“العدّاء” لناجي نعمان: العلاقة بين الشمال والجنوب.. أو من الصومال إلى أسوج / سلمان زين الدين

كثيرة هي الأفكار التي تزخر بها رواية «العدّاء» للكاتب اللبناني ناجي نعمان (مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجّان) ما يجعل منها رواية أفكار، بقدر ما هي رواية وقائع، وربما أكثر؛ فمن خلال حياة البطل وعلاقاته، نقع على آراء في: الصداقة، والحب، والخيانة، والتسامح، والعلاقة بين الشمال والجنوب، والعنصرية، والدين، والأنسنة، والجنس، والجسد، والروح، واللذة، والألم، والموت، والحياة… هي حصيلة ما توصّل إليه البطل في حياته، وخلاصة ما خاضه من تجارب. وكأن الوقائع الواردة في النص، المستعادة بتقنية التذكّر، لم تكتب إلا بهدف الوصول إلى الخلاصات والدروس والعبر المستخلصة منها.

يعهد الكاتب بالروي إلى راوٍ عليم، يمنحه اسم ملكر، ويكلّفه كتابة حياة البطل وأفكاره، فيجمع بين الروي والكتابة، ويتدخّل في عمله في الفصل الأخير، على الأقل، مفسّرًا بعض إجراءاته.

الراوي، الذي يروي عن البطل، يقوم بذلك خلال خمس وعشرين دقيقة فقط، يروي فيها محطّات من واحد وتسعين عامًا هي حياته، ويفعل ذلك من نقطة متقدّمة زمنيًّا في المستقبل، يقع فيها مساء الجمعة التاسع عشر من أيار 2045، ومن نقطة متقدّمة مكانيًّا تنتمي إلى العالم الأول هي مدينة كرلسكرونا الأسوجية الساحلية. على أن المحطات المروية تضرب في الزمان حتى العام 1954، عام ولادة البطل، وتمتد في المكان إلى مدينة كسمايو الصومالية في العالم الثالث، المدينة التي انطلق منها. فحياة «العدّاء» هي هذا العدو من العالم الثالث إلى العالم الأول مكانيًّا وحضاريًّا، ومن خمسينيات القرن العشرين إلى أربعينيات القرن الحادي والعشرين زمانيًّا. هذه المسافة الطويلة في الزمان والمكان تقطعها الرواية في خمس وعشرين دقيقة فقط. وإذا كان الانتقال من عالم إلى آخر أمرًا عاديًّا في الواقع والنص، فإن الانتقال إلى زمن المستقبل مسافة ثلاثة عقود لممارسة فعل الروي، يقتضي الإتيان بأفكار مستقبلية جديدة أو اجتراح وقائع مختلفة تبرّر هذا الانتقال، الأمر الذي لا يتوافر في النص، وبالتالي، يغدو الروي من المستقبل لزوم ما لا يلزم.

بين الساعة الثامنة عشرة والأربعين دقيقة والساعة التاسعة عشرة وخمس دقائق من مساء الجمعة الواقع فيه التاسع عشر من شهر أيار من العام 2045، ومن بيته في مدينة كرلسكرونا الأسوجية العريقة، يستعيد العدّاء الصومالي المتأوسج غدي، الذي أتمّ عامه الواحد والتسعين محطات متفرقة من حياته، وهو يفعل ذلك بحلم اليقظة ويقظة الحلم والتذكّر. مع العلم أن الحلم يتعلّق عادة بالمستقبل لا بالماضي!

على أي حال، عملية استعادة الماضي، بالتذكّر أو بغيره، تتمّ بمحرّك خارجي يثير تداعيات الداخل وذكرياته؛ فوقوع نظره على صورة والدته جميلة يستدعي الكلام عنها، وعدم وجود صورة لحبيبته أيانا لا يحول دون استحضارها، ومشاهدته برنامجًا تلفزيونيًّا عن الانتحار يدفعه إلى الكلام عن تلك الظاهرة، ومشاهدته تقريرًا حول العلاقة بين الشمال والجنوب تعيده إلى ربع قرن خلا، ووقوع نظره على هدية تمثّل العضو الذكري أهدته إياها إحدى معجباته يجعله يخوض في حديث عن الجنس والجسد ويستعيد فتوحاته الجنسية في العالم الأول، هو الآتي من عالم ثالث تتمّ فيه المجامعة بالخيال.

في المحطّات المستعادة من حياة العدّاء، يبدو مغامرًا يلبّي نداء البحر، فينقله من العالم الثالث حيث الفقر والبؤس والأحزان إلى العالم الأوّل حيث الفرص المتاحة لتحقيق الأحلام ومراكمة الإنجازات. وخلال هذه العملية، يكتشف هذا الآتي من الجنوب الشمال بإيجابياته وسلبياته، يُدهشه جمال روما، وتفتح له أسوج أبواب الشهرة حين يصبح عدّاءها الأول يراكم الكؤوس والميداليات، وتتيح له فرصة اختبار اللذة الجسدية في أقصى تجلّياتها. وفي المقابل، يعاني التمييز العنصري، ويتمّ تحطيم تمثاله النصفي من قبل بعض المتعصّبين. غير أنه في نهاية المطاف يتصالح فيه الجنوب والشمال، يصف كسمايو ويتغنى بها ويعلن حبها، ويصف كرلسكرونا ويتغنى بها ويعلن حبها، ويخلص بنتيجة العدو، بما هو سعي لتحقيق الذات يتخطّى الركض الجسدي، إلى أن البساطة أعظم فلسفة، يغفر للآخرين ويستغفرهم، ويوصي بثروته إلى الجمعيات والأفراد… ويدعو إلى الأنسنة ونبذ الصراعات على أنواعها.

إن تمحور الذكريات المستعادة من الشخصية الرئيسية حول الفضاء الصومالي، شخصياتٍ وعاداتٍ وتقاليدَ ومواقفَ إنّما يشير إلى أن الماضي كامنٌ فينا، ولا نستطيع التحرّر منه مهما أوغلنا باتجاه المستقبل. لذلك، في الدقائق الخمسة والعشرين الأخيرة من حياته يعدو البطل في الاتجاه المعاكس بواسطة الذاكرة والمخيّلة. يعيدنا إلى مجموعة من الشخصيات التي تعكس قيمًا معيّنة أو تضيء الخلفية الاجتماعية؛ وهي شخصيات تذهب إلى الأقصى في بعدها التمثيلي الرمزي.

-يمثّل طبان شخصية الصديق الخائن الذي يعاني من الذهان التأويلي وحب الظهور والنرجسية والأنانية والعدائية… فيقوم بتشويه صورة صديقه العدّاء في نظر حبيبته أيانا، ويخفي رسائله إليها، ويزوّجها رغمًا عنها لإذلالها، ويخون شقيقه الأصغر أرستو فيسطو على شعره وحبه، ويحاول قصّ جناحيه، وينتهي به المطاف منفصم الشخصية، ويموت وقد خان صديقه، وورث شقيقه، وأضاع زوجته، ولم يحقّق أحلامه في الشعر.

- على النقيض من هذه الشخصية، يمثّل أرستو شخصية مثالية، يسامح، يضحّي بحبه وشعره، يسكت عن حبه إكرامًا للصداقة مرّة، وإكرامًا للأخوّة مرّة أخرى، وينتحر احتجاجًا على استمرار الحرب في بلده.

هاتان الشخصيتان تحيلان على أسطورة هابيل وقابيل التي تجسّد الصراع الأزلي الأبدي بين الخير والشر، «فالصراع بين الأرستية والطبننة سيستمر طالما على الأرض بشر!» (ص40).

- أمّا أيانّا فتمثّل الحبيبة المغلوبة على أمرها في مجتمع ذكوري، فلا تستطيع الاتصال بحبيبها، ولا الاعتراض على تزويجها، ولا الفرار من ختانها، وتموت ضحية الجهل لأن زوجها الثاني أبى أن يكشف عليها طبيب ذكر. على أن هذه الذكورية لم تسلبها عزّة نفسها وإباءها، فحين تمرّ بحبّها الأول، العدّاء، في كرلسكرونا ثلاث مرّات ولا يعرفها، ترفض أي وساطة للاتصال به، وتعود إلى كسمايو لتواجه موتها.

في «العدّاء»، يرسم ناجي نعمان بورتريه باردًا للشخصية المحورية، تتوزّع ملامحه على الوحدات السردية المختلفة دون انتظام ومراعاة المراحل العمرية. وإذا كان يراعي التسلسل الزمني في التوقيت الذي يُعَنوِنُ به الوحدات الاثنتي عشرة، ويتحدّث عن الطفولة في الوحدة الأولى والموت في الوحدة الأخيرة، فإنه في ما عدا ذلك يطيح بخطّية زمن القص، ويستعيد محطّات متفرّقة من حياة الشخصية دون الأخذ بعين الاعتبار تسلسل حدوثها في عالم الواقع، فليس ثمّة توازٍ بين الواقع والرواية. ولا يمكن الكلام على نموٍّ للحوادث في النص أو صراعٍ بين المكوّنات ما ينسف الحبكة التقليدية التي عرفتها الرواية الكلاسيكية.

كسر خطّية الزمن الروائي يتزامن مع كسر نمطية السرد وتثقيله بالأفكار والآراء. في الشكل، يتّكئ الكاتب على تقنية الرسالة يكسر بها السرد النمطي. في المضمون، يثقله بالأفكار الكثيرة التي تضارع الوقائع حضورًا، وكأن الوقائع المتذكَّرة ما وُجِدَت إلا لقول هذه الأفكار، الأمر الذي ينتقص من روائية الرواية، ويحوّل الرواية إلى وسيلة للقول بدل أن تكون غاية بحدّ ذاتها، وفنًّا يُقصَد لذاته.

بلغة أدبية يصوغ ناجي نعمان نصّه، ويستخدم صِيَغًا بلاغية ندر استعمالها في الرواية الراهنة، وهو يرتقي باللغة الروائية لكن هذا الارتقاء قد يشكّل ثقلاً آخر يُضاف إلى ما ترزح تحته الرواية من أثقال.

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق