحته السعادة التي طلبها.

تنتهي الرواية بأن يتزوج كيمورا من توشيكو، بعد فترة الحداد، حفاظا على الشكليات، على أن يعيش الثلاثة معاً، الأم والابنة والعشيق.

هكذا، ورغم حسية الموضوع، وجرأة تناوله، بخاصة في تلك الفترة الزمنية، إلا أن الكاتب لم يستخدم أي من تلك الألفاظ أو الأوصاف مما اصطلح على وصفها بالإباحية أو البذيئة. وحافظ تماما على الرهافة اللغوية التي تميز أدب هذه المنطقة من العالم.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This