العودة

كانت الزنزانة أقل ارتفاعاً منّي، وهكذا لم أكن أستطيع أن أقفَ ولا أن أحني رأسي. كانت رائحتُها أسوأ من رائحة المسالخ، ولم يكن فيها من الهواء أكثر مما في صندوقِ ميّتٍ. 

بقيت وكمّة في رأسي. كان الصراخُ يخترقُ الجدرانَ، لكنّني كنتُ، خلال النهارات الطويلة من دون ضوء، أُحاوِلُ أن أُسَلّي نفسي بالإصغاءِ إلى طنينِ ذبابةٍ كانت تصطدمُ بالجدران. في الليالي كنتُ أتكهّن بخطواتِ فأرٍ يتيمٍ يخرج من القسطلِ ويُرافقُني. كنتُ أعرف متى يكون خروجه نهاراً ومتى يكون ليلاً، أفترض أنّه كان بسبب الروتين، صرير المزلاج والطاقة الحديدية التي كانت تُفتح ليُدخِلوا صحنَ الطعام والمشاوير إلى الحماّم، حين كانوا يَحملونني ويعودون بي كشيءٍ، كأيِّ شيء. لا أدري ما إذا كنتُ أميّزُ بهذا النهارات من الليالي أو أنّ السببَ كان آخرَ أكثرَ غموضاً. صرخاتٌ نعم، كانت تُسمَع في كلّ ساعة.
كانوا قد أوقفوا الصفعات. “سنعودُ لنُدردش” قالوا لي. رحتُ أستعيدُ جسمي المحطَّم قليلاً فقليلاً. كنتُ ألعقُ جِراحي. أمشي كثيراً. كيلومتراتٍ بكاملها. طبعاً أقطعُها على ثلاثِ خطوات، كنتُ أعرجُ، ما زلتُ أعرجُ، هذا لا شفاء منه.
برؤوس أصابعه كان يقرأ الرسائل التي تركها آخرون، بأظافرهم أو أزرارهم على الجدران. جميعنا نشعر، أعرف السبب إن كنتَ شاطراً، بتلك الحاجة للكتابة: كنتُ هنا.
كنتُ أنامُ على الأرض، على السترة. كنتُ أقضي الوقت بانتظار إشارة ما تأتي من الخارج. كنتُ أتكهّن أو أخترع أصواتاً لا تكونُ صخبَ الألم. كل الذي كنتُ أسمعهُ، أُصفيهِ وأُراكمِهُ. ككامنٍ كنتُ أنتظر أن يأتي أحدٌ ويحدّثني، حتى لو كي يُعَهِّرني، لكنَّ أحداً لم يكن يأتي. كنتُ أعدّ الأيام التي تجري، أجمعُ، أطرحُ، وأُفكّر بالسنوات التي كانوا سيسرقونها منّي. كنتُ أتحدَّث مع الملعقة.
كان للكمّةِ في رأسي رائحةُ لعاب وتخمرُ طعام. لعاب غريب، وتخمرات آخرين.
وذات يوم سعيد أخرجوني من الزنزانة وجعلونا نمشي جميعاً في صف هنديّ، كلّ واحدٍ يده على كتف الذي أمامه. لا أدري كم كان قد مرّ من الزمن دون أن ألمسَ كائناً بشريّاً. أريد أن أقول: كان الحرّس يُمسكون بي من ذراعي كي ينقلوني، لكن لا علاقة لهذا، أليس كذلك، يا كلارا؟ جعلونا نسير في طابور ووضعونا بعدها وظهورنا إلى الجدار. وأبلغونا بساعتين من الاستراحة. كان الكلامُ ممنوعاً. لكن كان بمقدورنا أن نرفع الكمّات ونستطيع أن نجري ونقفز. عندما خلعتُ الكمّةَ شعرتُ بأنّني استعدتُ نصفَ حرّيتي. أشعلني النورُ. رأيتُ جداراً عارياً ورجلاً يحمل مسدساً في زنارِهِ. اكتشفتُ السماءَ، الشمسَ التي كانت تحرقُ عيوننا؛ في الأعلى كان هناك جنود يحملون بنادق أم-1. رأيتُ جنوداً آخرين، رأيتُ كلاباً. عندها نظرتُ إلى الجوانب، رأيتُ وجوههَ سجناء آخرين، وجميعنا كنّا مساكينَ ومُتَوَتّرين، رأيتُ اللحى البنطلونات مربوطةً بأمراس، فتاةً ترتعد وأخرى تُغطّي عينيها بيديها وأكثرَ من واحد كان يبدو مصفّى. تعرُّفُنا على بعضنا كان شيئاً جيداً، كنّا نتبادلُ النظرات مُرفرفين أهدابَنا. كنّا جميعاً شباباً تقريباً، بعضنا شباب جدّاً. كانت تكفي نظرةٌ كي نعرف من صار عجوزاً في العشرين من عمره، في أيّ حالاتٍ انتصرت الآلةُ.
كان هناك واحد، عرفتُ ذلك فيما بعد، انكسر للأبد. كانوا قد حملوه من جديد إلى الآلة، حين اعترف بكلّ شيء، أجلسوه تحت دفق من النور هناك بين القواديس والألواح والسيور والخرق والأسلاك. في الظلمة خلف قضبان كانت زوجته، وهو لم يكن يعرف. هي لم تعرفه في البداية، حين أجبروها على النظر؟ هو كان في غاية النحول طويلَ اللحية وملتوي الظهرِ كثيراً. هي لم تعرف الصوت الموجوع، الذي كان ينوح: “لماذا أنا هنا؟ ماذا سيفعلون بي؟ قلتُ لهم كلَّ شيء”.
– عليك أن تُعيد –قالوا له سيكون عليك أن تُعيد كلَّ الذي قلتَه لنا. كلَّ الذي قلته عن زوجتك.
– لا، لا.
– عنها. ما قلتَهُ عنها. قُلْ.
– سبق وجعلتها تتعذّب. لا أريد أن أجعلها تتعذّب أكثر. لن…
– عليك أن تُعيدَ ما قلتَهُ.
وأعاده. اتهمها. وعندها قالوا له:
– هي هناك تسمعك.
وهو انفجر بالبكاء.
– كلّمها – قالوا له- قل لها ما تريد أن تقوله.
لووا رأسه فكلّمها في الظلمة:
– يوجد ثلاثة شهود – قال- صار كلُّ شيء معروف. لا تقتل نفسك، هذا لا يُفيد.
وناح. وعندها أتوا له بها. وضعوها أمامه. هي واقفة، عارية وهو جالس ينظر إلى الأرض.
– أنقذي نفسك.
وهو ينوح.
– لا تقتلي نفسكِ. أنقذي نفسك. أنا أُحِبّك.
وهي لم تقُل شيئاً. هو رفع رأسه قليلاً فرأى صليباً من حروق السجائر معلّمة على بطنها ورأى شفتها مشقوقة ولم يرَ العلامات الأخرى التي خلّفتها الآلة داخلَ وخارجَ الجلد.
هو أراد أن يرفع ذراعاً ولم يستطِع. طلبَ العفو منها. اعذريني، قال لها. هي نظرت إليه وهو راح يُصرّ:
– اغفري لي. يجب أن تغفري لي.
هي كانت تنظر إليه. تنظر إليه دون أن يرفَّ لها جفن. ولا تقول له شيئاً.
هو الآن هناك، في الفناء، معنا جميعاً، وأنا لم أكن أعرف من كان. عرفت بعدها أنّه كان يُريد أن يُحطّم رأسه على الجدار وأنّه هجم وارتدَّ. كان الجدار مبطناً برغوة النايلون. الآن كنتُ أراه، هناك، حيث كنّا جميعاً من دون كمَّةٍ في رأسه، ينظر دون أن يرى: ضائع.
من ثيابهم كان بالمستطاع أن تُعرف تماماً اللحظةُ التي صادوا بها كلّ واحد. كان هناك عنصر في منامة.
في البداية ما من أحدٍ تشجّعَ على أن يخطو الخطوة الأولى. بعدها تشجّع واحدٌ، ثم آخر فآخر وتحرّكنا جميعاً تقريبا، باستثناء من بقوا ملتصقين بالجدار. من كان باستطاعتهم الجري راحوا يرفسون حصى وقامت مباراة بالقوس وكلّ شيء وأنا أيضاً خببتُ قليلاً. عملنا من المّاتِ قوساً كي نستطيع أن ندوسه.
تعبنا فوراً، كنّا قد صرنا خراء.
عندها جلستُ القرفصاءَ، تحت الشمسِ بملاصقة الآخرين، الجميع متلاصقين وقلتُ لنفسي:
– سوف أهربُ. أقسم إنّني سأهربُ من هنا. إما أن أهربَ أو أموتَ أو يقتلوني. أقسمُ.
أعادوني إلى الزنزانة من كمّة في الرأس. صار باستطاعتي أن أرى العالمَ من ثقبٍ. كان العالمُ ممرّاً، لكنّ هذا كان يُساعدُ.
بعد وقت قصير بدّلوا ثكنتي. وكانت فكرةُ الهربِ تشغلُ دائماً كلَّ رأسي. كنتُ أعرفُ جيّداً أنّ عليّ أن أُسرِع كي أنقذ ما تبقى منّي. آجلاً أو عاجلاً وعاجلاً أفضل من آجلاً. كنتُ سأعود إلى الآلة. هم أنفسهم كانوا يقولون لي. لم يكونوا مستعجلين وأنا كنتُ. كنتُ أُعيد بناءَ ذاتي وهم كانوا سيُدمرونني بالكامل.
كان الوقت مشحوناً، وذاك جحيماً وكلُّ ساعة تمرُّ أشعرُ أنّ رصاصةً تدخلُ: تراك، في بيت نار مسدَّسٍ خفيّ وهائل جاهزٍ كي يُطلق. أرمي أنا أو يرمون هم. كنتُ أقضي النهارات والليالي في وضع خططٍ، أقيسُ مسافاتٍ، أحسبُ، أتحقّقُ مما أستطيع وأتكهّن بالباقي. أفردوني، لكنّني كنتُ أتدبّرُ أمري كي أجمع معلومات من خلال أيّ جلبة أو معلومةٍ معزولة. كنتُ قناعاً مفلوتاً، وكان هذا لصالحي: إذا ما ذهبت لن أزعج أحداً. اخترعت خططاً كثيرة غاية في الذكاء، جميعها غير مجدية. حتى أنّني فكّرت أن أجزّ جلد حذائي كي أنتعله بالمقلوب كما كان يفعل قطاع الطرق رأس القدم في الكعب والخداع بالآثار.
كنتُ أنام ووجهي باتجاه المكان الذي كنتُ أتصوّر أنّ المدينة فيه وفيها أنتم..
صارت رجلاي تتجاوبان معي جيّداً. أعرج، لكنّني أستطيع أن أركض. كنتُ واهناً جدّاً، جلداً وعظماً خالصين، لكنّني أستطيع أن أركض. أركض في الزنزانة، دون أن أتحرّك من مكاني. سيتوجّب عليّ أن أركض كثيراً، إذا ما واتتني الظروف.
فكّرتُ في حظين واخترتُ الأصعبَ. لأنّه راودني شكّ: وماذا لو كانت خدعة محضّرة لقتلي؟ سيكون الهربُ طريقةً جيّدة لقتلي. طريقة مريحة. عند هذا المستوى كثيرون كانوا يعرفون أنّني كنتُ هناك، وإن كانوا أبقوا عليّ معزولاً.. اخترتُ الأصعبَ وهربت. لم أستطِعْ أن أتحمّل أكثر.، وما قد يحدث لم يكن يهمّني قيد شعرة.
لويتُ قضبانَ النافذة الحديدية، بطريق المخل، بكثير من الجهد قطعت بعدها النسيجَ المعدنيَّ في الخلف. كنتُ قد حصلت على ما أحني به وأقطع. تركتُ كتلةً تحت البطانية وانسللتُ غبر الثقب . كنتُ نحيلاً جدّاً، تحوّلت إلى أفعى، تسلقتُ منزلقاً شجرة من شجرات السرو التي تشكل صفاً بمحاذاة جدار العنبر. انتظرتُ وفكّرتُ. كانت الأضواءُ الكاشفةُ تُلامس قدميَّ. أريد أن أقول لكِ إنّني أردتُ أن أنتظرَ وأردتُ أن أُفكِّرَ، لكن لم يكن باستطاعتي حتى أن أرى بسبب الخوف الذي كنتُ أشعر به. على الجانب الآخر. كنتُ أعرف أنّ الحرّاس موجودون على الطرفِ الآخر من الجدار، نّهم مسلحون جيّداً. كان السجّانون سينتبهون في أيّ لحظة إلى غيابي. انتظرتُ عواءَ صفارةِ الإنذار شادّاً على أسناني.
نزلتُ من شجرةٍ إلى شجرة وانتقلتُ أخيراً إلى إفريز الجدارِ الكبير. سرتُ منحنياً كيفما استطعتُ. كان الإفريز مغطى بالزجاجِ المكسور، أسفل قنانٍ وشظايا، آذتِ يديَّ ورجليَّ. في الأسفل كان جنودُ الحراسة يذهبون ويؤوبون يتقاطعون عند كلّ عشرين خطوة. لم يكن باستطاعتي أن أتأخّر. لكنّني بقيتُ هناك في الأعلى وقتاً طويلاً، أكثرَ من ساعة، كما أعتقد، رابضاً، أستجمعُ قوايَ وشجاعتي كي أقفز. لم أكن أرى شيئاً آخر غير دفقات الأضواء الكاشفة تمرّ قريبةً منّي. لم أكن أسمعُ أي ضجيج غير ضربات قلبي ولهاثي وكنتُ أظنُّ أنّ العالمَ كلّه كان يسمعُ نبضَ خوفي الضاري وكنتُ أُكلّم نفسي بصوتٍ خافت وأقول:اللعنة على العاهرة أمّك التي ولدتك، أنّت جبان.
كلّ شيء كان سيتعلّق بالحظّ والأعصاب. المفاجأة هي الشيء الوحيد الذي كان لصالحي: برجلٍ ونصف كنتُ سأقعُ بين الحارسين. سأجتازُ الممرَّ، سأقفز من فوق الجدار الخارجيّ: سأنتظر معجزة. سأحاول أن أُلهي الحارسين بضربة حجر؛ كنتُ سأراهن على أن يشلّهما الذهول.
لم أتشجّع. كان الوقت يمرُّ وأنا لا أتشجّع. كان جنوناً. بلى كان. لكن لم يكن باستطاعتي أن أندمَ إذا كنتُ ما أزالُ أريدُ أن أخرج حيّاً. أعطيتُ الحقَّ للخوف كي أتحكّم به ورحتُ أُفكّر: أين سيرمونني بالرصاص؟ في الجوّ. على الأرض؟ وأنا أركض؟ مَنْ مِنْ هذين سيقتلني؟ قصيرُ الخراء؟ مرّة وقف العنصر ودفع المزلاج. تَجَمَّدَ عمودي الفقري. انتظرَ ثمَّ تابع سيره ففكّرتُ: بلى، سيرمينني قصيرُ الخراء هذا بالنار. جاء تبديل الحرس. صار من نصيبي الآنَ قاتلان آخران. أيضاً كان باستطاعتهم أن يقتلوني من أبراج الحراسة، إذا ما نجحتُ في الوصول إلى الخارج وعندها لن يبقى لي غير الرغبة بأن أرى وجهَ العنصر الذي سيرسلني إلى الموت.
قرّرتُ أن ألا أبقى أزعج نفسي، وأن أعدّ إلى الخمسين ووداعاً. عددتُ إلى المئة، وقفتُ فوق الجدار ورميت بالخردة التي جئتُ بها معي، رميتُ بها بعيداً بكلّ ما فيها وحدث انفجار زجاج مكسور وتدليتُ عن الجدار وركضتُ بروحي والحياة.
لقد نجوتُ. لا أعرفُ كيف. طرتُ. لا أعرفُ كيف؟ سمعتهم يصرخون بي قفْ وشتائمَ تلتها طلقات ثم نباحٌ اختلطَ بالطلقات. أفلتوا الكلابَ عليَّ. بدأ الصيد. كان الرصاص يئزُّ، والأضواءُ الكاشفة تكنسَ الأرضَ من حولي.
دخلتُ إلى المقبرة. تعثّرتُ بصليبٍ فوقعت بوجهي على الأرض. تابعت جريي، مجنوناً أتلمّسُ الظلمةَ، وكلّ جروحٌ من مخالبِ أغصانِ الأشجار. كنتُ أشعر بالكلابِ تنهشُني من كعبيّ وأزيزِ الرصاصِ يلامسني وأنا أقفز وأقفزُ، مُتَفادياً القبورَ، متعثّراً بها، ناهضاً مع كلّ سقطةٍ وراكضاً بكلِّ ما أوتيتُ. وبينما أنا أجري خلعتُ قميصي ورميتُ به في حفرة. لم يكن هناك قمر.
كنتُ أركضُ وأُفكِّرُ: إنّهم يقتلونني، سيقتلونني، خرائي عليهم.
قفزتُ فوق شبك أسلاك المقبرة وحين أردتُ أن أتذكّر َكنتُ أبربط في النهر الصغير. خلعت حذائي ورميتُ به إلى الجانب الآخر، بعيداً جيداً، للتشويشِ عليهم. غصتُ برأسي في المياه الآسنة. سرتُ لا أدري كم أو سبحتُ بعكس التيار. في كلّ مرّة كنتُ أطلّ برأسي كنتُ أسمع رشقاتِ الرصاص ونباحَ الكلاب. لا أدر كم ساعةً دام هذا، لكنّني بقيتُ أُجبرُ ساقيَّ، أدفعُ نفسي، مخنوقاً بآخر نفس، وكنتُ أشعرُ أنّه ما عاد عندي من طاقة وعضلاتي تقول لي: حتى هنا وكفى، لكنّني رحتُ أتابع. أتابع وأتابع مقاوماً التيار.
كانت السماءُ تنجلي حين خرجتُ من النهر.
راحت أصواتُ الملاحقين تنطفئ بعيدةً.
كنتُ أسيرُ هدْجاً، أسيرُ نائَماً فرحاً بحرّيتي. اجتزتُ أرضاً قفراء. ساقي تعرج، متأذّية جدّاً، لم تطاوعني أكثر. سقطتُ بجانبِ مِكَبٍّ للقمامة وبقيت مرمياً على ظهري فوق العشب. كان رأسي يلتهب وأشعر بوخز ضار في أضلاعي وكان التنفسُ انتصاراً. كان قلبي، الحشرة المسكينة، يريدُ أن يهرب منّي، يداي وساقاي وقدماي تؤلمني. ما عدتُ أشعرُ بالرّعب، انتبهتُ إلى أنّ يديّ تقطران دماً، انفزرتا. لم يبقَ عندي قوّة كي أنتزع نثرات الزجاج من كفيَّ. بفضلِ يَدَيّ اللتين تأذتا عندما تدليتُ أُنقذت ساقاي من الكسر أثناء القفز.
كان جسمي محطماً كلّه، وسألت نفسي ماذا فعلت ساقاي حتى حملتاني إلى هناك. انتبهت توّاً. لم أملك وقتاً كي أشعرَ بشيء. رأيت أن َّكلّ شيء حدث كما يُرام وقلتُ لنفسي: أُهَنّئك، يا رفيق. رأيتُ أن الله عظيم، حتى ولو لم يكن موجوداً. فكّرتُ أنّهم بحثوا عني بين القبور، حيثُ يقضي الليلَ بعضُ السكارى واللصوص. وأنّ مياه النهر كانت رائعة بكلّ خرائها ووحلها وقمامتها.
كنتُ سعيداً جدّاً. وقبل أن أُغمضَ عينيّ رأيتُ النجومَ في سماءِ الصيف. لم يحدث أن وجدت نجوم بهذه الكثرة في السماء. لم تَبقَ قطعة منها لم تُغطّها. كان العشبُ مُبلّلاً وطيّبَ الرائحةِ على خلفية الأفق بدأت المدينة تظهر غبشاء. رأيتُها، أو تخيّلتُها. لا أدري. في واحدة من تلك أردت أن توجد المدينة، من أجل كلّ تلك الفرحة.
شعرتُ ببردٍ شديد. رحتُ أسيرُ ناثراً ثيابي هناك وكنتُ نصفَ عارٍ. مع أوّل نور، راح يحلُّ دفءٌ. لم أعرف أكثر.
أيقظني فرطوسُ حصان. حتى الخوف لم يستطع إيقاظي. استطعت أن أرفع رأسي لكن سرعان ما ضرتني الأرض على قفا رقبتي بعنف. كنتُ أرى ضباباً. خلف الحصان في العربة هناك أحدٌ. بقعة كبيرة. سمعتُ صوتاً. كلمات ممزّقة. مرَّ قرنٌ. شعرتُ بالشمسِ تدفئ جسمي. سمعتُ أصواتاً أخرى، مختلطة، جاءت تُلاحقني منذ سنواتٍ. بعدها انتفخت البقعة، انفصلت عن العربة وجاءت وغطّت السماء. شعرت بهم يرفعونني بأذرعهم. وقع خطوات على العشب. جسدي في الهواء. غصتُ في جبلٍ من القناني والورق. كان الجبل يتحرَّكُ، وأنا معه. إلى الأمام كان الجواد يخبّ. لم أعرف أكثر.  
فتحتُ عينيَّ، لا أدري متى. كنتُ تحتَ سقفٍ، على الأرضِ، مُغَطّى ببطانية. أردتُ أن أستندَ إلى مرفقيَّ فانفجرت نارٌ في رأسي.
كان هناك زنجيٌّ ضخم يُراقبني من على كرسيٍّ كما لو أنّه يُغافلني. كانت يداه متدليتين من ركبتيه. ويدرجُ سيجارة. رأيتُ ذراعين قويتين ووجهاً ظريفاً جدّاً، وجهَ صبيٍّ عملاق. أردتُ أن أقولَ شيئاً ولم أستطِع. أدركتُ أنّ مصيري مُتَعلّق بذلك الرجل الذي كان يُوَقِّتُني ولم يكن عليه أن يهديني شيئاً, أدركتُ هذا بشكلٍ مُبهمٍ.
– يمضون مبلبلين – قال الزنجيّ، أو ما شابه ذلك، وحرَّكَ رأسَهُ.
مرّ بلسانِهِ الضخم على ورقة السيجارة، أشعلها وسألني:
– كيف حال هاتين اليدين؟
نظرتُ إليهما. كان قد ضمّدهما لي بالخرق.
كان هذا هو الشيء الوحيد الذي سألني عنه.
بقيتُ هناك أسبوعاً. كان عاملاً، عاملَ معادن وفقد عمله في الإضراب الكبير. كان يعيش الآن من القمامة التي يجمعُها في عربته. كان عنده أولاد من بضع نساءٍ وحصانُ جرٍّ يسميه بوكابولغاس.
في المزرعة المجاورة بقرة. كانوا يعطونني حليباً حلب توّاً.
عندما استطعتُ المشيَ ذهبتُ. لم أقُل وداعاً. هذا شيء ما زلت مديناً به.

إدواردو غاليانو من كتاب أميركا اللاتينية الكبار، وهو مؤسس ما يسميه هو نفسه ب “الماركسية السحرية” في الأدب كي يفرق نفسه عن “الواقعية السحرية”. وُلِد في مونتيفيديو عام 1940. ومنذ عام 1973 عاش منفياً في الأرجنتين وفي الساحل الكتلاني في إسبانيا. عادَ في بداية عام 1985 إلى مونتيفيديو.
معظم أعماله مترجمة إلى العربية، ومن أبرزها ثلاثية ذاكرة النار، كرة القدم في الشمس والظل، الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية، أطفال الزمن.
النص التالي اختير من كتابه الذي لم يترجم بعد إلى العربية ويحمل عنوان “الأغنية التي لنا”.

 مها عطفة: مترجمة وكاتبة سورية مقيمة في شيكاغو، وقد ترجمت عدداً من الكتب عن الإسبانية والإنكليزية منها:
– ذاكرة شكسبير لخورخي لويس بورخس (٢٠٠١)
– الفردوس المفقود، ليوبالدو بانيرو (٢٠٠٢)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق