عن اعتقال لؤي حسين / بيسان الشيخ

هل كان الأمر يستدعي اعتـــقال المعارض السوري لؤي حسين لنثبت مرة أخرى أن نظـــام الأسد لا يحتمل ولا يتسع لرأي مخالف أو منتقد وإن كان ضمن سقفه؟ بالطبع لا، فهذا تأكيد المؤكد. لكن رئيس تيار «بناء الدولة»، لؤي حسين، فعل. ذاك أن الرجل اعتقد لوهلة أن باستطاعته انتقاد السلطة والدعوة إلى بناء حكم بديل يجمع بعض النظام وبعض المعارضة من دون أن يكون في ذلك ما «يضعف الشعور القومي» أو يمنع صاحبه من السفر أو يجعله يحاسب على رأيه. فظنه أن ما قد يحميه هو مناداته (المبالغة أحياناً) بـ «العلمانية» بما لا يترك مجالاً لإلصاق تهمة «الإرهاب» به، وأنه ممن سعوا إلى الاصلاح ضمن المنظومة القائمة، لا سيما أنه سبق أن سدد فواتير الاعتقال والسجن.

ومن يتابع كتابات حسين الأخيرة، سواء في المقالات المنشورة أو المواقف المعلنة في البيانات «الحزبية» وعلى مواقع التواصل، فلا يمكن إلا أن تلفته خطوات إضافية يقطعها الرجل تدريجاً، فيذهب في كل مقال أبعد مما ذهب إليه في المرة السابقة، كأنه يختبر ذلك السقف ويحاول رفعه قليلاً قليلاً، معتقداً للأسف أنه بعد 4 سنوات من «الانتفاضة الشعبية»، باتت ثمة حصانة معنوية لأشخاص مثله.

لكن النظام الذي يمتلك سلاحاً كيماوياً لم يتورع عن استخدامه ضد المدنيين، ولا يزال يمطر المدن والقرى بصواريخ وقنابل محظورة دولياً، ويشن حرباً على الإرهاب رافعاً راية حماية الأقليات، يتعبه رأي ويقلقه موقف. فكيف إذا جاء الرأي المعاكس ممن منحهم مطلع الثورة لقب «المعارضة الواعية» التي سوقها على أنها وحدها تستحق أن تسمع؟ لا شك في أن ذلك سيتسبب بوهن الأمة برمتها وليس إضعاف شعورها القومي. فكيف يعقل أن يخرج من هؤلاء «الواعين» من يرفض ممارسات النظام ويرى فيها تهديداً صريحاً لسورية، البلد والكيان والمجتمع، ويطرح عنه بديلاً يضم ألد خصومه؟ كيف يخرج أصلاً من يشك في بقاء رأس النظام ويتوهم أن إحاطة بشار الأسد بالعسكريين والمقاتلين في قصره لا تعني عدم تهالك النظام؟ وكيف يتهم الأخير بالفشل في حماية السيادة الوطنية؟ هذا كله مما لا يحتمله بعث يقرر أن يختار مؤيديه ومعارضيه، والغالبية الصامتة فيه، ثم يرمي بالآخرين في عرض البحر.

هكذا، تجرأ لؤي حسين وخرج عن طوره فبات فجأة، في عرف هؤلاء، معارضاً مسلوب الوعي، يسعى إلى تقويض المشاعر الوطنية، بالتالي فهو يستحق الاعتقال كغيره من الناشطين السياسيين، العلمانيين أو الإسلاميين، المدنيين أو العسكريين، المقربين أو المبعدين… فهنا لا فضل لمعارض على آخر إلا بالخنوع والقبول.

لا شك في أن ثمة سوء فهم عميقاً وقع بين الطرفين. فالمعارضون المخضرمون المقبلون من خلفيات يسارية، مثل حسين وقبله يوسف عبدلكي وعبدالعزيز الخير وغيرهم على اختلاف تجاربهم، ظنوا أنهم نجحوا في رفع سقف النظام قليلاً، لا سيما أن المعركة الفعلية في مكان آخر. أما النظام فاعتقد في المقابل أنه نجح في «تدجين» معارضة الداخل تدجيناً كاملاً، لا سيما أن الثورة اتخذت منحى عسكرياً وإسلامياً متشدداً، ومن المعروف أن هؤلاء يقفون ضده. فإذا اكتشف عكس ذلك، بطش بهم من جديد. وسوء الفهم هذا يكشف بحد ذاته مدى خبث النظام وديكتاتوريته في آن، وحسن نوايا «العلمانيين» به كأنهم لا يتوانون عن تجريب المجرب.

واللافت والمحزن في قضية الاعتقال تلك، يبقى أن مجتمع الثورة السورية لم يتبنَّ لؤي حسين بالحماسة والتعاطف نفسه الذي حظي بهما كثيرون، حتى ممن نشطوا في ظروف أقل صعوبة من ظروفه. فلم يتحول لؤي حسين «قضية» المعارضين في الخارج، ولم تُقَم باسمه حملات وتوقع عرائض. بينما يجب أن يحسب للرجل أنه كتب ما كتب، وقال ما قال وهو داخل سورية. وليس ذلك بالأمر اليسير كما لا يعود الفضل فيه إلى رحابة صدر النظام. وإذ ذهب بعض الحريصين على اللياقات الاجتماعية إلى القول إن الاعتقال لدى النظام هو مما لا يتمناه المرء لعدوه، فقد أحالوا الرجل تلقائياً إلى مصاف الأعداء، أو أوهمونا بأن الاعتقال لدى «الجهات الثورية» هو مما يشتهى!

صحيح أن مواقف حسين المعارضة للنظام وغير المؤيدة كلياً للثورة جعلته في منزلة بين منزلتين، فيسهل لكل منهما تبنيه حيناً والتخلي عنه أحياناً، لكنه يبقى من القلة القليلة التي اجتهدت فعلياً للبحث عن تصور سياسي واضح لسورية ما بعد الأسد. وذلك أيضاً مما يجب أن يحسب له. فما تحتاجه سورية اليوم يتخطى العمل الإغاثي والإنساني والنشاط «الفايسبوكي» إلى النحت الفعلي في صخر السياسة.

قد يكون لؤي حسين في معارضته وخطابه «ابن النظام» إلى حد بعيد، كما وصفه البعض شامتاً ومتهكماً، لكن ما فات ذلك البعض أن هذا النظام لم يفعل خلال ستين سنة من الحكم إلا إنجاب أبناء وبنات… جار عليهم واحداً تلو الآخر.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق