الأخطاء القاتلة للدولة الوطنية في العالم العربي

لم يظهر حتى الآن ما هو أفضل من الدولة كإطار جامع يتنازل فيه الأفراد عن جزء من إرادتهم في سبيل تحقيق مصالحهم العامة والخاصة ، بعدما وجدوا في الطائفية والاثنية أضرارا تؤدى إلى الصدام والاقتتال ، فكان من الضروري البحث عن هذا الكيان المعنوي المحايد الذي يعكس جميع إراداتهم في شكل الدولة بمؤسساتها وقوانينها.. وفي الآتى نقف عند ابرز هذه الأخطاء التى أوصلت الدولة في العالم العربي إلى الحالة التي هي عليها الآن من الحروب الأهلية ومن التقسيم ومن انتشار الإرهاب وظهور الإمارات الإسلامية وطمع دول الجوار وتراجع القضايا لعربية الكبرى مثل القضية الفلسطينية وغيرها ..

أولا : الفشل التنموي للدولة الوطنية :
بالتأكيد لو كانت الكثير من الدول العربية انتهجت النهج التنموي بمفهومه الشامل اقتصاديا وسياسيا ونهضويا لكان الحالة التي توجد عليها هذه المجتمعات الآن تغيرت إلى الأفضل ، فسؤال التنمية سوف يظل يلاحق كل الذين حكموا في هذه الفترة لكونهم انحرفوا عن مسيرة التطور التي كانت تمر بها حركة المجتمعات سواء في الشمال والجنوب على السواء ، وهو ما خلق ما يشبه “الاستثناء العربي” في العجز عن عملية التنمية والذي لم يكن عجزا بقدر ما كان بسبب الفشل في سياسات نخبة الحكم وارتكانها الى استبدادها ، فمصر على سبيل المثال إذا كانت فترتي حكم كل من الرئيس جمال عبد الناصر والسادات لهما أسباب كونهما خاض حروب ضد إسرائيل، فان السؤال لماذا لم يستغل من أتى بعدهما ممثلا في نظام مبارك الذي استمر اكثر من ثلاثين سنة كل هذه الفترة في إحداث تنمية شاملة من بينها بناء ديمقراطية حقيقة داخل المجتمع واحداث نهضة اقتصادية لشعب جزء كبير من الشبابية يعمل في دول الجوار، حتى لو كان المبرر شح الموارد فان التخطيط وبناء مشروعات قومية غاب عن هذا النظام وبات يسير بقوة الدفع الذاتي في سنواته الأولى إلى ان ظهر موضوع الوريث فكان بمثابة الخطأ القاتل لنظامه ليخرج كل سلبيات سياساته في المجتمع وتعمل ضد نظامه . حدث مثل هذا الامر بشكل موازى في سوريا الاسد التى تم توريث الحكم فيها من الاب للابن قبل عشر سنوات، وبالمثل كان يسير هذا السيناريو في كل من ليبيا واليمن مع اختلاف السياق المجتمعي والاقتصادي فيهما ..وسارت أيضا العراق تحت حكم صدام حسين في هذا الطريق قبل ان ينتهي على يد الاحتلال الامريكى في 2003 ..

ومن هنا نلاحظ ان دولة ما بعد الاستقلال ، بدلا من ان تنهض تنمويا بدأت تصغر طموحاتها لتتمركز حول عملية الإخراج ليحكم الأبناء في قصر رؤية من هؤلاء الحكام الذين لو كانوا على الأقل اثبتوا نجاحا تنمويا ونهضويا في فترة حكمهم لكان الأمر بات مقبولا إلا أنهم فشلوا في نهضة دولهم ويريدون أن يورثونها لأبنائهم …وهو أمر يطرح الكثير من التساؤلات حول النسق الفكرى الذي كان يحكم هذه المجتمعات ،هل بالفعل كان هؤلاء كما كانت تظهر التحليلات يتعمدون سياسات تعمل على فشل التنمية وتجهيل الناس وإحداث الفقر حتى يسهل قيادة هذه الشعوب أم أن عدم الثورة والهيمنة الأمنية أعطى طمأنينة لهم ليستمروا في فشلهم وان هذه الشعوب لن تثور وسوف تقبل بما هي فيها من ظروف، أم أن غياب الموارد بالإضافة الى فشل سياساتهم واستبدادهم صرعت بفشل الدولة الوطنية التى تكونت عقب الاستقلال.. فما سقط من الدول حتى الان هي معظم الدول الجمهورية ، وما زالت الممالك والإمارات تحافظ على وجودها بما فيها ممالك ليس لديها الموارد شانها شان الدول التى كانت تحكم من قبل رؤساء حال مملكتي الأردن والمغرب…

ثانيا : فشل بناء المؤسسات والديمقراطية
كان الحال سوف يكون أفضل لمجتمعات مثل مصر وسوريا لو كانت بالفعل هناك ديمقراطية ومؤسسات قوية وتداول للسلطة ، فستة مليون لاجئ ومائتين ألف قتيل وتدمير المدن السورية؛ منها المدن التاريخية وظهور التنظيمات الدينية الفاشية يرتبط بشكل مباشر بترسيخ الاستبداد في شكل ال الأسد ونظامه وتغييب المجتمع السورى بنخبته وطبقته الوسطى على مدار عقود.. نفس الامر كان من الممكن ان ينطبق على مصر لولا بعض الاختلافات في سياق تتطور الدولة المصرية بكونها ليست نتيجة لمعاهدة سايكس بيكو كدولة سوريا ، وإنما هي دولة مركزية قديمة من آلاف السنين ، وهو ما جعلها حتى الآن راسخة في واجهة تحديات كثيرة تعرضت لها على مدار السنوات التالية لثورة 25 يناير الى العام الذى حكم الاخوان فيه وهبة المصريون ضدهم ، وحتى فترة الحكم الحالى تظهر التحديات بشكل واضح على الدولة المصرية في اطار عمليات التفكيك لعدد من المجتمعات العربية من داخلها سواء في بلاد الشام والعراق او في اليمن و ليبيا .
وكل ذلك يطرح التساؤل حول السياسات المثلى لتحافظ الدولة في المجتمعات العربية على نفسها من الانهيار وتتغلب على ما يواجها داخليا من ارهاب وتحديات خارجية ؛ هل أن تحكم سيطرتها بقبضتها الأمنية فقط ؟ وهل هذا هو النهج الأنسب لاستمرارية الدولة أم أنها تعيد بناء المجتمع بشكل تنموى من الناحية الاقتصادية لادماج الأجيال الجديدة فيها وإحداث نهضة اقتصادية تنعكس على العملية التعليمية مع الإعلاء من قيم المؤسساتية وقيم العدالة والحريات والديمقراطية ..فنظام مبارك كان لديه تحديات متشابه وفعل من قبضته الأمنية على حساب الحريات ولم تحميه من أن يثور المصريون ضده ..بالمثل أخطاء المرحلة الحالية بتجاهلها قيم الحرية والعدالة والديمقراطية سوف تكون نتائجها كارثية ، فإذا كانت هناك امتصاص للصدمات التى حدثت في المجتمع المصري على مدار السنوات الماضية ، فالسقوط هذه المرة سوف يدور في دائرة سوريا والعراق وليبيا ، فالديمقراطية وثقافة بناء المساءلة وتحقيق العدالة باتت الضمانة الأساسية لحفظ أي مجتمع من الانهيار على ضوء من نشاهده في هذه الدول التى كانت مفرغة من الداخل من المؤسسات وحكم القانون فجاء انفجارها سهلا ..

ووسط هذا الزخم والتجارب التى تعايشها مجتمعاتنا بات طريق الخروج واضح في المؤسساتية وحكم القانون في إطار الدولة الوطنية بحيث يصبح الكل فاعل في وطنه بدء من عسكري المرور الذي يطبق القانون بدون استثناء مرورا بالموظف الذي يؤدى خدمات للمواطنين بدون رشوة مرورا بتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص أمام أصحاب الامتيازات الخاصة الذين قد يملكون الإمكانيات والوساطات لتعيين أبنائه في وظائفهم كالشرطة والقضاء ..فهناك مئات الآلاف الشباب الذين يتخرجون كل عام فإذا لم يشعرون بتحقيق تكافؤ الفرص والعدالة في بلدههم ، فطبيعي أن يتطرف بعضهم ويذهب لمن يسمع له يساعده ماديا ويقربه على حد رؤيتهم من دينهم ويصبح في النهاية ارهابيا معادى للدولة …

ثالثا: الخارج الذي اضر كثيرا الداخل:
منذ منتصف القرن الماضي والمجتمعات العربية نالت جزء من سوء إدارتها لسياستها الخارجية ، فكانت دائما مغامرات السياسة الخارجية لها نتائجها السلبية على شعوبها ،والمغامرة لا تعنى غياب الوطنية عن هذه القيادات وانما هي سوء التقدير وعدم القراءة الجيدة للمتغيرات الدولية والتعامل معها بحكمة بدلا من الوقوع في مصيدة سياسات الخارج هذه . ونتائج الخارج السلبية في الداخل العربي شهدت اربع محطات رئيسية وفقا لرؤية الكاتب الأولى : كانت في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر في مصر الذى كان في سياساته الخارجية جرأة وثقة بالنفس الأمر الذي جعله ودولته في مصيدة التحالفات الدولية بدء بحلف بغداد ومرور بالعدوان الثلاثي 1956 وانتهاء بهزيمة 1967 ، فلم تكن السياسة الخارجية المصرية من الحكمة بمكان في امتصاص هذا الضغط الخارجي بل كانت في قراراتها محفزة لها لتضغط وتتصيد أخطاء سياساتها ، وهو ما كلفها أعباء إضافية على حساب الداخل ..أما المرحلة الثانية فهي التى بدأت مع الرئيس صدام حسين ، وبالأخص في أعقاب انتهاء حربه مع إيران في أواخر الثمانينات من القرن الماضي . ، ففتحت مغامرته بغزو الكويت في 1990 الباب لترسيخ التواجد الأجنبي في المنطقة منذ ذلك الوقت وليستمر بقوة حتى الآن على ضوء متغيرات أخرى كان من بينها غزو العراق نفسها على يد القوات الأمريكية ..ثالثا؛ ظهور الإرهاب في المنطقة والذي كان مبررا لسياسات جديدة للدول الكبرى من بينها كان احتلال أفغانستان والعراق عقب أحداث سبتمبر ثم انتهاج نهج التدخل عن طريق فرض الديمقراطية ومشروع الشرق الأوسط الكبير في عهد بوش الابن، وما تبع ذلك من مساومات ما بين عدد من الدول والإدارة الأمريكية في هذا الشأن في سبيل تمرير مشاريع التوريث وهو ما كان على حساب التنمية والديمقراطية النابعة من الداخل وليس من الخارج …ورابع هذه المحطات ارتبط بمجئ الثورات العربية ، فعلى الرغم من كثرة الجدل الذي أثير حول ما اذا كانت الثورات العربية مدعومة من الخارج اما لا ..فما ثبت حتى الآن أن هذه الثورات هي بالأساس كانت نتيجة لفشل الدولة الوطنية في التنمية وإحداث الديمقراطية والقدرة على تلبية احتياجات الأجيال الجديدة التى نشأت في بيئة وظروف معولمة .. ولكن ما حدث بعد ذلك في عدد من الدول التى امتدت فيها الثورة ولم يسقط النظام ان تهيأت البيئة الإقليمية والدولية بالتدخلات الأجنبية بالشكل الذي اضر كثيرا كما يحدث الآن في سوريا التى باتت برغم ماساتها لعبة للمصالح الدولية والإقليمية وبالمثل ليبيا ،بل ان هذا الشكل من التدخل فاق كل المراحل الأربع السابقة لأنه في هذه الحالة وصل نتيجة لسياساته لدرجة تقسيم هذه الدول وتفريغ سكانها منها ..
هذا بعض من كثير وقع فيه حكام الدولة الوطنية في العالم العربي على مدار العقود الستة الماضية من أخطاء ولو أنهم تعلموا من حولهم وساروا على نهج التجارب الأسيوية في عملية التنمية لما كان الحال التى توجد عليه هذه المجتمعات بهذا الشكل الآن ، المرشح الكثير منها، الى التحلل والتفكك والانفجار لتراكم مشكلات الداخل..فرفاهية الحكم والقصور يجب ألا تنسي هؤلاء الذين يحكمون المشكلات الحقيقة لمجتمعاتهم سواء كانت اقتصادية او حتى قضايا الحرية والديمقراطية يجب ان تكون لها الأولية بنفس الدرجة للقضايا الاقتصادية لان الثقة وحكم القانون هم الدافع القوى لاي نهضة اقتصادية وتنموية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق