حنا بطاطو والعراق، قصة حب أكاديمية؟

قليلة، وربما معدومة، هي الكتب الأكاديمية التي تناولت تاريخ العراق في القرن العشرين وبلغت أهمية ما قام به الأكاديمي الفلسطيني الراحل حنا بطاطو في كتابه الضخم “العراق. الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني وحتى قيام الجمهورية” والذي صدرت ترجمته العربية في ثلاثة كتب ضمّت أكثر من ألف وثلاثمائة صفحة. تناول بطاطو نشوء تلك الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق منذ القرن التاسع عشر وحتى نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي. وتتضح أهمية الكتاب من كونه أصبح مرجعا أكاديميا لا يمكن الاستغناء عنه في أي دراسة جادة عن العراق في القرن العشرين وأن الكتب الأكاديمية التي تم تأليفها لاحقا ما كانت لتتم لولا كتاب بطاطو، حتى أن مستشرقا ألمانيا أسماه “إنجيل العراق”. ويبدو أن بطاطو كان يدرك أهمية سفره الضخم عن العراق بأن قضى أكثر من عشرين سنة في تأليفه، وقرأ كتب مصادر تراوحت بين كتب الرحالة في القرون الماضية ووثائق الخارجية البريطانية وملفات الشرطة العراقية وكتب سياسية وأدبية وحزبية من الصعب أن تحصى، هذا إضافة إلى إقامته فترات طويلة في العراق وإجرائه مقابلات ومراسلات مع أشخاص في مواقع المسؤولية الحكومية وكذلك مع أشخاص من الأحزاب والحركات العراقية على اختلاف اتجاهاتها. مقابلات حنا بطاطو مع أشخاص مثل أول ماركسي مثقف وناشط شيوعي عراقي حسين الرحّال أو مدير الأمن العامة في العهد الملكي بهجت عطية، الذي كان زميلا في المدرسة الابتدائية ليوسف سلمان يوسف أول سكرتير عام للحزب الشيوعي العراقي، أو السياسي الماركسي زكي خيري عندما كان في السجن، هي شهادات تكاد تكون الوحيدة التي أجراها أكاديمي معهم وهي بذلك شهادات تاريخية ما كان من الممكن أبدا أن تُعوّض لو لم يجرها بطاطو.

وكان المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد قد أشار في كتابه الاستشراق إلى الفرق الحاسم بين أن يمارس أبناء، أو بنات الوطن، نقد ووصف بلدانهم ومشاكلها بأنفسهم أو أن يتنازلوا عن المهمة للمستشرقين. فالمستشرقون غير قادرين على النفوذ إلى بنية الثقافة الداخلية للمجتمعات التي يدرسونها وفهم عناصرها وتأثيراتها وتفاعلاتها مهما حاولوا، كما أن تراثا متراكما من النزعات الاستشراقية في الغرب يجعل من الكتب الأكاديمية التي تتناول مواضيع الشرق متأثرة حتما بأحكام مسبقة غالبا ما تكون غير صحيحة أو مبتسرة، إن لم نقل متحيزة، لأن أدواتها المنهجية تكاد تكون ثقافية سكونية فقط. من هذا الباب يمكن النظر إلى كتاب حنا بطاطو عن العراق على أنه شغف كبير للمؤلف بالعراق كبلد وكثقافة متحركة متأثرة بما حولها ومؤثِرَة في واقعها. إلا أن مهمة بطاطو التي اختارها لم تكن تأليف ملحمة أدبية بالطبع كما أنها لم تكن كتابة حزبية شبيهة بأدبيات العرب في تمجيد حقبة عبد الناصر مثلا أو صدام حسين أو حتى في أوساط مريدي الحبيب بورقيبة، بل كان يسعى لتأليف كتاب أكاديمي يستوفي شروطه الأكاديمة بدقة الجامعات الأمريكية الصارمة التي انتظم للدراسة فيها رغم فقره المادي. ولقد كان العراق يستحق أن يكون ذلك الاختيار لما ظهر فيه من حركات سياسية واجتماعية وفكرية تعد من يتناوله بالدراسة الأكاديمية بحصاد علمي وفير. لقد أدرك بطاطو أنه أمام عمل جسيم يتضمّن أولا هدم ما هو شائع عن العراق في كتابات المستشرقين ثم طرح وجهة نظر نقدية تعتمد على مصادر معرفية جديدة لم يتناولها أحد فيما كُتب عن العراق من قبله. وكانت النتيجة هي كتاب أسّس لمرجعية جمعت بقوة بين البحث الأكاديمي وبين التعامل بجدية واحترام، يفتقر إليهما المستشرقون في العادة، مع ظهور الحركات الفكرية أو تشكيل الأحزاب السياسية أو مقاومة الاستعمار البريطاني أو النضال ضد فساد الملكية، بعد موت الملك فيصل الأول الذي كان يعتبره رجل دولة حقيقي وأذكى الهاشميين.

وليس من المبالغة في شيء القول إن رسم الملامح والوصف الدقيق والتحليل للثنائية التي وسمت الهوية العراقية في القرن العشرين والتي كانت من طبيعة إقصائية لا ترحم، أي الانقسام بين هوية عراقوية أو هوية عروبية، هي أحد إنجازات حنا بطاطو. وقد تبدو مساهمة بطاطو في تبيان هذا الانقسام الفكري ملاحظة سهلة للوهلة الأولى، ولكن أهميتها تتضح عند قراءة كتب أكاديمية ألّفها أكاديميون غربيون مثل كتاب تشارلز تريب من جامعة كامبيردج عن العراق والذي لم يرَ شيئا في كتابه عن تاريخ العراق السياسي في القرن العشرين سوى صراع مصالح في أوساط الضباط أو السياسيين في ظل غياب تام لأي أيديلوجية أو فكرة أو حتى رغبة ما في التغيير الاجتماعي حكمت ذلك الصراع أو تحكمّت به وإن جزئيا. وكذلك في كتاب إسحق نقاش عن شيعة العراق والذي بالغ في استخدام استخدام المنهج الاقتصادي والمصلحي في تفسير الأحداث السياسية والتقلبات التي شهدها العراق. هنا يتضح الفرق بين الكتابة عن الشرق بطريقة استشراقية وبين كتابة أكاديمية لمؤلف ما يحترم عمله ومنهجه ولكنه ينتمي لهذا الشرق. 

إن إهداء بطاطو الذي كتبه في مقدمة كتابه لـ شعب العراق وتصريحه في ثنايا كتابه عن أنه يجد نفسه، رغم أكاديميته، متعاطفا مع مطالب الفقراء وتصريحه بأن نيته الأساسية إنما كانت في تخصيص الجزء الأكبر من كتابه للحزب الشيوعي العراقي قبل أن يكتشف تشعّب موضوع الدراسة، كلها أمور دفعت بطاطو للتعمق في كل العوامل الداخلية التي دفعت بالحزب الشيوعي العراقي للظهور بتلك القوة واكتساب تلك الشعبية كتعبير عن مصالح الشعب العراقي بعيدا عن الانقسامات التقليدية بين عرب وأكراد أو شيعة وسنة. ورغم ذلك فإن خياره ذلك لم يكن مزاجيا ولا عقائديا، بل جاء للأهمية التي كانت للحزب في تلك المرحلة. فتأثير الشيوعيين في ذلك الوقت تجاوز بكثير أوساط أعضاء الحزب أو مريديه، إذ أن شعارات الحزب آنذاك فرضت نفسها على لغة أغلب سياسيي تلك المرحلة، حتى في أوساط المحافظين المتشددين منهم، كما أنها الشعارات التي سيتبناها خصومهم البعثيين بعد قيامهم بانقلابهم الثاني عام 1968. ولكن لم يفت بطاطو الملاحظة من أن مطالب وشعارات الحزب الشيوعي آنذاك كانت شبيهة إلى حد كبير بالمطالب الاجتماعية للأحزاب اليسارية في بلدان أوروبا الغربية مثل بريطانيا أو فرنسا.

لقد خصص بطاطو جزءا كبيرا من كتابه الثالث عن حزب البعث وتجربته في العراق وقبلها في سوريا التي وفد منها إلى العراق في بداية الخمسينات من القرن الماضي. ومن المثير للدهشة أن يقرأ المرء كلام بطاطو عن كتابات عفلق ليفاجأ بعد أسطر قليلة باقتباسات من عفلق وردت في مقابلات أجراها بطاطو شخصيا معه أو مع زميله المؤسس الآخر للحزب صلاح البيطار، وكذلك عند اقتباسه مما ورد في كتابات عفلق التي يذكر فيها ضرورة تصفية الأشخاص الذين يقفون في وجه إرادة الحزب ليستدرك مباشرة، بثقة الأكاديمي المحترف الذي بذل جهدا في التقصي، بأن تلك الجملة هي الوحيدة في كل كتابات عفلق التي تدعو لتصفية الخصوم. ولو أن المثقفين البعثيين العراقيين والعرب قرأوا ما كتبه بطاطو عن أيديلوجية البعث لما استمروا بإيمانهم به، وذلك بسبب التناقضات والبنية المهلهلة للعقيدة البعثية وعموميتها والتي يقوم بطاطو برسم ملامحها ونقد عاطفيتها وبناءها النظري غير المتماسك بكل دقة.

لسوء الحظ أن تغطية كتاب بطاطو للعراق تنتهي في عام 1978، أي قبل سنة من تولي صدام حسين للحكم في العراق وقبل سنتين من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. كما أن من الغريب ملاحظة تضاؤل اهتمام بطاطو بالعراق بعد إنجازه لكتابه. فرغم نشره لبعض المقالات عن العراق أو تعليقه على البحوث الأكاديمية التي تناولت كتابه، إلا أن الوهج الذي يشعر به المرء أثناء قراءة كتابه عن العراق يبدو غير محسوس في مقالاته اللاحقة التي تناول فيها العراق اعتبارا من الثمانينات وحتى وفاة بطاطو عام 2000. ولكن لبطاطو الفضل في التطرّق لأشياء كثيرة لم يتم الحديث عنها بصوت عال إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق، فقد سبق بطاطو الكثيرين بطرح السؤال المؤلم والحقيقي في إمكانية بقاء العراق كبلد موحد وذلك بالتطرق للانقسام العربي الكردي من جهة والشيعي السني من جهة أخرى ومنبها من أخطار ما أسماه انقساما شيعيا سنيا يتطابق مع الخلافات الإقليمية ويتقوى بالعشائرية المحلية. وهذا ما دعاه في الصفحات الأخيرة من كتابه للتنبيه إلى أهمية تحقيق دمج أكبر بين مكونات الشعب العراقي وإلى الإلتفات للاقتصاد وإيجاد حلول تنموية أفضل، بدلا عن اقتصاد مراكمة المال الناجم عن عائدات النفط الذي يُستخدَم إما في شراء الولاء، عن طريق الحصول على الوظائف العامة، أو يساهم في تقوية النزعات الدكتاتورية للحاكمين، أو استيراد البضائع الاستهلاكية التي تدمر الاقتصاد المحلي وتشيع ثقافة الكسل بالاعتماد على الوظائف الحكومية والإستيراد. عبارات تبدو وكأن مَن يقولها يتحدث عن بعض مشاكل العراق اليوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق