مصر في زمن الرواية تكتب أرواحها الحائرة / من حمدي رزق ق

بل نحو خمس عشرة سنة طرح جابر عصفور وزير الثقافة المصري، تبشيراً جديداً في النقد الأدبي، حين قال ان الزمن زمن الرواية.. وإن الشعر والقصة القصيرة ولى زمنهما. أصبحت الرواية «ديوان العرب» إذن، بعد أن احتل الشعر هذه المكانة قروناً طوالاً، نحو ألف وخمسمئة سنة من سيادة الشعر انقضت بمقولة انتصار الرواية.

حينها اختلف مع عصفور بعض النقاد واتفق معه آخرون ووقف فريق ثالث على الحياد بين الفريقين.. كان غريباً وقتها أن يوافق شاعر كبير كفاروق شوشة على أطروحة عصفور ويقول نصاً: «ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير.. أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتماً إلى فن جديد يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنينه القديم إلى الخيال..«.

اليوم – بعد خمس عشرة سنة من هذه المعركة الأدبية بين الشعراء والروائيين – انتصرت نظرية عصفور، إلى حدّ أنه اشتكى لمن حوله أخيراً من أن الرواية أمعنت في انتصارها، إلى الدرجة التي بات معها أنصاف الموهوبين وأرباع العارفين باللغة العربية الفصحى يكتبون الرواية، وأبدى عصفور امتعاضه من أن كل من هب ودب بات ينشر الرواية ويدعي لذاته لقب الروائي.. الغريب أن وزارة الثقافة المصرية ذاتها تفوز بنصيب الأسد في سوق نشر الرواية، الوزارة تطبع سنويا وفق عصفور نفسه في حدود 2500 عنوان سنوياً من بينها نحو 600 عنوان روائي (أكثر من 20 بالمئة من العناوين) إلى جانب دواوين شعر العامية وكتب القصة القصيرة والمسرحيات والسيناريوهات السينمائية وكتب النقد والتاريخ والفلسفة والفكر والفن التشكيلي، وهذه العناوين الستمئة ليست جميعاً تحت عنوان النشر الأول أو الجديد، بل إن نحو 40 بالمئة منها إعادة نشر لأعمال كبار الروائيين سواء تحت عنوان «مكتبة الأسرة»، المشروع الأكبر للنشر في مصر حتى الآن، أو غيره من السلاسل الأدبية المتخصصة التي تتناوب على طباعتها بالأساس هيئتان من ضمن 16 هيئة بوزارة الثقافة المصرية، هما «الهيئة العامة المصرية للكتاب» و»هيئة قصور الثقافة».

أما دور النشر الخاصة فهي مجتمعة تدور في حدود 300 عنوان سنويا للرواية، أهمها يصدر عن «دار الشروق» و»المصرية اللبنانية للنشر» و»ميريت للنشر» وجميعها دور نشر خاصة معروفة.. فضلاً عن عشرات من دور النشر التي تصدر كل واحدة منها عنواناً أو اثنين سنوياً، إلى جانب محاولات النشر الخاصة على نفقة بعض الكتاب الشبان.

الغريب أن كل هذه الدور المختصة بنشر الرواية في مصر لا تتسع للروائيين المصريين جميعاً، الدليل على هذا هو استمرار الشكوى من تراكم بعض الأعمال الروائية من دون نشر، ويصرخ أدباء شبان كثر من هذه الحال. يمكن أن نقول بارتياح أن في مصر الآن على الأقل ستمئة روائي وروائية (إن أطلقنا اللقب هكذا من عقاله ومن دون تحفظات..)، لأن مئة صوت روائي على الأقل ينتظرون النشر من دون جدوى ويتم النشر لنحو خمسمئة، ليسوا جميعاً من المصريين فمنهم لبنانيون وسوريون وتونسيون ومغربيون وعراقيون ويمنيون وخليجيون وسودانيون وليبيون، كل الجنسيات العربية تنشر في القاهرة أعمالاً روائية، صحيح أن هذه الأصوات العربية لا تزال تشكل نسبة محدودة في مجمل الرقم الذي ينشر روايات في مصر، لكنها حقيقة تضاف إلى فسيفساء الرواية المصرية الآن، تلك التي تتسع يوميا تقريبا، لاسيما مع تحول قاصين وشعراء – في بعض الأحوال – إلى روائيين.

الأكثر مبيعاً

آخر الأخبار في «سوق الرواية» المصرية الآن هي أن رواية «هيبتا« للكاتب محمد صادق. احتلت المركز الأول في قائمة الكتب العربية الأكثر مبيعاً في الأسواق، وجاءت في المركز الثاني رواية «الفيل الأزرق« للكاتب أحمد مراد، عن دار الشروق للنشر والتوزيع. الرواية التي تم تحويلها لشريط سينمائي من بطولة كريم عبد العزيز يعرض الآن في دور السينما، وفي المركز الثالث رواية «1919» لأحمد مراد أيضاً.

أما المركز الرابع فكان من نصيب رواية «الهول« لأحمد خالد توفيق، وفي المركز الخامس جاءت رواية «عزازيل« ليوسف زيدان، في طبعة جديدة شكلاً فقط، وحل أحمد مراد مرة أخرى في المركز السادس برواية «فيرتيجو«، وفي المركز السابع جاء الكتاب الساخر «الرجال من بولاق.. والنساء من أول فيصل« للكاتب إيهاب معوض، وفي المركز الثامن جاءت رواية «المرحوم« للروائي الطبيب حسن كمال، وبعدها في المركز التاسع رواية «غوانتنامو« ليوسف زيدان أيضاً، ومن كتب السيرة جاء كتاب «كل رجال الباشا« للكاتب خالد فهمي في المرتبة العاشرة.

في كل شهر يصدر مثل هذا الترتيب للروايات، وتمتلئ به مواقع الإنترنت.. الروايات في سباق حقيقي، ولقب «الأكثر مبيعاً« بات يتصدر مخيلات الكتاب بدلاً من أن تتصدرها أفكار روائية! فأسماء كبار كتاب الرواية لم تعد – بالضرورة – الأعلى توزيعاً، ثمة أسماء جديدة كأحمد مراد (36 عاما). كاتب ومصور ومصمم غرافيك مصري، وكان من أحد المصورين الشخصيين للرئيس الأسبق حسني مبارك.

مراد صار صرعة روائية حقيقية، إذا سألت عنه روائيين كباراً قالوا لك: «أيام ستمر ويصبح في زوايا النسيان..«، الكبار يراهنون على أن «الأكثر مبيعاً» هي صرعة وستنقضي، وأن فن الرواية بالتحديد لا يتم تقييمه هكذا، وإلا لصار شيخ الرواية العربية صاحب نوبل نجيب محفوظ في الترتيب رقم 20 أو 30. والرواية بالذات هي فن يصارع فكرة الزمن، ينتصر عليها في بعض الأحيان.. فلو قامت دار نشر بطباعة ثلاثية نجيب محفوظ التي مر عليها أكثر من 60 عاما الآن لنفدت من الأسواق، تماماً مثلما تنفد منها روايات أحمد مراد!

لا معيار إذن لسوق الرواية. هي سوق عشوائية الذوق، كعشوائيات مصر المنتشرة هنا وهناك، يعكف علماء الاجتماع على دراستها سنوات ثم يخرجون بـ«لا شيء» على الإطلاق!

أحياناً تتأكد عشوائية هذه السوق الروائية بأدلة يقينية. كيف يمكن مثلاً تفسير نجاح رواية «مكتب تحقيقات الظواهر الخارقة«؟ هو عنوان لرواية صدرت مؤخراً عن دار «كيان» للنشر، والتي تعتبر التجربة الأولى للكاتب إسلام مجدي، الذي ابتعد عن الواقع، متجهاً للفانتازيا للهروب من الواقع ووضع قواعد جديدة لا تمت سوى لعالم الخيال! كتب مجدي هذا العمل الأول له – عمره اليوم 28 سنة – فإذا به لا ينجح فقط في نشرها – والنشر كان ولايزال حلماً للبعض!- لكنها تتخذ مكانها في الأسواق الآن، ولاسيما بين قراء الطبقة العليا من المجتمع، هؤلاء الذين لايقرأون أدباً عربياً بصورة كافية، يستهويهم فقط مثل هذه الأعمال التي تذهب بهم إلى دنيا غير الدنيا، لا يشاركهم فيها الآخرون!

بالطبع نحن هنا لا نحكم على مستوى هذه الرواية بأنه متواضع ولا بأنه ممتاز ولا متوسط، فنحن لسنا من نقاد الأدب، لكننا من قرائه القدامى، هؤلاء الذين باتوا يشعرون باغتراب، مع أن العصر هو عصر الرواية، كما قال عصفور قبل عقد ونصف، ووسط هذا الكم الهائل من الروايات المنشورة، والتي تتنوع بحدة في أنماطها الأدبية، يجد القارئ التقليدي للرواية ذاته – بل القارئ غير التقليدي أحياناً – في طوفان من الحيرة بين هذه الأنماط التي تظهر الرواية وكأنها سحر انطلق من عقاله ولا يبدو أنه يلوي على الرجوع إلى هذا العقال!

الانفتاح الروائي

لا يمكن لصرعة الرواية هذه أن تنتشر على النحو الذي انتشرت به لولا أن ثمة قراء («مستهلكين« بلغة السوق الاقتصادية) يقبلون على الرواية (السلعة)، على تنوع المطروح منها في السوق. هكذا صارت لغة السوق وعصر المال هي اللغة الملائمة للحديث عن «زمن الرواية»، ربما في هذا السياق يمكن فهم تخوف عصفور من كثرة الروائيين وهذا «الانفتاح الروائي»، الذي بات يسمح لكل من هب ودب بالكتابة والنشر وحيازة لقب «الروائي».

هؤلاء القراء، في سوق الرواية، يجدون مأربهم الذي يتنوع بشدة بين قارئ وآخر في مصر اليوم.. يتنوع في الطبقة وفي السن وفي التوجه الفكري. ففي التنوع الطبقي لم تعد الثقافة حكراً على أبناء الطبقة المتوسطة وحدها، نقصد هنا بالثقافة «المنتج الثقافي»، تحديدا الرواية.. فمع انتشار أجهزة الكمبيوتر في معظم البيوت المصرية، انتشر استخدام شبكة الإنترنت، تلك التي باتت تنشر الروايات يوم صدورها، وتحرق على الناشر الأرض التي كان يريد جني محصولها، ويمكن من دون أموال تدفع ثمناً للعمل الروائي أن يقرأ ابن منطقة عشوائية رواية صدرت بالأمس فقط، مثلما يقرأوها ابن الطبقة المتوسطة، لكن هذا الأخير لا يزال يقتنيها من المكتبات، أي يسلك المسلك القانوني للقراءة. يشتري الصحيفة من بائع الصحف ويشتري الرواية من المكتبة التي توزعها أو من بائع الصحف أيضاً. هكذا يتحصل الفقير على السلعة التي يتحصل عليها ابن الطبقة المتوسطة ولكن بالطريقة التي تناسبه، وفي النهاية كلاهما يقتني الرواية ويقرأوها بالكامل. أما القارئ ابن الطبقة الغنية، فهو يقتني الرواية شراء لها من المكتبات، لكنه لا يقتني أية رواية. هو يقتني فقط ما يهمه، ما يمس حياته التي تختلف اختلافاً شاسعاً عن حياة كل من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة على السواء. يشتري روايات أحمد مراد مثلاً، لأنه سمع عن أنها الأكثر مبيعاً أو أن فيها نزعة غرائبية، وربما يولع برواية إسلام مجدي التي نوهنا عنها، لأنها تلبي لديه الشبق نحو الجديد. هذا القارئ تحديداً – ونحن لا نسفه منه – إشكاليته الرئيسية هي الملل.

أما السن فهي تتراوح بين السادسة عشرة والسابعة عشرة وبين الثلاثين، هذه الشريحة العمرية هي بالتقريب الشريحة الغالبة على سوق قراءة الرواية في مصر اليوم، القراءة التي تغير مقاييس السوق الروائية، أما القراءة التي لا تغير كثيراً – وهي قراءة أمثالنا ممن يدورون حول الخمسين – فهي قراءة نمطية بالنسبة لهؤلاء الشبان الذين يصيبهم الملل سريعاً.

وأما التوجه الفكري فهو غالباً – توجهات وليس توجهاً واحداً. في الطبقة الوسطى تحديدا ستجد القارئ يساريا أو ليبراليا، هذان الاتجاهان لا يزالان غالبين على التوجه الإسلامي السياسي في هذه الطبقة فضلاً عن مجموعات محدودة لا تنتمي سياسياً، لكن القارئ في الطبقات الفقيرة هو مخير بين الإسلام السياسي وبين اللاانتماء من الأساس، ربما يكون هذا معاكساً لأية توقعات منهجية معتادة عن البروليتاريا والفئات الرثة التي تكلم عنها ماركس قبل أكثر من قرن ونصف القرن، البروليتاريا المصرية اليوم بين دينية متطرفة وبين لا منتمية سياسياً من الأصل. ربما تختلف الأمور عند قارئ الرواية في الطبقة العليا من المجتمع، الذي يبدو غير منتم سياسياً، نقصد هنا الانتماء السياسي المنظم لفكرة أو تيار أو حزب.

كيف يكتب الروائي المصري لهذه الشرائح من الناس؟ هذا السؤال جوابه المباشر أن الروائي اليوم مضطر إلى تجاوز كل هذه التباينات في الطبقة والأفكار والانتماء السياسي والأعمار. يقفز فوقها مثلما يقفز فوق الفوارق بين الأجناس الأدبية وبين المدارس الفنية في الكتابة.

رواية الذات

لعل هذا العنوان وحده هو ما يربط كل الظواهر التي أوردناها سالفا. الفقير والمتوسط الحال والغني جميعهم يقرأون الرواية، فما الذي يربط بينهم؟ لماذا لم يعد الشعر في الصدارة وباتت الرواية متصدرة؟

إنها الحاجة إلى الحكي المباشر، تلك التي تدفع الجميع إلى القراءة على هذا النحو الكبير. قبل سنوات، كانت أرقام إصدار الروايات التي ذكرناها في أول هذا المقال من ضروب الخيال، وكان عشرون اسماً على الأكثر هم من يمتلكون ناصية الكتابة الروائية في مصر. تغيرت الحال كثيراً. المصريون، على ما يبدو، باتوا في حاجة إلى الحكي، ليست مصادفة على الإطلاق أن تتسع هذه الظاهرة في السنوات الثلاث التي توشك أن تصبح أربعاً التي تلت ثورة الشعب في كانون الثاني – يناير 2011، التي رسخت قيمة الحرية أولاً وأخيراً.

والرواية التي يقبلون عليها هي ما يمكن أن نسميه بـ«رواية الذات»، ربما لا تجد هذا الاصطلاح في كتب النقد، هو اصطلاح مصري خاص. وربما تجده أيضاً، نقصد به هذا النوع الروائي الذي يحكي ما بالداخل الانساني لا ما بين الإنسان والناس، هذا الشعور بالانكفاء على الذات هو ما يدفع الناس للقراءة الروائية على هذا النحو.. الذات بمعناها الواسع، هم يفتشون عن ذواتهم المرتعدة الخائفة في روايات الرعب التي تملأ الأرصفة عند باعة الصحف، ويفتشون عن ذواتهم التي لا يفهمونها بالأساس في روايات أحمد مراد تلك التي تخلط الخاص بالعام والسحري بالواقعي والباطني بالظاهري، يفتشون عن الفانتازيا – الروح الحائرة بالأساس – في رواية كتلك التي عن مكتب تحقيقات الظواهر الخارقة.. حيث قراءة الماضي، ووجود الكائنات الغريبة، والظواهر الخارقة للطبيعة بيننا.. إذن هي قراءة للواقع بعين ما وراء الواقع، أو قراءة للحقيقة بعين الخيال.

لم يعد ممكناً فيما يبدو أن يحكي الروائي على طريقة نجيب محفوظ مأساة أحمد أفندي عاكف في «خان الخليلي« متعدد المواهب الذي قضى عمره من دون أن يستظهر موهبة واحدة من مواهبه.. حتى الحب سقط في امتحانه، ولا صار ممكناً أن يستوعبوا كثيراً سيرة كمال أفندي عبد الجواد بطل الثلاثية المحفوظية وحبه الفاشل وحاله الوظيفية الصعبة وأحلامه المتهشمة، ولا بات مستساغاً كثيراً – لديهم أن يقرأوا عن «فاطمة ثعلبة» بطلة رواية «الوتد» لخيري شلبي.. الفلاحة المصرية التي تفوقت على الرجال قوة وشدة وذكاء وتحكماً في أبنائها الرجال، كل هذا يبدو في الخلفية فقط.. هذا «الغذاء الروائي» الطازج بات «تراثاً« في عيونهم، تلك التي تقرأ بانحياز طبيعي لواقعها المعاش.. رواية الرعب – حتى من الأشباح على طريقة الإنسان الأول – ورواية الفانتازيا التي تتمحور حول رؤية الإنسان للآخرين، ورواية الخوف المشوبة بالحركة والسياسة والذاتية أيضاً كأعمال أحمد مراد أو رواية «المرأة تلك التي انتعشت بقوة».. ومنها أخيراً رواية «غرافيت« لهشام الخشن، التي تتمحور حول امرأة قررت أن تتحرر.

هذه هي المعادلات الجديدة في دنيا الحكي الروائي، تلك المعادلات التي تتزاحم في عقول الأجيال التي باتت تقبل على شراء الرواية الآن في مصر.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق