سنة 501، الغزو مستّمر

أكثر فأكثر يكتسب كتاب “نعوم تشومسكي الذي طالعنا به سنة 1997 تحت عنوان”سنة501، الغزو مستمر“أهمية متزايدة، بسبب من خروجه المطلق على هيمنة الإعلام الغربي في بلورة الرأي العام داخل بلدانه أو خارجها، تلك الهيمنة التي يصعب على أولئك الذين تفيؤوا بظل إعلام موجه، غير ذي ثقة غالباً، معرفة مداه أو قوته، أو بسببٍ من ذلك المخزون المعلوماتي الوفير الذي ضمه بين دفتيه، بما يصوغ تلك العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والآيديولوجيا في أفقها الاستراتيجي! فهل كتاب تشومسكي هذا سفر في التاريخ، أم هو كتاب في السياسة الدولية!؟ وإذا كان كتاباً في التاريخ، فهل تاريخ العالم هو تاريخ مبادئ وقيم، أم هو تاريخ صراع للسيطرة على هذا العالم، وبالتالي تاريخ عنف وعنفٍ مضاد!؟ ثم أين هي التخوم بين التاريخ والأيديولوجيا، إذا كانت الأولى تؤرخ ـ فيما تؤرخ ـ للثانية!؟ 

ربمّا أمكننا بدلالة العنوان أن نقف على شيء من طبيعة تلك الأسئلة، فلقد فرغ تشومسكي من كتابه عام 1993 وبذلك فإن سنة 501 تعيدنا إلى العام 1492،إنه العام الذي اكتشف فيه كريستوف كولومبوس قارة أمريكا! وهو ـ أيضاً ـ العام الذي تواضع المؤرخون على أنه نهاية ما يسمى بالعصور الوسطى، وبداية العصور الحديثة، فما هي طبيعة المشكلات التي يضعنا تشومسكي في مواجهتها!؟

تقوم الفكرة المركزية للكتاب على التبصر في الأحداث التي شهدها العالم خلال الفترة الواقعة بين عام1492-1992 بما يختزل خمسمائة عام من الصعود والسقوط المتزامن للقوى العظمى أثناء تنافسها الدموي للسيطرة على العالم، وذلك غبَّ الكشوف الجغرافية الكبرى في إطار ما يسمى بالنظام العالمي القديم، بما يسقط مقولة النظام العالمي الجديد، الذي يرى تشومسكي أنه لما يبدأ بعد!

لقد قُيضَّ للأسبان والبرتغاليين أن يفتتحوا تلك الكشوف، ممهدين الدرب لاستعباد الشعوب الأخرى، مما راكم الثروة في الشمال على حساب جنوبٍ راح ينهب بلا حدود! بيد أن تشومسكي يتوقف عند المشهد مطولاً ليدقق في الكيفية التي احتازت بها أوربا تلك الثروة ، فيرى بأن الأسبان كانوا قد مهدوا الطريق لانحدارهم بدءاً بمحاكم التفتيش التي أنشؤوها بعد سقوط غرناطة 1492 بيدهم، أي في أعقاب حكم المور ـ المسلمين ـ المتسامح للأندلس، إذ راحوا يتلفون الكتب والمخطوطات التي لا تقدر بثمن، بما تحمله من سجلٍ غني للتعاليم الكلاسيكية، ويدمرون الحضارة التي ازدهرت في ظل المسلمين!

لقد انطلق الأسبان إلى غزو العالم بتلك الوحشية التي أدانها المؤرخ الأسباني (لاس كاساس) بقوله:” أظن أن الله سيصب غضبه ومقته على أسبانيا بسببٍ من هذه الأعمال الشائنة، الإجرامية، غير الورعة التي ارتكبت بظلمٍ وبربرية وطغيان، لأن معظم الأسبان اشتركوا في الثروة المغموسة بالدم، والتي اغتصبناها على تلك السواحل وسط المذابح والخراب!“فغزوا المكسيك بألف وخمسمائة مقاتل، أمّا بيزارو فقد أطاح بإمبراطورية الأنكا بأقل من مئتي مقاتل، بما أدهش السكان الأصلييّن في المستعمرات الأمريكية من الوحشية التي أظهرتها أسبانيا والبرتغال، ومن بعدها كلّ من فرنسا وإنكلترا، إذْ وعلى سبيل المثال كان سكانّ هاييتي قد بلغ ثمانية ملايين نسمة حينما وصلها كولومبوس، ولكن هذا العدد انخفض إلى بضع مئات بعد سلسلة المذابح التي نفذها الغزاة هناك! لقد أبيد الهايتيون بالسحق تحت حوافر الخيل، والتقطيع إرباً بالسيوف، والتمزيق بوساطة الكلاب، ودفن الأحياء، فقررّوا أن يستسلموا لمصيرهم التعس بدون مقاومة! لكنّ استئثار الأسبان والبرتغاليين بالمستعمرات لم يطل لأن هولندا دخلت المشهد من بابه الواسع، وذلك عن طريق شركة الهند الشرقية، التي شمل نشاطها البرّ الآسيوي وصولاً إلى شبه جزيرة الهند وجزر أندونيسيا والكاريبي، فلم يسلم منها سوى اليابان والصين، ربّما لأنّ الأخيرتين عرفتا قواعد اللعبة!
إنّ جوهر النظام العالمي القديم ـ بحسب تشومسكي ـ يتلخص في ذلك الغزو الأوروبي العنيف للعالم بالاعتماد على القوة العسكرية، علماً بأنّ مصطلح أوروبا ـ هنا ـ يشمل مستعمرة بريطانيا السابقة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، التي اعتبرت جزءاً من الشمال الأبيض لأنها غنيّة بما يكفي لذلك!

لم يتّسم الغزو الأوروبي للعالم بالتزامن أو التفاهم، بل اتسّم بالتنافس والصراع، إذْ سرعان ما انهار النظام الإمبريالي الأسباني الذي سمح للتّجار من غير الأسبان بالعمل داخل أحشاء الامبراطورية، مما حدا بالهولنديين إلى تحاشي الليبرالية المفرطة التي عرف بها أولئك الإبيريّون فاحتفظوا بأرباحهم بشدّة داخل البلاد، وذلك بالاتكاّء على طرائق إدارة وتحكّم أكثر إتقاناً في سياسة مستعمراتهم، لكن المرض الهولندي الذي تلخص في سلطة حكومية مركزية غير كافية خلقت شعباً غنيّاً كأفراد لكن ضعيفاً كدولة، أضعف هؤلاء الهولنديين لصالح قوى صاعدة مثلتها كلّ من فرنسا وبريطانيا خير تمثيل!

كانت بريطانية تتبّع سياسة متوازنة تضبط إيقاع العلاقة بين الشعب والسلطة، إلاّ أنّ المدققّ في صعودها سيلاحظ تحوّلاً واضحاً في دور الدولة لصالح المركزية، ممّا أسهم في خلق دولة مالية عسكرية قوية، وبالتدريج راحت بريطانيا تدّمر التجارة والملاحة الهولنديتين، وتستولي على تجارة الرقيق ذات الأرباح العالية، لتتفرغ من ثمّ لغريمتها الأبرز فرنسا، وتحققّ عليها الانتصار تلو الانتصار، ممّا مكنها من السيطرة على بقاع واسعة من اليابسة آنذاك، وكان لشركة الهند الشرقية ـ الإنكليزية هذه المرة ـ دور بارز في تحقيق تلك السيطرة التي طالت الصين أيضا، ولكن عبر حرب الأفيون لا الانتصار العسكري!

لقد أسفر غزو العالم الجديد من قبل الأوروبيّين عن كارثتين لا مثيل لهما في التاريخ، هما هلاك السكان الأصلييّن في نصف الكرة الغربي من جهة، وخراب أفريقيا إثر توسّع تجارة الرقيق بسرعة من جهة أخرى! أمّا كيف استطاعت أوروبا المتحضرة أن ترتكب كل تلك المجازر، فإنّ الجواب لا يلبث أن يأتينا عبر الانتقاد الساخر والمريّر، الذي يمارسه تشومسكي ضدّ فيلسوف الديالكتيك المثالي الأكبر”هيغل“، إذْ هاهو الأخير يحاضر بنبرة سلطوية ضمن محاضراته في فلسفة التاريخ عن الدور الأوروبي، أو الرعاية الحانية التي اشتهرت بها أوروبا إزاء الأمريكيين الأصليين”معدومي القوة نفسياً وجسدياً، وذوي الأمزجة الضعيفة الخالية من العاطفة!“وهكذا بدا الهندي الأحمر عند هيغل أدنى ـ حتّى ـ من الزنجي الأفريقي الذي عدّه”إنساناً خاماً في حالته الطبيعية خالياً من المشاعر الأخلاقية بصورة تامة!“ذلك أنّ تلك الرؤية سرعان ما وجدت تعبيرها الآيديولوجي على لسان العديد من الساسة الأوروبيّين، فلم يرَ تشرشل بأساً في استخدام الغازات السامة ضدّ القبائل غير المتمدّنة، بل ورآه صحيحاً تماماً! وتفاخر لويد جورج بالديبلوماسية البريطانية التي حالت دون أن تنصّ معاهدة نزع السلاح لعام 1932 على منع قصف المدنيين، وأصرت على الاحتفاظ بحقّ قصف الزنوج، فيما كتب أحد الغزاة الهولنديين”إنّ التجارة لا يمكن أن تستمر دون الحرب، ولا الحرب دون التجارة!“أمّا الجمهور الأوروبي العريض فلقد تقبل كلّ ما جرى عبر قناتين، التغاضي والتضليل، التغاضي لحساب المصلحة الشخصية وإغراءات الثروة، والتضليل لحساب إعلام جبّار ومهيمن، بحيث لم يجد هذا الجمهور بأساً في أن ينخفض عدد سكان مدينة”دكّا“المزدهرة والغنية من مائة وخمسين ألف نسمة إلى ثلاثين ألف فقط بفعل الإرهاب البريطاني ولم يرَ الملك البلجيكي ليوبولد الثاني أيّ ضير في إحراز قصب السبق في الكونغو البلجيكي ـ زائير الآن ـ فتسبب في قتل عشرة ملايين إنسان بأعصاب باردة! فيما اضطّر الفرنسيون ـ غير آسفين ـ إلى استجلاب العبيد من أفريقيا للقيام بأعمال الزراعة، بعد أن أبادوا السكان الأصليين في هاييتي! أمّا داخل أمريكا ذاتها، فلقد انشغل الأوروبيون بتنظيف القارة من بقايا السكان الأصليين، وذلك بتحويلهم إلى وقود في أكواخهم التي قلبوها إلى أفران ملتهبة، أو مهاجمة قراهم كما فعلوا بهنود البيكوت، إذْ اجتاحوا القرية قبيل الفجر عندما كان الرجال خارجها، فذبحوا النساء والأطفال والعجائز بأسلوب توراتي أصيل، وفي منطقة نيويورك الكبرى أقدموا على قتل الناس وهم نائمين، فانتزعوا الرضعّ عن أثداء أمهاتهم، ومزقوهم إرباً أمام ذويهم، ورموا أشلاءهم في النار أو النهر، أما الرضّع الآخرون الذين كانوا مربوطين إلى مهودهم الخشبية، فقد قُطعوا بالسيوف، وطُعنوا، وذُبحوا بوحشية تحرك قلب الحجر، وعندما رُمي بعضهم في النهر أحياء، وحاول آباؤهم وأمهاتهم إنقاذهم، لم يسمح لهم الجنود بالعودة إلى اليابسة، وجعلوا كلاً من الآباء والأبناء يغرقون! لكنّ اللوحة بمجملها ستظلّ ناقصة، غائمة أو مشوشة إذا لم تتبصّر في المرتسمات الرئيسة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، ربمّا لأنّ صورة الدول الأخرى راحت تبهت بعد أن أخذت الدول المُستعمرَة تتخلص من مستعمريها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أو لأن الإمبريالية ستصل إلى أوجها بعد تلك الحرب، وهي المرحلة التي مثلتها الولايات المتحدة خير تمثيل!

لم تكن الولايات المتحدة قد اتعظّت من استعمار بريطانيا لترابها الوطني! ذلك أنها سرعان ما عمدت بعد استقلالها إلى التحالف مع أوروبا المستعمرة ضد الشعوب الأخرى، ويشكل مثال هاييتي معلماً واضحاً لسياستها تلك، فلقد ثار العبيد الذين كانت فرنسا قد جلبتهم من أفريقيا إلى هاييتي للزراعة، وفشلت جهودها في القضاء على ثورتهم، على الرغم من أنها استعانت بوحدات مقاتلة من بولونيا وهولندا وسويسرا وألمانيا، عملت على تدمير الثروة الزراعية في البلاد، وأبادت ثلث السكان، فتدخلت الولايات المتحدة للقضاء على ثورتهم، ربما لأنّها ما كانت لتطيق وجود جمهورية زنجية على مقربة منها، وراحت تغزو الجزيرة كلما عنَّ لها ذلك، ليتوارث الهايتيون روايات مؤسية عن تعليق الرجال ورؤوسهم إلى الأسفل، وإغراقهم بعد وضعهم داخل أكياس، وصلبهم على الألواح الخشبية، ودفنهم أحياء، وسحقهم بالهاون، وربطهم أحياء حتى يأكلهم الدود، أو تقييدهم في المستنقعات إلى أن تأكلهم الحشرات، أو قذفهم في مراجل عصير قصب السكر المغلي! لقد بلغ عدد القتلى الهايتيين في إحدى هذه الغزوات خمسة عشر ألف إنسان، بما أثّر في نفس الرئيس الأمريكي روزفلت، فقلّد وسام الكونغرس للشرف للرائد”سمدلي بتلر“، الذي قتل في إحدى المعارك”!“مع زنوج هاييتي ـ العزّل! ـ مائتي رجل، دون أن يفقد أسيراً واحداً، اللهمّ عدا جندي واحد من مشاة البحرية، فقد سنيّن أماميتين بضربة حجر!.

بيد أنّ القرن العشرين شهد تحوّلات دراماتيكية في خارطة العالم، فلقد بزغ نجم الاتحاد السوفييتي غبّ انتصار ثورة أكتوبر في نصفه الأول، وتنامت القوة المادية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، ثمّ تكرسّت زعامتها للعالم الغربي إثر الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وأنشأت تزيح منافسيها واحداً تلو الآخر، فانقسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، فيما حاولت دول العالم الثالث التي استقلّت حديثاً ـ جاهدةً ـ تحاشي الانضواء تحت لوائهما عبر محاولات اللا انحياز اليائسة، كل ذلك في عالم راح يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى قرية كبيرة بضغط من ثورة الاتصالات والمعلوماتية، فلم يعد بإمكان الدول الصغيرة والمتخلّفة أن تحافظ على استقلاليتها بمفردها! أو هذا ما كان يظهر على السطح، أمّا في العمق، فلقد أنيط باقتصادات دول الجنوب عبر إعادة هيكلتها أن تقوم بترميم اقتصادات دول الشمال، لتنقذ أنظمتها الرأسمالية من أزمات خانقة ومتكرّرة!.

إنّ الولايات المتحدة اليوم إذْ تلعب دور الشرطي العالمي، تلعب هذا الدور لمصلحتها بالدرجة الأولى، ويمكن لهذا الدور أن يتضح إلى حد كبير بتسليط الضوء على المنطق الذي يحكم علاقتها وعلاقة حلفائها ـ أي علاقة الشمال ـ بدول الجنوب، تلك العلاقة التي تقوم على قمع أي محاولة تحررّية تقوم بها الدول الأخرى لفكّ الارتباط بالمركز الامبريالي، باعتبارها محاولة هدّامة، محكومة بفلسفة التفاحة الفاسدة التي ستؤدّي إلى إفساد برميل التفاح بكامله، ولا بأس من الاستشهاد بمثال التشيلي في هذا المجال، ففي عام 1970 تمكنّ الناخبون التشيليّون من إيصال سلفادور الليندي إلى سدّة الحكم في انتخابات شرعية، لكنّ هنري كيسنجر حذّر من أنّ المثال المعدي لتشيلي الليندي لن يعدي أمريكا اللاتينية فقط، بل جنوب أوروبا أيضاً فقد يحمل رسالة للناخبين الإيطاليين مفادها أنّ الإصلاح الاجتماعي خيار ممكن، وكان قد سبق للولايات المتحدة أن خطّطت لخيار عسكري محتمل إنّ لم تنجح في السيطرة على الانتخابات الإيطالية عام 1948، ربّما لأنها رأت بأنّ الشيوعييّن كانوا قريبين من الفوز فيها، وكانت إحدى الأفكار المطروحة بهذا الخصوص هي خلخلة السكّان المسبّبين للفوضى عن طريق الهجرة، فأقرّ الكونغرس مخطّطات تهدف إلى نقل المهاجرين من إيطاليا نحو أماكن أخرى من العالم عدا الولايات المتحدة، واعتبر المشروع ذو حساسية عالية، لذلك فقد أخفي عن الإيطاليين كليّة!

إلاّ أنّ الاتحـاد السوفييتي يظلّ خيـر مثال لفلسفة التفاحـة الفاسـدة، ذلك أنّـه ـ أي الاتحـاد
السوفيتي ـ عُدّ تفاحة فاسدة عملاقة، وعُدّ الغزو الأوروبي لروسيا البلشفية عملاً دفاعياً جاء رداً على تدخّل عميق، وذي آثار بعيدة محتملة، ليس في شؤون الغرب الداخلية فقط، بل في شؤون كلّ بلاد العالم عمليّاً، وبالتحديد تحدّي الثورة لوجود النظام الرأسمالي نفسه! ويمكن أن تصنف حرب التدخل التي أسهمت فيها أمريكا وبريطانية وفرنسة واليابان ودول أخرى في هذا السياق، وفي هذا السياق أيضاً يأتي الدعم الذي قدّمته الولايات المتحدة للفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، مُؤسّساً على المبدأ الذي يرى فيهما ـ رغم تطرفهما ـ ردّاً مقبولاً على التهديد البلشفي الأشدّ خطراً!
لقد أطلقت الولايات المتحدة يدها في كلّ مكان لإعادة ترتيب البيت العالمي ، وحلّت محّل بعض من حلفائها في أكثر من مكان ، كما في فييتنام مثلاً، ربّما لأنّها لم تكن تنظر إلى الهزائم الفرنسية المتكررّة فيها بعين الرضا ، فراحت تمدّ يد العون لحليفتها، لكنّ إصرار الفييتنامييّن على المقاومة أقلقها، ودفعها شيئاً فشيئاً إلى التورّط في هذه الحرب! وحين انسحبت فرنسة المثخنة من تلك البلاد ، نقل جون كندي الولايات المتحدة من التورّط الجزئي إلى ميدان المسؤولية الكّلية عمّا يجري في تلك البقعة من جنوب شرقي آسيا! وكالعادة كانت طبقة المثقفيّن”المتعاونة من أجل صياغة المعلومات على نحو يناسب جموع الرعاع“حاضرة ، لتصوّر الرئيس المغدور كبطل قومّي، دفع حياته ثمناً لرغبته في السلام المزمع مع الفييتنامييّن! إنّ الصدفة وحدها هي التي وضعت مدينة فينة الفييتنامية التي كان عدد سكانّها يبلغ ستمائة ألف نسمة في الجانب الخاطئ ، فكان أن دكتّها القاذفات الأمريكية طراز ب 52، وسوّتها بالأرض ، إذْ ممّا لا شكّ فيه أنّ أولئك السكّان لن ينسوا ما فعله الجنود الأمريكيّون بمدينتهم ، وحتى إذا قُيّض لهم ذلك ، فإنّ تلك المناطق الواسعة المحيطة بها ، والتي حوّلها القصف إلى ما يشبه سطح القمر ، ستظّل بمثابة مهماز يسوط الذاكرة الكسلى ! على الرغم من التصريحات الأمريكية الحكومية التي ظلّت تدّعي بأنّ القصف كان موجّهاً ضدّ أهداف عسكرية، وأنّ الأضرار المدنيّة كانت في حدودها الدنيا !

لقد انتهت الحرب في فييتنام بهزيمة أمريكية ، ولكنّ أمريكا تحاول فرض شروطها كمنتصر، فتصرّ على معرفة مصير 728 جندياً من جنودها ، على الرغم من أنّها تعرف جيداً بأنّ معظمهم كانوا طيّارين أُسقطوا مع طائراتهم ، فيما تمتنع عن تسليم خرائط حقول الألغام التي زرعتها هي هناك! وتصرّ على محاصرة فييتنام اقتصادياً بتلك الذريعة ! إنّ تحديد مصدر العدوان الخفيّ هنا ـ على حدّ تعبير الصحفي الكندي فيليب سماكر ـ ليس صعباً، لا سيما حين يُقتل طفل بقنبلة ضئيلة ظلّت مختبئة في التراب ثماني عشرة سنة ، بعد أن غادر الذين كانوا قد زرعوها البلادَ منذ أمد ! وقد لا يلتقي الزائر بذلك الفلاح الذي يقف أمام حفرة تتجاوز حجم كوخه ، ليخبره بمدى كراهيته لتلك الحفرة ، أو للذّين أحدثوها لأنّها قتلت زوجته وابنه، إلاّ أنّ هذه الحوادث الفردية في ظاهرها ، والتي لن تدخل سجل الحرب ، هي من كل بدّ جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصّد ! أمّا المصير المجهول لمئتي ألف جندي فييتنامي، أو ربّما لثلاثمائة ألف ، فلا تبدو أمريكا مُحرجة حياله ! وحتى حين تظلّ تربة الجنوب الفييتنامي غارقة بأكثر من مئتي ليتر من السموم الكيميائية للهكتار الواحد ، ممّا يزيد من عدد الأطفال المشوهّين خلقياً ، ولا يسمح باستصلاح هذه التربة للزراعة، فإن ذلك لايعني لها شيئاً، بل أنّها ترى بأنّ الفييتناميين هم المسؤولون عن تجميد العلاقات معها ، مما يعوق أبحاثاً مهمّة لمعرفة العلاقة بين تلك السموم والسرطان ، أو سوء الوظيفة التناسلية، أو المشاكل الهرمونية ، أو القصورات المناعية ، أو اضطرابات الجملة العصبية المركزية ، أو أذية الكبد، أوالتبدّلات في استقلاب الشحوم، والتي تعرّض لها سكّان الجنوب ‍‍‍‍‍‍!

ولا يختلف ماجرى في جزر أندونيسيا كثيراً عن ذلك الذي جرى في فييتنام ، ففي عام 1948 كتب كينان”إن ّقضية إندونيسيا هي أخطر مسألة في هذه اللحظة من لحظات صراعنا مع الكريملين!!“ذلك أنّ الولايات المتحدة كانت قد تقبّلت على مضض قيادة سوكارنو ، ربّما لأنه قام بقمع حركة مطالبة بالإصلاح الزراعي يدعمها الحزب الشيوعي الأندونيسي في منطقة ماديان ، لكنّ التزامه القومي وانتهاجه سياسة الحياد لم يكونا أمرين مقبولين لها، فجّربت وكالة المخابرات المركزية في بداية الخمسينات أسلوب الدعم الخفي للأحزاب اليمينية، وفي عام 1957/1958 ساندت، بل شاركت في انتفاضة مسلّحة ضدّ سوكا رنو، قد تكون تضمنّت محاولة لاغتياله، وبعد إخماد العصيان تحولت نحو برنامج للمساعدة العسكرية والتدريب، إلى جانب خفض المعونة الاقتصادية، وهو النموذج الكلاسيكي للتحضير للانقلابات الذي اتّبع في تشيلي بعد سنوات، وجرّب في إيران بعد وصول الخميني للحكم بقليل! كان الأمريكيون يخشون أن تستولي حكومة شيوعية منتخبة شرعياً، وتتمتع بقاعدة شعبية على سدة السلطة في أندونيسيا، وإذن، فعلى القادة السياسيين الآسيويين الأحرار، ـ في الوقت المناسب، ومع المعونة الأمريكية ـ أن يتقدموا إلى الأمام، ويصلحوا الموقف بتصفية الجيوش السياسية للعدو”الشيوعي“! وفي عام 1965، وعلى اثر الادعاء بوجود محاولة انقلابية أعدها الشيوعيون، تحرّك الجيش، وتولّى الجنرال سوهارتو مقاليد البلاد، وبدأ حمام الدمّ هناك، فذُبح آلاف من الفلاحين الذين كانوا بمعظمهم لا يملكون أرضاً! لم يُعرف حجم المجزرة تماماً، إذْ في الوقت الذي قدرّته المخابرات المركزية بمئتين وخمسين ألف قتيل، ذهب رئيس جهاز أمن الدولة الأندونيسي في تقديراته لاحقاً إلى ما يزيد عن نصف مليون، أمّا منظمة العفو الدولية فقد أعطت رقماً يفوق بكثير المليون قتيل! وكالعادة فقد قدمت المعلومات للجمهور على نحو يقبلونه، إذْ خطب الرئيس الأمريكي جونسون في جنوده” تشرين الثاني 1966“بقوله”لقد أضحى مئة مليون إنسان في أندونيسيا يتمتعون بقدر من الحرية لم يكونوا يتمتعون بها بالأمس!“

إن المتتبّع للسياسة الأمريكية، سيكتشف أنّ المنطق الذرائعي (البراغماتي) هو الذي يحكم تلك السياسة بكلّ نفعيته، بغضّ النظر عن لا أخلاقية الوسائل، أو التنصلّ من تحالفات بعينها، أو حتى خيانة تلك التحالفات، إذْ هاهي الولايات المتحدة تطالب اليابان بالاعتذار رسمياً عن قصفها لميناء بيرل هاربر، بمناسبة مرور خمسين عاماً على ذلك القصف، في الوقت الذي لا تحرّك فيه الأجنّة المشوهّة التي تعاني آلاماً عصبية شديدة ومختلفة، ناجمة عن أثار القنبلة الذرية التي ألقيت فوق هيروشيما أو ناغازاكي فيها ساكناً! ربّما لأن أصل المعضلة يكمن في أن الولايات المتحدة تطالب اليابان بأن تفتح منطقة نفوذها في المحيط الهادي للمصالح الغربية، أمّا حينما يقبل اليابانيون بتلك المطالب، ولكن بشريطة تبنيّها في مختلف أنحاء العالم، فإنّ وقع تلك العجرفة يكون شديداً على الأمريكيين، ممّا يضطرهّم إلى تذكير محدثي النعمة هؤلاء بوجوب اقتصار تطبيق هذا المبدأ على منطقة النفوذ الياباني وحدها، إذْ من غير الممكن توقّع استجابة الغرب لفكرة معاملة اليابانيين بالمثل في مناطق نفوذهم!

ولعل التساؤل حول مبرر أو جدوى استمرار حلف شمال الأطلسي، بعد أن غاب حلف وارسو في الجانب الآخر، وانهارت منظومة الدول الاشتراكية، مما آذن بانتهاء تلك المرحلة الموسومة بالحرب الباردة، يجلو ذرائعية السياسة الأمريكية، مّما يحيل في النهاية إلى أن ليس ثمة حلفاء بالمعنى الدقيق للكلمة، أنّ ثمة مصالح، وأنّ تلك المصالح قد تلتقي لفترة، وقد تفترق أو تتناقض، وعندها يغدو الضغط على حلفاء الأمس وارداً، بل ومطلوباً أيضاً، وإذن، فلا بأس في اختلاق مخاطر وهمية جديدة تسوّغ بقاء الحلف أو توسعه! هناك مثلاً خطر المخدرات، أو خطر المدّ الأصولي الإسلامي، الإرهاب، أو خطر العرب المجانين! فماذا عن نتائج تلك السياسة!؟

لقد تنبّه جواهر لال نهرو.ـ وبصورة مبّكرة ـ إلى تلك العلاقة البدهية بين الاستعمار والفقر، فلاحظ أنّ الولايات الهندية التي ظلّت تحت الاحتلال البريطاني لفترة أطول هي ذاتها المناطق الأكثر فقراً في الهند! وفي بلد كبولونيا تبددّت الأوهام حول مجتمع الوفرة بسرعة لافتة بعد أن تخلّت عن الخيار الاشتراكي، إذْ تحولّت إلى دولة مصدّرة للأطفال الشقر، ذوي العيون الزرقاء، بعد أن انخفض إنتاجها بنسبة 40% مع تضاعف للبطالة ، وتدنٍّ في الاستثمارات، وانعدام المدّخرات الفردية تماماً بفعل فرط التضخّم، وبفعل برنامج”تحقيق الاستقرار“! من غير أن يبدل عودة الشيوعيين الجدد إلى الواجهة الكثير في المشهد البولوني! لقد تفاقمت المشاكل مع هرب الرساميل بمعدّل عشرات ملايين الدولارات شهرياً، والكلّ يعرف إلى أين! أما روسيا فستسلك الدرب ذاته، إذْ أنّ هروب الرساميل من الاتحاد السوفيتي سيبلغ 14-19 مليار دولار عام 1991، وسينخفض الإنتاج، فيما سيّحذر وزير المالية والاقتصاد إيغور غايدار من انخفاض لاحق بمقدار20% في بداية عام 1992 ، وفقط في الأيام التسعة الأولى من الشهر الأول لعام 1992، كان إنتاج الصناعات الخفيفة قد انخفض ما بين 15 و 30% فيما انخفضت إمدادات اللحوم و الحبوب والحليب بما يزيد عن الثلث! إنها ـ ولا شك ـ صورة دراماتيكية للفردوس الموهوم!

أما حينما يجري الحديث عن أمريكا (القارة) ذاتها بقسميها الأوسط والجنوبي، فإن الكلام كما جاء على ـ لسان تشومسكي ـ يطال الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية! لقد قدّر لدول تلك القارة أن تكون قريبة من الولايات المتحدة، مّما جعلها منطقة نفوذ تقليدية لها! إنه سوء الحظ لا أكثر، ولعل قصة النجاح الأمريكي الحقيقية في البرازيل تعبّر عن سوء الحظّ ذاك بما فيه الكفاية، فالبرازيل تُعدّ أكبر وأغنى بلدان القارة الأمريكية بالثروات الطبيعية، بيد أن هذه الدولة”الديمقراطية“جداً حسب المعنى المقرّ للكلمة بالمنطق الأمريكي، والتي تشير إلى حكم رجال الأعمال الذي لا ينازع قد ازدهرت، ولكن ضمن شروط وظروف خاصة، إذْ”شددت واشنطن من تبعية البرازيل النقدية للولايات المتحدة الأمريكية، ومارست نفوذها على القرارات البرازيلية المتعلقة بتوزيع الموارد، وجرّتها إلى نظام التجارة الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة“! لقد أدت الطرق العلمية الحديثة في التنمية المستندة على الرأسمالية بقوة إلى خلق برازيليَنْ، برازيل النخبة وتشكل 1ـ 5 % من السكان، و برازيل القاع التي تشكل 80% من السكان ممّن تُركوا خارج النموذج البرازيلي للتنمية، فغاصوا في لجّة البؤس، بحيث راحت شروط الحياة حتى في شرق أوروبا تمثّل حلماً بعيد المنال لهم، على الرغم من أنّهم يعيشون في مملكة جبّارة عامرة بالفرص التي لا حدّ لها! إنّ تبجح الحكومة المدنية الجديدة عام 1986 بأنهّا الاقتصاد الثامن في العالم الغربي، لا يخفي حقيقة أنّ البرازيل تصنّف مع أضعف دول أفريقيا وآسيا تطوّراً عندما تتمّ المقارنة وفقاً لمؤشرات الأحوال الاجتماعية! ويلخصّ تقرير مراقبة أمريكا 1992”قصة النجاح“كما يلي: يرزح هذا البلد الغني بموارده الطبيعية و قاعدته الصناعية الضخمة تحت أكبر دين في العالم الثالث، ويدخل اقتصاده العقد الثاني من أزمته الحادة، وتعجز البرازيل إلى حدّ مأساوي عن تأمين مستوى عيش مقبول لسكانها البالغين مئة وثمانية وأربعين مليوناً، بحيث أن ثلثهم مصابون بسوء التغذية منذ عام 1985، وينشأ هذا البؤس ويزداد بسبب عدم تمكن السكان من الوصول إلى الأرض الزراعية”في بلد يعتبر واحداً من البلدان ذات التركيز الأكبر لملكية الأرض في العالم“، والأسوأ توزيعاً للدخل أيضاً!

لقد صارت البرازيل مركزاً عالمياً لانتصارات من قبيل عبودية الأطفال حيث يعمل قرابة سبعة ملايين طفل كعبيد أو مومسات، فيُستغلون، ويُدفعون للعمل بما يفوق طاقتهم، ويُحرمون من التعليم والصحة، أمّا الأطفال الأوفر حظاً، فيستطيعون أن يأملوا بالعمل لصالح مروجّي المخدرات مقابل الحصول على مواد لاصقة يستنشقونها، ويرون أنّها توهم بالشبع! أيضاً، فإنّ البرازيل تستحق جائزة في تعذيب الأطفال المشردين وقتلهم على يد قوات الأمن، حيث رصدت لجنة برلمانية خمس عشرة فرقة من فرق الموت في ريودي جانيرو وحدها، ويتمّ تمويلها من قبل التجار،أمّا عناصرها فمعظمهم من رجال الشرطة السابقين! لقد سجّل معهد الطبّ الشرعي مقتل أربعمائة وسبعة وعشرين طفلاً خلال الأشهر الأولى من عام 1991في ريو وحدها، وكان ثلاثة أرباع تلك الجثث بلا عيون، أو قرنيات، أو كلى بعد أن تمّ انتزاع تلك الأعضاء لصالح تجارة الأعضاء القابلة للتصدير إلى الشمال الغني! ثمّ هاهم الباحثون الطبّيون البرازيليون يضعون أيديهم على جنس جديد في مدن الأكواخ ومناطق الأمازون، إنهم أقزام يملكون 40% من الإمكانيات العقلية البشرية العادية، وذلك بسبب من سوء التغذية الحاد والمزمن! لقد انهار النظام البيئي والصحي والتعليمي في البرازيل بعد أن أعيدت هيكلة اقتصادها وفق النموذج المتمم لاقتصاد الولايات المتحدة، فهل ثمة ما يقال بعد عن ضريبة الطرق العلمية الحديثة في التنمية، تلك التنمية المستندة بقوة إلى الرأسمالية في منطقة جديرة بالاستغلال كالبرازيل!؟

أمّا غواتيمالا فهي مثال أخر يقدّم بدوره أفقاً ممتازاً لقصة نجاح”!“رأسمالي أخرى، بعد أن استعادت الولايات المتحدة سيطرتها عليها عام 1954، إذْ في الوقت الذي تباهي فيه غواتيمالا بمستوى تغذية أطفالها الذي يتجاوز ما لدى هاييتي، تقدّم لنا الأرقام لوحة واضحة عن الإنجاز الأمريكي المؤثر! ذلك أنّ 40% من التلاميذ يعانون من سوء التغذية المزمن، بينما تساء معاملة 2.5 مليون طفل في هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه تسعة ملايين نسمة، وهذا ما يؤدي بهم إلى ترك المدرسة، والتّورط في الجريمة! لقد فقد ربع مليون طفل آباءهم بفعل العنف السياسي، ويعيش 87% من السكان تحت خطّ الفقر، وهناك ستة ملايين إنسان لا يجدون الرعاية الصحية، بينما يفتقر 3.6مليون نسمة لمياه الشرب، ولا يستطيع 72% منهم ـ أي من السكان ـ تحملّ تكاليف الحدّ الأدنى من التغذية! إنها صورة مشرقة تبعث على الفخر بدون شكّ! ولا ينبغي أن تمر من غير مكافأة، وبالفعل فلقد كافأت الولايات المتحدة الجنرال هكتور غراماجو ـ أحد أكبر القتلة في غواتيمالا ـ بزمالة في مدرسة جون كندي ربّما لإسهامه في الإبادة الجماعية هناك، تلك الإبادة التي ستأخذ اسم”مكافحة الانتفاضة“(وهو أحد التعابير التقنية الدالة على الإرهاب الذي يديره الأقوياء) ، وبينما كان غراماجو يحصل على درجته العلمية من هارفارد أدلى بتصريح عن مسؤوليته الشخصية عن برنامج الـ 30ـ 70% للشؤون المدنية، الذي استخدمته حكومة غواتيمالا في الثمانينات للسيطرة على السكان والمنظمات المعارضة للحكومة، فقال”لقد ابتكرنا استراتيجية أقل تكلفة وأكثر إنسانية لتكون أكثر انسجاماً مع النظام الديمقراطي، لقد نظمنا الشؤون المدنية (عام 1982) بحيث تؤمن التقدّم لـ 70% من السكان، بينما نحن نقتل ال30% الباقين، أمّا قبل ذلك فقد قامت استراتيجيتنا على قتل 100%“!

وبفضل التدخل الأمريكي، وخبراء الإدارة الذين يأتون في وقتهم سُجلت إنجازات مماثلة في غرينادا بعد”تحريرها!“عام 1983 بواسطة سنوات طويلة من الحرب الاقتصادية الأمريكية، وأعمال التخويف التي تمّ حذفها من السجل التاريخي بعناية فغرينادا ـ اليوم ـ أكبر متلقّ للعون الأمريكي للفرد الواحد ـ بعد إسرائيل التي تظل حالة خاصة طبعاً ـ وتعاني الجزيرة من أرقام قياسية في مستويات الإدمان على الكحول وسوء استخدام المخدرات والأمراض الاجتماعية المزمنة، بحيث لم يعد أمام السكان إلا أن يهربوا من جزيرتهم الجميلة!

لقد تحولت غرينادا إلى مأوى سريع النمو لعمليات غسل الأموال المريبة، وتجنبّ الضرائب، وما يناسب ذلك من ضروب الاحتيال، فعلى أرضها ينهض 118 مصرفاً من مصارف ما وراء البحار، أي مصرف لكل 64نسمة، أما في فنزويلا، ذلك البلد النفطي الغني، فلقد اتبعتّ الولايات المتحدة سياستها المعتادة في السيطرة الكلية على الجيش منذ الحرب العالمية الثانية ، وجرى فيها ما جرى في كلّ مكان وطأه الأمريكيون، إذْ فقدت مكانتها كمصدّر أول للنفط أمام السعودية وإيران عام 1970، وكما حدث في الشرق الأوسط، أممت فنزويلا نفطها بالإضافة إلى خامات الحديد، ولكن بطريقة مرضية لواشنطن، ذلك أنّ القدرة الشرائية للعمال انخفضت بمقدار 60% خلال ثلاث سنوات فقط، وأقرّت الحكومة بأن 57% من السكان فقط هم القادرون على تأمين أكثر من وجبة يومية واحدة في هذا البلد ذي الثراء الواسع، فيما تراجع الدخل الحقيقي للفرد بنسبة 55% في الفترة ما بين 1988 ـ 1991، وهو ما يساوي مثلي تراجعه في فترة 1980ـ 1988.
و لا يخـرج مـا يجري اليوم في زائير أو الكونغو كثيراً عمّا يجري فـي تايلاند أو لاووس أو
كمبوديا أو الدومنيكان أو أنغولا أو موزامبيق من تخريب اقتصادي واجتماعي منظّم تقوم به الولايات المتحدة عبر العشرات من منظماتها المالية والتجارية والقانونية! إنّ المساعدات الأمريكية، والقروض، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية”الأمريكية تحديداً“، ووصفات صندوق النقد الدولي ما هي إلاّ أوجه متعددة لتقويض السياسات المستقلة للبلدان موضوع تلك المساعدات، فإذا حاول أحدها أن يرفض أو يقاوم، فإنه يجابه بعشرات الضغوط كالحصار الاقتصادي مثلاً كما هو حال كوبا! لقد ظلّت الولايات المتحدة تعارض استقلال كوبا مستندة إلى خبرة تمتدّ عبر مئة و سبعين عاماً ، وقد تعمد الولايات المتحدة إلى الغزو المباشر كما فعلت ببنما إذْ استبدلت الجنرال نورييغا بغويلرمو الذي أقسم اليمين الدستورية في قاعدة عسكرية تابعة لها، مع أنه لا يحظى بأكثر من 3% من أصوات الناخبين . إنه حال كوستاريكا وغرينادا وبورتوريكو أيضا ، بيد أنّ النموذج المفضل عند الإدارة الأمريكية يظّل متمثلاً في الاتكّاء على نخب عسكرية ومالية محلية عميلة تنفّذ لها سياساتها، فيما تبقى هي متوارية في الظّل، وإذا ضاقت بها السبل ، فإن الفيتو الأمريكي حاضر لتعطيل قرارات الهيئات الدولية التي لا تتناسب و تلك السياسات !

إن المفارق في الموضوع هو أنّ الولايات المتحدة ذاتها لم تنج من براثن رأس المال ، إذْ أنّ قطاعات كبيرة داخل المركز الامبريالي الأكثر تطوراً ( الولايات المتحدة ـ ألمانيا ) تتعرض لمظاهر الترييف والعالمثالثية، وعلى نطاق واسع يجري التراجع عن مكتسبات كانت الشرائح العمالية قد انتزعتها فيما سبق ، بما يحقّق مقولة ماركس الشهيرة”إذا تحوّل المال إلى إله ، تحولت باقي الآلهة إلى سلع“وحتى على صعيد البيئة ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأكثر تلويثاً للبيئة ، لذلك فقد رفضت أن توقّع على معاهدة الحدّ من تلوث البيئة أثناء مؤتمر الأرض الذي عقد في ريودي جانيرو مؤخراً . 
إن كتاب تشومسكي ـ كما كتب هوا رد زن ـ يقدّم لنا”منظومة مروّعة عن دور الولايات المتحدة في العالم ، موضوعة ضمن المنظور التاريخي المديد للسنوات الخمسمئة التي أعقبت رحلات كولومبوس ، والنتيجة هي كتاب مدهش في التاريخ و السياسة“وعن هذا يقول إدوارد غاليانو”يرسم هذا الكتاب صورة العالم المولود منذ خمسة قرون خلت ، سوق هائلة تحدّد فيها القيمة ببطاقة السعر، فما هو سعر المثقف!؟ من جديد تبرهن موهبة تشومسكي الجبارة أنّه ليس مقدّراً للبشر أن يكونوا سلعاً”!. 
الحسكة في 12/ 11/ 1997 .

الهوامش :
ـ سنة 501 , الغزو مستمر ، نعوم تشومسكي ـ ترجمة مي نبهان ـ دار المدى للنشر والثقافة 1996 .
ـ جاء في المتن أمريكا بمعنى الولايات المتحدة في أكثر من مكان ، وحينما كانت الكلمة تشير إلى أمريكا القارة تمّ التوضيح بما اقتضى التنويه .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This