التيار العصري يهزم الإسلام السياسي: عوامل الانتصار وأسباب التراجع / الهاشمي الطرودي

لن يهدأ الجدل حول تفسير ما حدث لكن يبقى السؤال المهمّ هو لماذا انتصر التيار العصري وتراجع الإسلام السياسي وانهارت الأحزاب الوسطيّة؟ ستختلف الإجابات والتقييمات والاستنتاجات.

لكن الشيء الأكيد أنّ القرارات التي ستنجم عنها ستعيد تشكيل الخارطة السيّاسية وستبوح بالتطورات التي قد تشهدها الحياة السياسية خلال الخمس سنوات القادمة.

لا يسع المرء في البداية سوى التنويه بالشعب التونسي، فقد برهن، في كلّ المحطات التاريخية الكبرى على قدر مهم من العقلانية والواقعيّة والنضج السياسي، كما برهن، وبذات القدر، على تحضره حيث راهن على التغيير عبر صندوق الاقتراع، والتزم بأحكامه.

هذا الرصيد من الخصال التي توارثها الشعب التونسي، عن حركة إصلاحية عريقة وحركة وطنية رائدة وحركة نقابية فريدة في الفضاء العربي والإفريقي، هي التي صنعت خصوصيات الثورة التونسية وشكّلت الخبرة التاريخية التي أثمرت ما بات يوصف بالنموذج التونسي في الانتقال الديمقراطي، هذا النموذج الذي أبهر العالم المتحضّر ولا يزال يثير الإعجاب.

لقد تجلّى النضج، وهو جماع تلك الخصال، في الحرص على أن يتمّ التغيير في إطار احترام الدستور والقوانين القائمة فكان اللجوء إلى الفصل (57) من الدستور والفتوى الدستورية لتمديد «الشرعية الدستورية» حتى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، كما تجلّى في أحداث هيكل تشريعي «لجنة ابن عاشور» التي ملأت الفراغ الناجم عن حلّ المجلس النيابي ووفّرت التشريعات الضرورية لإدارة المرحلة الانتقالية، وهكذا نجحت النخبة التونسية في تكريس مفهوم «التغيير في إطار الاستمراريّة» فامنّت بذلك استمرارية الدولة واقتصدت في كلفة الانتقال من منطق التغيير الثوري إلى منطق الإصلاح، وفي هذا، تحديدا، تكمن إحدى خصوصيات الثورة التونسية، إذ لا نجد لها شبها في تجارب ما يوصف ببلدان الربيع العربي.

تجلّى النضج أيضا في محطّة حكم الترويكا، لقد نجحت النخبة مسنودة من القطاع الأوسع من الشعب وقادة الرباعي الراعي للحوار الوطني مرّة أخرى، في وضع حدّ لتنفيذ مشروع أخونة الدولة ولإنقاذ البلاد من تداعيات الأزمة المتعدّدة الأطراف التي قاد إليها هذا الحكم، وبفضل هذا التغيير، الذي شهده وضع ميزان القوى في الداخل وعزّزه فشل الإسلام السياسي على الصعيد الإقليمي، كان الدستور التوافقي وإسقاط حكومة العريض، والحدّ من صلاحيات المجلس التأسيسي وتوفّر ظروف أفضل لإجراء الاستحقاق الانتخابي.

تجلّى النضج أخيرا في هذه الانتخابات، لقد قيل في شأن نواقصها الكثير، لكن هذا لا يحول دون وصفها بالرائعة، أيستكثر هذا الوصف في انتخابات كرّس فيها الشعب التونسي مبدأ التداول السلمي على السلطة؟ فهل هذا بالأمر الهيّن في الفضاء العربي الإسلامي وتجاه حكام جدد يبدو أنهم مفتونون، هم أيضا، بفكرة الرئاسة مدى الحياة ومتلبسّون بمنطق الحزب الواحد؟ ألم يقل الرئيس المؤقت لمواطنيه «موتوا بغيضكم» سأعود إليكم؟ ألم يقل الشيخ راشد الغنوشي في مهرجان انتخابي صاخب، وبلهجة لا تخلو من روح «ثأرية»، سنعود إلى السلطة ؟

ينبغي أن ننوّه، من جهة، ثانية بالمجتمع المدني وتحديدا الرباعي الراعي للحوار، الذي ساهم، باقتدار، في إدارة الحوار الوطني وتوفير شروط نجاح هذا الاستحقاق الانتخابي، ولا نضيف جديدا إذا أشرنا إلى أنّ في هذا الدور الوطني الذي اضطلع به الرباعي، في ظرف عصيب لاحت فيه بوادر الاحتراب الأهلي، تكمن خصوصيّة أخرى من خصوصيات نموذج الانتقال الديمقراطي ببلادنا.

ينبغي أن ننوه من جهة ثالثة بتمسّك الإعلام بمكسب الحريّة الذي أهدته الثورة للتونسيين، لقد صمدت وسائل الإعلام، عموما، العمومية منها والخاصة، وفي المقدّمة الصحافيون أمام ضغوط وإغراءات ومساومات الحكام الجدد الذين سعوا بكل قوّة وبمختلف الوسائل لتدجين الإعلام وتوظيفه لخدمة أجنداتهم السياسيّة، لملم أهل المهنة جراحهم وحرصوا على ترقية أدائهم وكان لهم ذلك فلقد قطع الإعلام التونسي أشواطا مهمّة في نهج الحرفيّة وفي أداء دوره كسلطة رابعة.

لا ينبغي أن نعير أيّ اهتمام لمن جعلوا من شعار «إعلام العار» شمّاعة يعلقون عليها فشلهم ويغطون به عماهم الإيديولوجي وعداءهم الفعلي لحريّة التعبير، يكفي الإعلاميين فخرا رضي غالبية التونسيين عن أدائهم والذي أكّدته، باستمرار، نتائج سبر الآراء، كفاهم فخرا أن بعض وسائل الإعلام التي سعت إلى إحياء الإعلام الحزبي والعودة لإعلام (البروبقندة) قد فشلت فشلا ذريعا واضطرت إلى العودة، وإن باحتشام وتردّد إلى مسايرة أعراف المهنة، ربّما بدت تعي أنّ زمن الرأي الواحد والصوت الواحد، والحزب الواحد قد ولّى.

لا بدّ أن ننوّه، أخيرا، بمبادرة الباجي قائد السبسي والتي تجسّدت، في نهاية المطاف، في تأسيس «نداء تونس» لقد راهن على تحقيق التوازن السياسي ونجح في ذلك، يمكن أن ننقد الباجي وحزبه صباح مساء، لكن ما لا يمكن تجاهله، وما سيسجله التاريخ للرجل، أنه ساهم بهذه المبادرة، فعلا لا قولا، في إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي وفي جعل مبدأ التداول السلمي على السلطة، وهو روح العملية الديمقراطية، مبدءا قابلا للانجاز.

ما قام به الباجي قائد السبسي ليس من قبيل المعجزة، من المهم الإشادة بقدرة الرجل ونجاحه في تأسيس حزب كبير، في وقت قياسي، حزب نجح، ومن الاختبار الأول، في احتلال المرتبة الأولى في المشهد السياسي واعتبار ذلك أشبه ما يكون بالمعجزة، لكن الأهم هو التعرّف عن الأسباب التي كانت خلف نجاح هذا المشروع.

لماذا نجح الباجي فيما فشل فيه الآخرون؟

إنّ سرّ نجاح الباجي حنكته السياسية، وتمتّعه بخصال رجل الدولة تبدو، تحديدا، في قدرته على التقاط متطلبات اللحظة التاريخية التي تمرّ بها البلاد، لم يصنع الواقع الذي أنتج النداء، وليس بوسعه ذلك، ما فعله، وهذا عنوان جدارته، أنه أصغى، بانتباه، للواقع واشتغل عليه لبناء مشروع سياسي يشهد له ذلك الواقع، مشروع يهدّئ مخاوف قطاع واسع من الشعب، قطاع تولدت لديه القناعة أنّ مشروع الإسلام السياسي، الذي عاش مقدماته، أثناء حكم النهضة، يستهدف مكاسب الحركة الإصلاحية والوطنية التونسية ويؤدّي، في نهاية المطاف، إلى تفكّك الدولة الوطنية. هذا الواقع الذي أثمر النداء لم يصنعه، أيضا، حكم النهضة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، هذا الواقع هو، في آخر تحليل، نتاج نموذج الحداثة التونسية ومشروع دولة الاستقلال، حكم النهضة أنضج، فقط الظروف التي ساهمت في بروز المشروع ، بعض المتحذلقين في الكلام، يقولون، بلهجة المحلّلين الكبار: البرنامج الوحيد للنداء هو عداء النهضة هذا عين السذاجة، فالنداء لا يعادي النهضة وإنّما يحمل مشروعا نقيضا لمشروعها، هو يعادي المشروع لا الحزب.

ما تنبغي الإشارة إليه هو أنّ الحزب، الذي يمتلك مقوّمات الحياة والنماء والنجاح، ليس فعلا إراديا وإنما هو «حالة تاريخية»، هو تعبيرة عن حقائق الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في لحظة تاريخية معيّنة، هو أيضا نتاج تراكم تجارب الماضي ومكتسباتها، أو بالأحرى، هو تواصل في قطيعة وقطيعة في تواصل، هو قديم وجديد، ارث وإضافة، هذا ما نتعلمه من التجارب التاريخية، عموما، ومن التجارب الحزبية في تاريخ بلادنا الحديث والمعاصر.

الحزب الحرّ الدستوري التونسي الذي أنشأه عبد العزيز الثعالبي في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، كان وريث الحركة الإصلاحية التونسية، كما كان، وهو الأهم مواصلة وتطويرا وإضافة للتجربة «حركة الشباب التونسي»، التي أسّسها علي باش حانبة في مطلع القرن الماضي، جدارة الحركة الوطنية بزعامة الثعالبي آنذاك هو التقاطها لمتطلبات اللحظة التاريخية التي تعيشها البلاد والعالم عموما في أعقاب الحرب العالمية الأولى(انتصار الحلفاء، انهيار الخلافة العثمانية، الثورة البلشفية مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسن…). حزب الدستور الجديد «Néo détour» الذي ولد في مؤتمر قصر هلال، كان بدوره امتداد لحزب الثعالبي، وإضافة نوعيّة لمكتسباته.

تبدو جدارة النخبة الوطنية الجديدة، في قدرتها على التقاط متطلبات اللحظة التاريخية في مطلع الثلاثينيات. لقد ولد الحزب الجديد في خضم التداعيات الكارثية للأزمة الاقتصادية العالمية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي التونسي، ولد في وقت استشرت فيه السياسة الاستعمارية وباتت تستهدف، وفي وضع انهيار، مقومات الأمّة التونسية (التجنيس، المؤتمر الافخرستي، الاحتفال بالذكرى الخمسين للحماية).

لقد أدركت هذه النخبة أنّ تداعيات الأزمة الاقتصادية من جهة، وضرب مقومات الذاتية التونسية، من جهة أخرى، رشّحت شرائح اجتماعية واسعة للانحياز للحركة الوطنية، ووفّرت الظروف الملائمة لإقحام الشعب في المعركة.

لكن عبقرية هذه النخبة، إن جاز التعبير، لا تتمثل في هذا الوعي السياسي على أهميته وإنّما تتمثّل، وبالأساس، في الإقدام على افتكاك قيادة الحركة الوطنية من القدامى، وطرد القيادة القديمة والنضال، في نفس الوقت، من أجل البرهنة على أنّها الأجدر بوراثة رصيد الحركة الإصلاحية والوطنية التونسيّة وأنها الأقدر على تقديم الإضافة النوعيّة التي تتطلبها الظرفية التاريخية الجديدة، فكانت المحنة الأولى التي أثبتت صدقيّة هذا الرهان، ثمّ أحداث 9 أفريل التي اندلعت، عشية رحيل ذلك العقد، والتي شقت طريق تونس إلى النصر. لو لم يبن بورقيبة على القديم، وأسّس ورفاقه حزبا جديدا، (فتح دكان جديد إلى جانب حزب الثعالبي) لاندثروا وذهب ريحهم، ولكان مصيرهم مصير الحزب الإصلاحي الذي أسّس حسين القلاتي ومحمد لغمان.

على خطّى بورقيبة

الباجي قائد السبسي، مسار، وبوجه من الوجوه، على خطى برقيبة، لقد قال، ومنذ البدء، أنّ حزبنا امتداد للحركة الإصلاحية والوطنيّة التونسية، هو نسخة محيّنة منها هو إضافة لرصيدها، إضافته في الاجتهاد لتلبية طموحات الشعب التونسي ورفع التحدّيات التي تواجه البلاد في هذه المرحلة المصيرية.

لقد فتح الحزب ذراعيه لكل النخب والفئات الاجتماعية التي تشاطر المؤسسين هذه الرؤية لهويّة الحزب وتموقعه فكان الرافد الدستوري/التجمعي، الرّافد النقابي، الرّافد اليساري، والمستقلون، القاسم المشترك بين هذه الروافد المنحدرة من مدارس فكريّة مختلفة وتجارب سياسية واجتماعية مختلفة، هو الشراكة في رصيد الحركة الإصلاحية التونسية وعزم الجميع على الدفاع عن المكاسب الحداثية لمشروع دولة الاستقلال والاسهام في بناء المشروع الديمقراطي.

من الصعب، وكما أثبتت الأزمات التي مرّ بها النداء، صهر هذه الروافد المختلفة في بوتقة واحدة، لكن الشيء الأكيد أنّ هذا المشروع قابل للحياة والتطوّر، لأنّه يشكّل إجابة براغماتية وواقعيّة عن أسئلة مرحلة بناء المجتمع الديمقراطي التعدّدي ولا يستبعد أن يتطور إلى تنظيم شبيه بأحزاب يسار الوسط ويمين الوسط، في أوروبا والتي تضمّ عديد التيارات والأجنحة.

ما نخلص إليه هو أن حزب نداء تونس ولد كبيرا فهو قديم بقدر ما هو جديد، وبالأحرى هو تعبيرة مكثّفة عن مشروع فكري وسياسي أصيل، شكّل ولا يزال جزءا من الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي التونسي، ولذا لا غرابة أن تجد فيه قطاعات واسعة من الشعب التونسي نفسها، أن تعانق، من خلاله، هويتها وأن ترى فيه الأمل والمنقذ.

انتصار النموذج التونسي

لقد كثر الحديث، منذ نجاح الحوار الوطني، عن خصوصيات الثورة التونسية والنموذج التونسي للانتقال الديمقراطي، حتى حركة النهضة التي اضطرّت، في نهاية المطاف، للتوقف عن تنفيذ مشروع أسلمة المجتمع وأخونة الدولة والالتحاق بالحوار الوطني والمصادقة على خارطة الطريق باتت تنوّه صباحا مساء بالنموذج التونسي بل بزّت باقي الأطراف في الإشادة والتباهي.

لقد اكتشفت، وبالأحرى جناحها العقلاني والبرغمائي تحت ضغوط متغيّرات الواقع الوطني وأزمة مشروع الإسلام السياسي على الصعيد الإقليمي، الوطن وفضائل الوطنية وضرورة الوحدة الوطنية والحكم التشاركي، استبشر الجميع بهذا التحوّل ورأوه خطوة في الاتجاه الصحيح، رغم أنّ الحركة لم تقم بنقدها الذاتي ولم تراجع أطروحاتها السابقة، غيّرت فقط الخطاب، فبدت من خلاله خلقا جديا، أوحى فعلا بأنها بصدد مغادرة عوالمها القديمة والانخراط في مسار التونسة.

لكن ما أثار انزعاج قطاع مهم من الطبقة السياسية وعديد المراقبين أن تتعسّف حركة النهضة عن الأحداث التي عاشتها الجميع عن كثب، فتنسب لنفسها الفضل في إنجاح الحوار الوطني، بل لا تتردّد في إيهام الرأي العام الوطني والخارجي بأنها الطرف الرئيسي في صنع ما أصبح يوصف بالنموذج التونسي في الانتقال الديمقراطي.

هذا ما أثار الشكوك حول مدى صدقيّة الخطاب الجديد والسياسات الجديدة للحركة، لقد أبدت حرصا ملحوظا على احتكار الوطنية، أشبه ما يكون بحرصها على احتكار الإسلام، الشعار الذي رفعته في حملتها الانتخابية «حبّ تونس موش كلام» يؤكّد ذلك فهو لا يخلو من طعن في العقيدة الوطنية للآخرين من استنقاص لوطنيتهم.

صحيح أنّ هناك نموذجا تونسيا للانتقال الديمقراطي، شدّ اهتمام العالم وأبهر الجميع، لكن لم يكن إطلاقا من صنع الحركة، ادّعاء النهضة أنّ هذا من أمجادها، ونتاج عبقريتها والشاهد على وطنيتها، ليّ لعنق الحقيقة، إنّ فضل الجناح العقلاني والبرغماتي ليس في صنع هذا النموذج كما أصبح يدعي لا حقا وإنما في حمل الحركة على الإقلاع عن العناد وسياسة الهروب إلى الأمام وقناعته بأن خلاص الحركة وإنقاذ البلاد في الالتحاق بالحوار الوطني وتبني النموذج التونسي، الشيخ راشد الغنوشي أقرّ ضمنيا بهذه الحقيقة لا يهم أنّه ناقص نفسه لاحقا وخاصّة أثناء «تخميرة» الحملة الانتخابية، فازدواجيّة الخطاب لا تزال إحدى عاهات الحركة.

مقومات النموذج التونسي

ما نخلص إليه هو أن النموذج التونسي هو في أخر تحليل نتاج مقاربات الحركة الإصلاحية التونسية والمكاسب الحداثية لدولة الاستقلال. تكفي إطلالة سريعة على مسار الحركة الوطنية ومنجزات دولة الاستقلال لنكتشف جذور العقلانية والواقعية والبرغماتية والانفتاح إلى وسمت هذا النموذج وكانت خلف نجاحه ولنقف على مقوّماته وأسرار تفرّده في الفضاء العربي والإسلامي والتي يمكن أن نوجز أهمّها في النقاط التالية.

يقوم النموذج التونسي أولا، وكما تجلّى في مسار الحركة الوطنية على قناعة الجيل الثاني من قادة الحركة الوطنية بأن النهوض بالأمّة التونسية ووضعها على سكّة الحداثة والتقدّم لن يتأتّى بسياسة الاندماج والذوبان والسيادة المزدوجة التي ينتهجها الاستعمار وإنما يحكم التونسيين في مصائرهم وتمثل أسباب المدنيّة المعاصرة والأخذ بوسائل التمدّن الأوروبي من منطق وطني، في ضوء هذه المقاربة حدّدت هذه النخبة علاقتها بالآخر فعقيدة الدستور الجديد تدافع عن الأنا بوصفه هويّة ثقافية ونظام سياسي واجتماعي ونمط حضاري يرشح نفسه بديلا للحضارة الغربية والثقافة الحديثة كما تذهب لذلك الحركات الإسلامية، وإنما بوصفها هويّة وطنية مهدّدة بالتلاشي والانحلال ينبغي الحفاظ عليها وإعادة بنائها وفق مواصفات العصر.

يقوم النموذج التونسي ثانيا على بلورة مفهوم الأمّة التونسية، والقوميّة التونسية، أو بالأحرى الهويّة الوطنية التونسية، فالمشروع الوطني كان يشتغل للتحرّر من الاستعمال وفي نفس الوقت، لإحياء الذاتية التونسية والدفاع عن مقوماتها الدينية والثقافية، عبر استدعاء الماضي وتوظيف المقدّس والالتجاء إلى الرموز، كان الهدف إثبات أن هذه الأمّة لا تزال حيّة، أمّا التصحيح والتعديل وتحديث البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية فمشروع مؤجّل لما بعد تحقيق الحريّة، فغاية الاستقلال لهذه النخبة هو باختصار خلق مجتمع عصري مماثل للمجتمعات الأوروبية مع الحفاظ من الماضي بما لا يحول دون التقدّم.

يقوم النموذج التونسي ثالثا، ومنذ وقت مبكّر، على هاجس المزاوجة بين فكرتي الحريّة والعدالة الاجتماعية تجلّى ذلك بوضوح في عراقة وتجدر الحركة الاجتماعية في مسيرة التحرّر الوطني، فقد حرص الروّاد الأوائل بزعامة محمد على الحامي على بناء حركة نقابية وطنية، أجهض المشروع لكن الفكرة لم تمت، فقد جسّدها، في نهاية المطاف، فرحات حشاد بعون الدستور الجديد، تشكلت، ومنذ ذلك التاريخ، أرضية «الكتلة التاريخية» التي حققت الاستقلال وبنت الدولة التونسية الحديثة.

يقوم النموذج التونسي، رابعا، على وعي قادة الدستور الجديد بأنّ تونس لم تتحوّل بعد إلى أمّة بالمفهوم الحديث وإنما هي مشروع أمّة، ولن يتأتى انجاز هذا المشروع أو بالأحرى تحقيق الأمّة/الدولة إل ببناء الوحدة الوطنية والانتقال من مجتمع تحكمه التضامينات التقليدية إلى مفهوم العصري للدولة.

يقوم النموذج التونسي، أخيرا على النضال المدني السلمي فالحركة الوطنية اعتمدت أساسا على الكفاح السياسي ولم تلتجئ إلى الدفاع المسلّح إلا اضطرار وبهدف الضغط، فبورقيبة كان واعيا تمام الوعي أن تطوّر الكفاح المسلّح سيؤدّي، في نهاية المطاف ، إلى تغيّر موازين القوى لصالح العسكريين وإزاحة القيادة المدنية السياسية عن الحكم، كما كان واعيا وبنفس القدر أنّ ذلك سيشكل تهديدا جديّا لعقيدة الحركة ومباراتها السياسية وتحالفتها الدولية.

هذه، بإيجاز العوامل التي جعلت الحركة الوطنية التونسية تختلف، من حيث أطروحاتها ونهجها السياسي وأساليبها في الكفاح الوطني، عن جلّ حركات التحرّر الوطني الأخرى. وهي ذات العوامل التي جعلت تجربة تونس في بناء الدولة الوطنية الحديثة تختلف عن التجارب الأخرى، فبفضلها تمكّن التيار الحداثي الذي تمثله النخبة القياديّة في الدستور الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل من قيادة الحركة الوطنية واستلام مقاليد السلطة بعد الاستقلال، وأخيرا هي ذات العوامل التي ساهمت في إضفاء طابع خصوصي على الثورة التونسية وصنعت ما بات يوصف بالنموذج التونسي في عملية الانتقال الديمقراطي.

الحصاد

لا يمكن تفسير أصالة التجربة الحداثية في تونس وفهم الأسباب العميقة لهزيمة الإسلام السياسي في الانتخابات، دون الوقوف عند هذه المعطيات التاريخية، التي توضح خيارات حركة التحرّر الوطني وخصوصياتها، فهي التي أسّست، في آخر تحليل، أنموذج الحداثة التونسية وزودّت التيار العصري بمقومات الصمود وعوامل البقاء. إنّ نجاحات هذا التيار، بمختلف أطيافه وألوانه، لا يتمثل في تراجع الإسلام السياسي بقدر ما يتمثّل في حمل هذا التيار على الانخراط في مسار التونسة.

لقد جنّبت تلك الخيارات البلاد حكما عسكريا، وكان ذلك أمرا واردا لو تواصلت الحركة المسلّحة ونجحت في انتزاع قيادة الحركة الوطنية من النخبة المدنية مثلما حصل في الجزائر. تونس يا سادتي هي البلد الوحيد في الفضاء العربي الذي حكمته نخبة مدنيّة، مثقفة وعصريّة، وهذه نعمة لا نقدّرها حق قدرها بينما هي لا تقدّر بثمن. إنّ رسوخ الطابع المدني للحكم هو الذي أسّس يا سادتي لعقيدة الأمن الجمهوري وهو الذي منع الجيش من استلام السلطة عندما كانت على قارعة الطريق، كان واعيا أنّ مهمته الدفاع عن الوطن، واحترام الدستور وتأمين عملية الانتقال الديمقراطي. لقد اهدى لشعبه بذلك أثمن هديّة وكشف للعالم أحد عناوين تفرّد الثورة التونسية .

الحكم المدني هو من غرس، أيضا، روح الأمن الجمهوري في المؤسسة الأمنية، لم تمت هذه الروح، رغم توظيف المؤسسة وتحويلها إلى أداة لخدمة نظام بن علي. استماتة النقابات الأمنية في النضال من أجل أمن جمهوري وتصدّيها، قدر المستطاع لسياسة أخونة المؤسسة التي باشرها علي العريض بحزم واقتدار! !

ألا يخجل، كل هذا من رفع شعار «الجيش غير مضمون، والأمن غير مضمون»؟ أليس من واجبه أن يعتذر لهاتين المؤسستين، بدل إغداق المديح عليهما، بعد أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ ألا يتذكّر المثل «من مدح وذمّ فقد كذب مرتين»؟ ثم ألا ترعي هذه الجماعة التي كانت تسبّح بالديمقراطية والحريّة نهارا وتدبّر أمرا بالليل، كان قادة الجماعة يندّدون بتعسّف النظام البورقيبي واعتدائه على حقوق الإنسان، وبصفة موازية، كان الجهاز الخاص يخترق المؤسسة ويعدّ العدّة لقلب النظام.

لقد جنبت هذه الخيارات، من جهة أخرى، سقوط الحركة الوطنية تحت تأثيرات الإيديولوجيات الإسلامية ودعوات القوميّة العربية ، لقد دافع بورقيبة باستماتة عن الهويّة التونسية للحركة ورفع ودون تردّد شعار «نحن أمّة» كان واعيا تمام الوعي أن الحركة اليوسفية لا تستهدف فحسب زعامته وإنما تستهدف أيضا هويّة الحركة الوطنية ومشروعها السياسي والثقافي، إنّ الاستقلالية الإيديولوجية، النهج البرغماتي كانت من بين العوامل المحدّدة الذي ساعدته على تنفيذ مشروعه الإصلاحي.

جنبت هذه الخيارات، أخيرا، وقوع دولة الاستقلال تحت التأثير الإيديولوجي والسياسي للمعسكر الشيوعي، فالاشتراكية الدستورية تختلف عن الاشتراكية الناصريّة والجزائرية والسّورية على سبيل المثال، لقد كانت نموذجا تنمويا وطنيا وفي هذا سرّ براغماتيته ومرونته وقدرته على التأقلم مع متغيّرات الوضع الدولي، وذلك خلافا للبلدان التي استعارت، بهذا القدر أو ذاك، النموذج السوفياتي، في هذا الإطار نفهم أسباب سلاسته. الانتقال من سياسة التعاضد التي تزعمها أحمد بن صالح، إلى السياسة الليبرالية التي تزعمها الهادي نويرة.

ليس هذا فقط لقد ساعد انحياز الدستور الجديد للعالم الحرّ، سواء في مرحلة الكفاح الوطني أو بناء دولة الاستقلال، ووعيه العميق بأحكام التاريخ والجغرافيا على استمرارية نفوذ الثقافة الغربية في البيئة الثقافية والاجتماعية التونسية مما ساهم، وبشكل ملحوظ، في تحويل الحداثة إلى جزء من الواقع الاجتماعي وإلى عامل من عوامل تحديد توجهات المجتمع.

شكلت هذه الخيارات والنجاحات البيئة الملائمة لتنفيد مشروع الدولة الوطنية. لقد شرع بورقيبة، منذ استلام السلطة، في إنجاز مشروعه الإصلاحي «تعصير الإدارة، توحيد القضاء، توحيد التعليم، تحرير المرأة، حلّ الأوقاف، مقاومة البدع والفكر الخرافي، دعم الحريات الفرديّة» لكن الإصلاحية البورقيبية ولئن كانت تندرج في أفق حداقي يهدف إلى تحديث المجتمع التونسي وبناء دولة ذات توجهات علمانية، فإنه لا يمكن إدراجها في أفق الليبرالي، فقد أصرّ بورقيبة على أنّ الديمقراطية مشروع مؤجّل ومارس العملية الإصلاحية بمنطق وبوسائل «الاستبداد المستنير «la dictature éclairée» ورغم ذلك فقد كانت هذه الإصلاحات تهيئ الأرضية الملائمة لاستنبات مفاهيم الفكر الليبرالي في البيئة التونسية، العقلانية، العلمانية، الحقوق المدنية، الدستور، فكرة العقد الاجتماعي.

إنّ المعركة التي خاضها بورقيبة كانت معركة إيديولوجية وسياسية وثقافية واجتماعية كانت سريعة وحاسمة، إذ تمكن، في أقل من ثلاث سنوات من هدم أساسات النظام التقليدي وضرب القوى الاجتماعية والنخب التقليدية التي من شأنها إعادة إنتاج النظام الاجتماعي العتيق. لقد كان هدف هذه المعركة هو وضع أساسات الدولة العصرية والمجتمع التونسي الحديث وقد نجح بورقيبة في ذلك، وإلى حدّ كبير، على الرغم من أنّ مسار تحوّل الدولة التونسية من دولة تقليدية متخلّفة إلى دولة عصرية والمجتمع التونسي من مجتمع عتيق إلى مجتمع في طريق الحداثة، تمّ في غمرة النزاع الأهلي وفي إطار العنف والقمع والإقصاء. لكن الشيء الأكيد هو أن هذه الإصلاحات رغم كل النواقص والأزمات هي التي أثمرت خصوصيات الثورة التونسية وأسّست لانتصار النموذج التونسي، وتراجع الإسلام السياسي.

مهمّة ثقيلة

لن يهدأ الجدل حول تفسير ما حدث، سيتواصل الحديث عن الصراع بين قوى الثورة، وقوى الثورة المضادة، بين أنصار المنظومة القديمة «وحماة الثورة»، بين المدافعين عن حقوق الإنسان والساعين لإحياء الدولة البوليسية إلخ… لكن هذا الجدل لن يجدي نفعا، لأنّ العبرة في السياسة بالنتائج.

المهمّ الآن هو تشخيص الواقع الذي أدّى إلى انتصار التيار العصري وتراجع الإسلام السياسي وانهيار الأحزاب التي توصف بالوسطية، لكن الأهم هو تحليل المشهد السياسي في البرلمان الجديد والنظر في السيناريوهات المطروحة لتشكيل الائتلاف الذي سيحكم البلاد في المرحلة القادمة، وعلاقة كل هذا بالانتخابات الرئاسية.

سنحاول طرح هذه المسألة، في مقال قادم، نلاحظ فقط، أنّ المهمّة المطروحة على النداء، في هذه الظرفية الدقيقة مهمّة ثقيلة لأن هامش الخيارات المتوفرة لديه جدّ محدودة، فنتائج الانتخابات التشريعية لا تتيح له تشكيل أغلبية مريحة لحكم البلاد دون إشراك النهضة في الحكم، وإشراكها في الحكم سيثير الكثير من اللغط والخلافات سواء داخل الحزب أو في دوائر الأغلبية التي انتخبته، الوضعية مفتوحة، فعلا، على كل الاحتمالات، مفتوحة على خيار التوافق بقدر ما هي مفتوحة على أزمات لم يعد بوسع البلاد تحمّلها.

عن جريدة المغرب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق