نقد النصّ الديني

يعد كتاب “التاو” واحداً من نصوص الحكمة الصينيّة، التي اعتمدت لدى الكثير من المدارس الفكرية والروحية في الصين وخارجها.
وهو نص يتشابه بشكل كبير مع نصوص الحكمة التي كتبت في منطقتنا، كمتن الحكم لابن عطاء الله السكندري. فالحكمة نصٌ ديني، عمليّ أكثر منه نظريّ، وباعتبار أنه نصّ ديني من حيث الطبيعة، فلغته فضفاضة للغاية، تحتاج إلى مفسرين أكثر من حاجة القراء لها، تبحث عمن يعطيها المعاني، أكثر مما تعطيه هي من المعاني، وهذه ملاحظة يمكن أن نقع عليها في النصوص الدينية بمجملها، فالنصّ بعد حاجته للمفسرين، يجد العشرات، كلّ منهم يبثه المعنى الذي يوافق منظومته الفلسفيّة، لنكون أمام تفسيرات متناقضة في بعض الأحيان، وهكذا فنحن لا نقرأ نصوصًا دينيةً في الحقيقة، بل نقرأ أفكارًا بشرية لا غير. فإذا كان الوضع هكذا، لم يعد لكون النص دينيا، ميزة عن سائر أصناف النصوص.

وللتدليل على هذه الفكرة، يمكن أن تختار أي نصٍ ديني، ثم اذهب به (دون أيٍ من شروحه) لبيئة مختلفة عن تلك التي نشأ بها، وأعطه لمن أردت، فهل سيكون صاحبنا أمام لغز محيرٍ طلسمي أم أمام مشكاة هادية نيرة؟
ملاحظتي الثانية للنصوص الدينية: قِدمها الشديد، وهذا يعني أن معظمها لم يعد صالحا لهذا الزمن الذي نحيا به، واستخدام التفاسير الحديثة للنصوص القديمة أشبه باستخدام المنعشات لإبقاء الميت حيا ولو بشكل سريري مؤقت، ولو نزعنا هذه المنعشات، للفظ الميت أنفاسه الأخيرة، وهكذا يصبح النص بحاجة قصوى للشارحين الجدد، وبدونهم يفقد الكثير من رونقه المعاصر.
قدم النصّ ليس عيبًا بحد ذاته، وإنما هو آتٍ باعتبار النصّ نتاجٌ بشريّ، وأن الفكر البشري في كل عصر محكوم بالأدوات الفكرية التي أنتج وفقها ومن خلالها، وبالسقف المعرفي المتاح في ذلك الوقت، كما أنه يعالج مشاكلًا كثيرٌ منها لم يعد له وجود، أو أن العقل البشري توصل لحلول أكثر فاعلية بخصوصها، كما أنه يغفل الحديث عن مشاكل هي عصب الحياة اليوم. بعبارة أخرى، قدم النص، يخرجه من روح العصر الذي نحن فيه.

الملاحظات السابقة ليست تحطيما للقيمة التي تكمن عليها النصوص الدينية -أيا كانت- لكنها محاولة بسيطة لإعطاء كل شيء حقه ومستحقه.
تعريف بفكر ’التاو :
يقوم التفكير الصيني على النظر إلى الوجود على أنه نتاج قوتين متعاونتين هما “اليانغ والين” وهذا مخالف للتفكير الذي ينظر إلى الوجود على أنه ساحة صراع بين قوتين متعارضتين، الخير والشر- الإله والشيطان- فالوجود في التفكير الصيني ليس ناتجا عن ألوهية مفارقة “الملك المتربع على العرش” كما في الديانات الإبراهيمية مثلًا.
ووفق التاو فإن كل ما يحتاجه المرء ليحيى حياة متزنة سعيدة، هو التعرف على النظام الطبيعي الذي يعمل الوجود وفقه أي التاو، ومن ثم التناغم معه. ومن هنا فإن التاوية تخلو من العبادات والطقوس، أو من الحاجة إلى تلقين لوائح أخلاقية موضوعة*، باعتبار أن الطقوس عادة تهدف للتواصل مع الخالق المفارق، بينما هو غير موجود أصلا في الفكر التاوي.
في المقابل تؤكد التاوية على أهمية التأمل الباطني، إدراك قوانين الطبيعة، والتخلص من كل القوانين الوضعية المفروضة من الخارج، وإتباع المسار الحر الذي يمليه الصوت الداخليّ، فهذا ما يحقق الاتزان والسعادة.

لنأخذ واحدًا من تجليات اليانغ والين، لنرى الفارق بين النظرة الصينية التي ترى الوجود ناتجا عن أقطاب متعاونة لا قيام لأحدها دون الآخر، وبين النظرات الأخرى. فالذكر هو أحد تجليات اليانغ، بينما تشكل الأنثى تجليا للين، وهكذا فإن النظرة الصينية للرجل والمرأة تراهما كنصفين متكافئين ومتعاونين، وليس ضمن علاقة تقتضي بسيادة الأول على الآخر “الرجل وليّ أمر الأنثى، محرمها، والقائم والمقوم لشؤونها” أو العلاقة التي تقتضي سيادة الثاني على الأول “عقيدة الأنثى هي الأصل” من هذه العلاقة المتكافئة المتعاونة ينشأ استقرار الأسرة والمجتمع، وبالعموم فإن التعاون بين اليانغ والين يفضي لكون متوازن.

إن التناغم مع الطبيعة وقوانينها وصوتها الداخلي، لا يقتضي الكثير من بذل الجهد، بل يبدو أن ما يحتاج جهدًا أقل من غيره هو الأدعى لتحقيق التناغم المنشود، وهذه هي فلسفة “اللافعل” التي يتحدث عنها لاو – تسو في كتابه، والتي يقصد بها، أن يستفيد المرء من القوانين التي يعمل الكون وفقها بدلا من أن يبذل جهدًا مضاعفًا في مقاومتها ومحاولة تحقيق مطلبه، الحديث هنا عن فن حياة اشبه بالملاحة، حيث يوجه البحار شراعه للإفادة من الرياحة، بدل محاولة مقاومتها، وبذلك يغدو فعله جزءا من النظام الطبيعي، لا مستقلا عنه أو معارضا له.

وفي الحياة الاجتماعية فإن “اللافعل” يعني استفادة المرء من الظروف الراهنة التي يمرّ بها، لتحقيق أهدافه، رغم ما قد يراه من أنها ظروف سيئة تعيق تحقيقها، وما قد يفكر به حيال مقاومتها، إن “اللافعل” أشبه بحالة “أتت في وقتها” التي تمرّ بنا أحيانا، إذ ترينا بصيرتنا أن ظرفًا ما أتى عن غير قصد، لكن يمكن بجهد قصير تحويله ليكون خادما عظيما في سبيل تحقيق أهدافنا، إن حالة “اللافعل” تقتضي منا بصيرة متفتحة على كل شيء وعلى كل احتمال، مرنة للغاية، إيجابية جدا، تمكننا من رؤية الإمكانية الثاوية في الظرف، لجعله في صالحنا، وذلك ببذل جهدٍ بسيط.
يمكن أن نجد “اللافعل” في رياضة الجيدو أيضًا، التي لا تعتمد على طاقة وجهد المحارب، بقدر ما توجه انتباهه للاستفادة من طاقة الخصم وتحويل اندفاعه الهجومي إلى سقوط، وهذا ما يتطلب استخداما للجهد في حده الأدنى.

يمكن أن نرى أهمية عدم التدخل أثناء تعليم أحدهم أمرًا ما، دعه يقع في الخطأ بعد ذلك، دعه يكتشف أنه خطأ، دعه يصل بنفسه إلى الأسلوب الصحيح، هذا هو الدرب الحقيقي للتعلم والتنمية.
تطبيق عدم التدخل في السياسة أمر ذا أهمية أكثر، فكلما سنت الدولة قوانين أقل، عاش الناس بحرية أكبر، وحصلنا على مجتمع صحيّ، سليم، وسعيد، وكلما تدخلت الدولة في حياة الناس أكثر، وأثقلت حياتهم بأطنان القوانين، باتت الحياة أشبه بالجحيم.
ملاحظات أخرى:
هناك ملاحظات أخرى، لا داعي لحصرها، لكن أود ذكر أحدها للتعليق على الأسلوب الذي تَعامل به شارح النص معها، كحديث لاو – تسو عن أسلوب إدارة الممالك الواجب اتباعه:
“الحكيم في إدارته للرعية يفرغ العقول ويملأ البطون، يضعف المجامع ويقوي الأجسام” الفصل2
“في حكم الناس، لا ينير الحكيم العقول بل يخدرها. الناس يتكئون على حواسهم، وهو يعاملهم كالأطفال” الفصل.49
“العارفون بالتاو في الماضي، لم يحاولوا تنوير الناس، بل ابقاءهم في جهل” الفصل65.

وكعادة أي مفسّر يتبنى النصّ الذي بين يديه، يمكن أن تجعل للكلام السابق معنىً جيدًا، ففراس السواح الباحث في الديانات المقارنة، يقول بأن المقصود هو إفراغ العقول من الطمع والرغبة في تكديس الثروات، وأما المقصود بالجهل هنا -حسب السواح- فهو حالة البراءة والفطرة التي يولد بها الإنسان، وليس الجهل الذي هو ضدّ العلم.
أو مثلا كموقفه من تناقضات النصّ تارةّ أخرى “طريق السماء حيادي، لكنه يبقى إلى جانب الشخص الطيب”، حيث تجده مبررا محاولا التوفيق بين الشطرين.
أيضًا من جميل أخطاءه، استشهاده عند شرح بعض الحكم، ببعض النظريات الفيزيائية المعاصرة، في مهمة مشابهة لمهمة زغلول النجار في هزليتها، حول إثبات إعجاز علمي لهذا النصّ أو ذاك.
بالعموم فإن الفلسفات الشرق أوسطية، تكمن على الكثير من الحكم والرؤى النيّرة، مما يستحق دراسته، تأمله، والوقوف عنده لاحقًا.

*هذا الأمر سرعان ما تغيّر جذريًا بعد وفاة لاو- تسو مؤسسة المدرسة!، يبدو أن القصة نفسها تتكرر على الدوام، لكن يمكن أن نجد روح التاوية في مدارس أخرى اليوم، مثل بوذية الزن Zen، وهي بوذية واسعة الانتشار في اليابان وأقطار الشرق الأقصى، وتجمع بين عناصر بوذية وأخرى تاوية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق