«التنوير» وملابساته في مرآة تاريخ هانز بلومينبيرغ / وضاح شرارة ا

في كتابات ومقالات «تنويرية» عربية كثيرة، يبدو التنوير أمراً يسيراً وفي متناول من أراده أو عزم عليه وعقد النية. وحكمه أشبه بحكم الفقه (الاسلامي) في اعمال تقتضي صحتها، من جهة الفقه، الجهر بها قولاً واضحاً ومسموعاً، ولو اقتصر السمع على صاحب القول او القائل. وهذا يسمع نفسه ليس بأذنه أو منها بل بحنجرته (أو من حنجرته)، على قول روائي وناقد فرنسي معروف. وفي هذه الاحوال، ومنها الاستخارة و عقد العقود («قل قبلت»، على ما يلقن وسيط العقد المتعاقدَ أو وكيلَ المتعاقدة)، القول هو شطر من الفعل أو هو بعض الفعل وشرط من شروط انجازه. وعليه، فالتنوير أو تحكيم النفس الراشدة والعاقلة في أحوالها، وفي احكام عملها ومعتقداتها ونظرها واجتماعها الى غيرها، هو عزيمة من العزائم تصدر عن النفس المستنيرة والمنقلبة من حال التسليم والتقليد، من غير فحص ولا تدبر، الى حال النظر الفاحص والمهتدي بـ«نور» العقل وحده. وإذا سرى الانقلاب هذا في النفوس عمَّ العقلُ، أو عمت الانوار القوم أو الجماعة أو الحاكم، ونهضوا الى صناعة التاريخ، وهو فتوحات وسلطان وعلم وعدل وشريعة وجباية، كما هو معلوم ومشهود لدى أي نفر حرسي خميني أو لدى أي قاعدي داعشي أو نصرتي. ولا يزال «النور الذي يُقذف في القلب» علماً لفظياً وخطابياً على سيرورة التنوير في معظم كتابات القوم النهضوية والمجددة والحداثوية والتأصيلية.

الطعن والإحياء

وبعض الكتابات المتأخرة (وقتاً) ينتخب مثالاً فكرياً وتاريخياً وسياسياً «عصر الانوار» الفرنسي. فهو يبدو أقرب تناولاً من المركب الفلسفي والعلمي العسير الذي يبتدئ ، على اشتباه وتعسف، بديكارت الفرنسي و»الديكارتيين» (سبينوزا ولايبنيتز) وكبار علماء الفلك الرياضيين، ولا ينتهي بكانط، صاحب «نظرية السماء» قبل التصدي لرسم حدود العقل النظري (العلمي) والعقل العملي (الاخلاقي) ومَلَكة الاقضية أو أحكام الذوق (والحُسْن أو الاستحسان الجمالي والقيمي اليومي). ويبدو المثال التنويري الفرنسي مباشراً ومفهوماً وعملياً. وهو يماشي المثال السياسي الحركي، على النحو الذي استقر عليه منذ غداة الحرب العالمية الاولى، ومباشرة إنشاء الاحزاب والجمعيات الثقافية والدعوية الدينية «الحديثة». واضطلعت النماذج الفاشية والشيوعية السوفياتية- في اعقاب غلبة نموذج الجمعيات السرية، الكاربونارية (مثل جمعية غاريبالدي) والعسكرية الانقلابية والماسونية- بدور مباشر في تغليب الهيكل التنظيمي الارادي والايديولوجية التعليلية والحتمية على الإنشاء الحزبي والجمعي. وساوت هذه النماذج الفعل أو الصنيع التاريخي الكبير والثوري باجتماع الروافد الصغيرة والمتواضعة، و»الوحدات» الفردية، في النهر العظيم. والمساواةُ هذه، وحملُها الفعل التاريخي على مصادره الفردية أو الذرارية وتعليلها المبادرة والارادة الفرديتين والجماعيتين بالصدور عن تاريخ كامن صامت وجوهري قبل انفجاره البركاني، هي (المساواة) ركن الايديولوجية، على معناها المعاصر و»الغربي» الذي لا يقتصر على «الفكروية» العمومية ولا على «الادلوجة» المفردة.

و»علم» التاريخ المزعوم، في صيغه الادبية والخطابية سوَّغ إغفال عوامل راجحة في إلقاء أسس عالم التنوير المفترض، أو عالم «الازمنة الحديثة» الاوروبية (والى اليوم، الازمنة الحديثة اوروبية أو متأوربة). فالأفكار أو المثالات والقيم التي تُحمل على التنوير، مثل الصدور (التاريخي) عن إيجاب نفسي ذاتي وإرادي حر، أو مثل تأويل الوقائع والانيات الطبيعية والإنسية من غير العود بها على اسباب أو علل خفية ومفارقة، هذه الافكار والمثالات والقيم تلابس من غير انفصال فبركة أو صنع العالم (عوالم) التاريخي والاجتماعي الانساني، المعنوي والمادي، كلاً وجميعاً. فلولا إيذان المجتمعات بصناعة عوالمها، أو أجزاء من عوالمها، واصطناعها أجزاءها من ألفها الى يائها تقريباً، لما قدر لـ»فكرة» الصدور عن النفس والقيام بها في دائرة التاريخ والاجتماع، أو في المجال السياسي، أن تولد وتتماسك وتعم، تحت اسم الديموقراطية، المجتمعات كلها. وحين يطعن المحافظون و»الرجعيون» وبعض «اليمينييين» في الديموقراطية وأنظمتها المتفرقة يلازم مطاعنهم غالباً نازع الى إحياء أو بعث العالم اللاهوتي، وترتيبه الهرمي المتسلسل والمتصل من أعلى عليين الى اسفل سافلين. ولعل التلازم هذا أثر من آثار ولادة «الازمنة الحديثة» العتيدة، من قيام أصحابها وأهلها، نخباً وعوام، على النظام القديم وطبقاته ومباني علاقاته ومعتقداته، والنقض عليه وهدمه، وصوغ مشروعية جديدة منقطعة من المشروعية السابقة ومستقلة بمعاييرها، على ما ذهب اليه هانز بلومينبيرغ (عطفاً على مقال سابق في عمل بلومينبيرغ، المستقبل- نوافذ، 17/2/2013).

وهذه الولادة، على هذا النحو، لم تضطر اليها معظم المجتمعات غير الاوروبية، ولم تكابدها أو تعانِها. والقول أن هذه الحال لا تخولها التصدي لطلب الديموقراطية أو إعمالها في أنظمتها يجافي الاصل الديموقراطي، وعموميته الجامعة والجوهرية، ونازعه الكلي الى المساواة العامة بين الافراد من غير استثناء. وليس معنى مجافاة الاصل الديموقراطي الوقوع في الخطأ حكماً، ومجانبة الصواب حتماً، على ما يحسب ربما الديموقراطيون. فالديموقراطية، على وجه «صورة حياة» أو «نحوِ حياة» وليس وجه نظام حكومة وحسب، لا تنشأ عن العقل والعلم أو المعرفة، على رغم إعمالها معاني أو دلالات تحتج بالعمومية العقلية وترتيباتها، أو بالحق الطبيعي ومترتباته. وملابسة الديموقراطية مجتمعات متفرقة، ولا حدَّ يحصر تفرقها أو يحصيه، تحملها أي تحمل «عمالها» على ابتكار أسئلة وأجوبة متجددة، ولا مثال سابقاً أو ثابتاً تجرب عليه، فيوضع عليه علم علمي، إذا جاز القول. فهل تضطر هذه الحال «عمال» الديموقراطية، أو أصحاب إعمالها من غير تخصيص ولا تخصص، الى الاكتفاء بالعزائم والنيات أو بالإرادة، على ما مر القول في مطلع المقالة، دليلاً او مَعْلَماً؟ وما محل «التنوير» من السعي في «صورة الحياة» الديموقراطية؟

ما لا نهاية له

والحق أن المسألة الاولى تتخطى دائرة هذه العجالة. وأما السؤال الثاني فينبه على اشتراك طلاب الديموقراطية في معايير أو أحكام عمل متضافرة، لا غنى لطلابها عن الاشتراك فيها إذا قصدوا بلورة «الصورة» التي ينشدونها، وتداولها في معاملاتهم وآرائهم. وقد تفوق حصة المضمر من المعايير وأحكام العمل حصة المعلن. وفي هذه المضمر أفكار أو أحكام موروثة من «التنوير» أو تحدرت من عمله المديد والمعقد في المعاني الاجتماعية التاريخية، وفي أنظمة العلاقات والمعاملات. فلا تنفك الافكار والاحكام الموروثة هذه من إيجاب زمن تاريخي مشرَّع ومرسل لا ينتهي الى حد أو نهاية، على خلاف الزمن الذي يفترضه مثال «الازمنة» والمواقيت الموقتة على ظهورات وساعات وعلامات وغيبات ودورات وقرانات. وزمن التقدم وآفاقه وآجاله المتجددة، على خلاف أزمنة التبدد والدروس والاشتباه، لا يعقل تمامه، ولا يسبر غوره. فهو، والحرية والارادة والرغبة، لا يحاط به (وبها). ودعا الفرق بين فكرة ما لا نهاية له وبين اقتصار الفعل البشري وزمن البشر على المحصور والمحدود بحد الى الاستدلال على حقيقة ما لا طاقة للبشر من تلقاء أنفسهم على إيجابه، وهو الواجب الوجود نفسه، على قول المتكلمين. وحل الدليل الوجودي هذا، وقوامه استحالة ايجاب من يحصره حد ما لا حد ولا نهاية له، لولا حقيقة غير المحدود، محل دليل المحرك الاول، ومبناه على استحالة المرور وتداعي العلل والاسباب لا إلى غاية ونهاية أو الى «محرك» أول لا يتحرك.

وعلى رغم سبق الدليل الوجودي، وإعماله (فكرة) ما لا نهاية له في الاستدلال، الإعمالَ العلمي أو الفيزيائي للفكرة وصوغَها على نحو يتفق وشرائط هذا الإعمال لم تدخل الفكرة التداولَ العام، ولم تضطلع بدور في المحاورات الفكرية والثقافية التي تجمع في باب «التنوير»، إلا من طريق المباحث العلمية الفيزيائية والميكانيكية. ولم يفت مؤرخي العلوم والفكر الذي يستهلم العلوم أركانه وأصوله الانقلابَ الذي أعقبَ بلورة ما لا نهاية له وإعماله في التعليل الفيزيائي والميكانيكي للحركات، مثل كتابة تسارع حركة هوي الجسم أو سقوطه، أو مثل قانون أو مبدأ مضي الجسم على حركته الاولى الى ما لا نهاية ما لم يطرأ احتكاك يعاند الحركة ويبددها ويوقف الجسم المتحرك. وقد يكون كتاب هانز بلومينبيرغ «مشروعية الازمنة الحديثة»، وهو كتب على خمس مراحل (في 1966 و1973 و1974 و1976 و1978)، من الاعمال القليلة التي تجمع الوجه اللاهوتي والكلامي والوجه العلمي في مركب فكري وعملي متفاعل العناصر، من غير تناغم ولا انقطاع أو انفصال. فالوجهان لا يصدران عن شيفرةٍ أُمٍّ، أو نواة كامنة ومشتركة تنطوي على احتمالات مقدَّرة، وحدود معلومة، ونقائض لا مناص منها، معاً، بل هما يتضافران على إنشاء متعرج قد يسعه إدراج بعض أوقاته وأدواره في سياقة متماسكة، وقد لا يسعه ذلك. وافتراض التماسك أولاً وابتداء، والحكم بضرورته وتلقائيته، على بعض دعاوى «التنوير» العربية، ضرب من الكسل السحري، والتعويل على عوائد ريعية تترتب على استثمار ذاتي ونفسي في العزائم والنوايا والارداة.

فحين أثبت جيوردانو برونو (أحرقته الكنيسة في 17/2/1600) صفة ما لا نهاية له للعالم الذي وصفه المتكلمون بالمخلوق والمُحْدث، أسند صفة العالم الى صفة الخالق، والى منطق الخلق القاضي بالضرورة بمساواة الخالق بخليقته والخليقة بخالقها- وإلا أصاب النقصُ أو القصور والعجز صانع (العالم) الناقص والقاصر. وعلى هذا، «هاجرت» إحدى صفات الخالق العظمى، على قول بلومينبيرغ، الى العالم المخلوق و»توطنته»، و»صارت عالماً». ومهد الطريق الى الصيرورة هذه معضلات هزت أعماق اللاهوت المسيحي حين ميز، داخل الالوهة، بين أمرين مختلفين: الاول هو تجلي الأقنوم الثاني (أو الدين) الذي ساواه الاقنوم الاول (الاب) بنفسه وأخرجه من الزمن، والآخر هو فعل الخلق أو إحداث المحدث في وقت أو زمن. وعاد اللاهوت فأدخل، حين تناول التجسد، الابن، ومحله من الثالوث، في العالم المخلوق. فحمل مفهوم الخالق على أضداد ونقائض لا حصر لها. وحين اتصل مفهوم ما لا نهاية له بالقدرة المطلقة «امتلأ بمضمون موجب ودمر بنية الكلام الوسيط» (ص 90 من الترجمة الفرنسية). وذلك أن تجسد الابن، أي فرديته التاريخية، علامة على سعي في بلوغ مفارقة الالوهة العالمَ أو الخليقةَ، وتعاليها عنه، من طريق مفارقة الانسان التي يبلغها في المناولة ( أو تناول الذبيحة الالهية). والابن بالجسد، أي الالوهة في انسان فرد، يضمر تضمين الكينونة سيرورة إلهية متفكِّرة ومزدوجة، شأن ازدواج المتفكِّر (في موضوع). فوجدان النفس المسيحي هو الفعل الالهي في انسان فرد ودنيوي.

«كثرة العوالم»

ويلاحظ صاحب «مشروعية الازمنة الحديثة»، أن قضاة محاكمة جيوردانو برونو، وهم قضوا بحرقه في ساحة كامبو دي نيوري بروما، أهمل استجوابُهم الراهب «المارق» اعتقادَه «كثرة العوالم» غير المحصورة. وهي ثمرة فلكيات كوبيرنيك (وس) وخلعها كوكب الارض عن «عرش» الخليقة. والفلكيات الكوبيرنيكية أفضت، بعد صاحبها، الى انكار التجسد، وهو يفترض تنصيب العالم الارضي والانسي في «ذروة الخلق»، وإبطال الخلاص ودورانه على الانسان، وإسباغه النعمة على الارض. وذريعة علم الفلك الى الإبطال هي العوالم الكثيرة الى غير نهاية ولا حصر، واستحالة ترتيبها على مراتب شرف معللة. فليس، بهذه الحال، ثمة موضع أو محل يحله الخلاص الالهي ويصطفيه. فالكون هذا (الكوبيرنيكي)، استنفدت كثرته التي لا نهاية لها إطلاق الالوهة غير المقيدة ولا المحصورة. فهي «لم تستبقِ شيئاً من نفسها ولنفسها بإزاء كثرة العوالم غير المحدودة، ولم يبق ثمة ما تستدرك عليه من أي مخلوق من هذا العالم» (ص 627 من ط.ف.) وهذا الكون هو صورة الظهور، و»يكاد يشبه التجسد»، ولكنه على خلافه، لا يشترك لا في صورة الفرد الانساني، ولا في وقت «الحادثة» التاريخي. وإلغاء وهم البؤرة أو المركز من ثمرات كوبيرنيكية قاطعة. فالمكان الكوني المترتب على كثرة العوالم، متجانس وتستوي مواضعه أو «نقاطه» كلها في القيمة والمكانة. (وما يصدق في المكان لا يصدق في الزمان، وهذا الفرق يحول بين برونو ومطابقة وجدان «نفسه» فهمَ الحداثة نفسها على صورة حقبة أو زمن من الازمنة وليس على صورة ذروة أو فجر).

ولاحظ اسحق نيوتن على مفهوم ما لا نهاية مكانية له (أو ما لا نهاية له المكاني). وكانت مقالات لايبنتز وكلارك في المكان المطلق شبهت جواز أساس ميتافيزيقي أول لمفهوم نيوتن عن المكان. وقوّى الرأي هذا ان مفهوم المكان المطلق يفتقر الى تعريف موضوعي أو كمي. فنيوتن عرف المكان المطلق حاسةً أو جارحةً إلهية. والمفهوم نتاج ثانوي أو فرعي على تعريف مبدأ مضي الجسم على حركته وقوتها ما لم تعاند القوة قوى أجسام أخرى تعترضها. وأوجب المكانَ المطلق الذي لا نهاية له الاضطرارُ الى إحلال الحركة محلاً مناسباً يتسع لها. والمحل المناسب حيز خالٍ من الاجسام المتحيزة والمعاندة، وأشبه بالفراغ والخلاء الصوفيين، على نحو ما تصورهما التصوف الوسيط. وهذه الحال بعيدة من السمو الذي تربع فيه المكان المطلق، ونسبه الى صفة من صفات الخالق. وهي قريبة من حمل المذهب الذري الابيقوري ولاهوته الآلهة على العجز. فهو أبطل جواز ترتبِ مفاعيلَ عن الفعل الالهي تتخطى الفراغ، وتمضي على التأثير. وعرَّف نيوتن المكان المطلق بـ»مدى الحضور الالهي الذي لا نهاية له». وهو ترجح بين اضطراره الى استعمال المكان المطلق في مبادئ الميكانيكا وبين استحالة وجود مطلق آخر خارج المطلق الالهي. فسعى في مخرج وسط هو الحاسة الالهية.

وليس تدافع حدَّي الترجح، الاضطرار العلمي والاستحالة الميتافيزيقية والمنطقية، هو ما دعا لايبنتز الى إبطال المكان المطلق، المتكافئ والمستوي، بل استحالة إعمال مبدأ العلة الوافية (التعليل) في مكان خلاء مثل هذا. فهو (أي لايبنتز) «عزَّ عليه» الصدوع بالفرق غير المعقول بين حدوث العالم وهو حادثة درامية، وعليها مبنى الميتافيزيقيا والكلام ومسائلهما- وبين حمل الكلام والزمان على الكمية أو على الطاقة فيما بعد، وعلى حيادهما. فأوجب في الاسباب والعلل فروقاً نوعية. وصفة المرسل لا الى نهاية (صفة) إلهية ولاهوتية ترتبت على إحصاء أرسطو صفات المحرك الاول غير المتحرك في ضوء تحليل كينوني لمفهوم الزمان ودورات الأجرام وحركتها. وفكُّ المكان المطلق والزمان المطلق من العالم يفضي الى فصل المطلقَيْن، المكان والزمان، من نهاية العالم وتبدده، فهما باقيان من غير انتهاء الى أجل أو حد.

التقدم

ويصعب بل يستحيل التوفيق بين حمل الزمان والمكان على تمدد لا يحصر وبين القول بسكون العالم وإقامته على فوضى عصية على النظم والعقل أو على كمال حركة الافلاك الدورية. وارتسم «التقدم»، أو فكرته ثم مباشرته والسعي فيه، في ثنايا هذه الاستحالة. وأصابته عدوى ما لا نهاية له من طرق كثيرة، بعضها عملي «خالص» وبعضها ثقافي عام وسياسي. وكانت تصورات التقدم الاولى تقتصر على مراحل الحياة والأعمار، ونضوج التجربة في الاثناء، وبلوغ التقدم (العلمي) ختاماً متكاملاً قريباً من «تمام التاريخ»، على ما قيل بعد نحو قرنين من الزمن (مطلع القرن التاسع عشر). وسوغت فكرة ما لا نهاية له التسليم بتأخر تمام المعرفة النظرية ومترتباتها العملية. فقَرَن الفرنسي بليز باسكال، في «رسالة الفراغ» (1647)، الكناية عن مراحل الحياة بفكرته عن «الانسان الكلي» الذي يصل الاجيال والقرون بعضها ببعض، في ذات «نفس») متخيلة ومثالية واحدة. وأوكل قرانُ أدوار الحياة وأطوارها بمثال «الانسان الكلي» الانسانَ بما لا نهاية له، وأوكل ما لا نهاية له بالانسان.

ويقول بلومينبيرغ ان المرسَل «السيروري» هذا هو تمثيل أليم على الفرق اللازم الذي ليس في وسع الانسان الحادث، والذائق الموت، لأْمَه أو تجاوزه بين حدوثه وبين سيرورة لا حد لها. فيبلغ الانسان حقيقة قَدره غير الناجز في تاريخ يعاقب بين حيوات البشر لا إلى خاتمة معلومة. ويتردد صدى هذه المقالة في رسالة غوته الى شيلير (في 21/2/1798، على ما لا يفوت بلومينبيرغ التدقيق)، والاثنان عمدتان في التنوير أو «العقل» الالماني، إذ يكتب: «الانسانية جمعاء في مقدورها فهم الطبيعة». وحملُ معاصرهما، هيغيل، البشر وتاريخهم على سيرة ذاتية واحدة ومتصلة، سيرورية، هو من ولائد هذا النحو من النظر. ويستدرك غوته على ما كتب للتو، فينبه الى ان الانسانية «لا تجتمع أبداً»، ولا تحضر وقتاً واحداً. وأما «الطبيعة» فدأبها التخفي أو الاحتجاب عن العين والعقل البشريين. والامران، امتناع الحضور والتخفي، ينجم عنهما استحالةُ بلوغ عقلانية التاريخ المفترضة (الى) الفرد الواحد. فتدعوه حاله هذه الى كراهة محله الضئيل والعابر من سيرورة زمنية ماضية على وجهها الى حيث لا يلقى رَحْل، على ما تشاءَم فيورباخ. وخلص من تشاؤمه الى تحسين تقييد العقل بقيد ذاتي، والتحفف من رجاء تعويض ميتافيزيقي عن القصور الزمني. (ولا بأس في هذا المعرض، من المقارنة بين تأريخ بلومينبيرغ وبين تأريخ ماركسي «تنويري» يومها، في خمسينات القرن الماضي هو هنري لوفيفر الفرنسي في كتاب خص به باسكال، وانتخب مسألة الانسان النوعي مسوغاً لإقحام باسكال في سلسلة «رواد» الماركسية وممهدي الطريق الى استتباب «حقيقتها» وظهور خفاء التاريخ في مقالاتها، وفي الاحزاب و»الدول» المستنيرة بأنوار هذه المقالات. فعلى خلاف لوفيفر، المثقف الشيوعي الحزبي، وإغفاله الاضطراب و»الألم» وافتقار المقالات الباسكالية الى الركن المكين وتردد أصدائها في ذرية قلقة ينبه بلومينبيرغ على هذه: الاضطراب و»الالم» … وينبغي أن يردَّ هذا ماركسيين عرباً و»عضويين» عن رفع لواء الرجل).

وكان هوبس سباقاً الى الملاحظة أن قولنا «لا نهاية (لحال)» قد يدل على تصور نفسي مبهم، ولكنه لا يعني تصوراً عن موضوع لا نهاية له. وهذا ليس تعريفاً أو حداً لشيء. فكأننا نقول اننا لا نعرف إذا كان الشيء مقيداً بحد وأين يكون هذا الحد. وهذه المقالة، الموضوعة على ما لا نهاية له، ليست جواباً عن مسائل الفلسفة والكلام التقليدية الكبيرة. فهي أقرب الى «آلة» تتولى انتزاع نصل هذه المسائل. ولا تستتبع حملَ التاريخ على معنى، بل تنكر زعم القوة المتسلطة والقاهرة، المفترضة أو الماثلة، إضافة معنى الى التاريخ. (ويكتب صاحب «مشروعية الازمنة الحديثة» هذا وعين على النازية التي عاش 25 سنة الاولى من عمره ، الى 1945، في جوارها ثم في «ظلها» الساحق، والاخرى على الستالينية الكليانية التي حصرت الشطر الشرقي من ألمانيا غداة 1945 الى 1989 وتداعي جدار برلين).

دولة الطوارئ

وعلى خلاف مذهب كارل شميدت، في 1922، الى ان المفهومات البارزة والغالبة على نظرية الدولة الحديثة مثل الولاية غير المنازعة، وحال الطوارئ، والصديق والعدو، وغلبة السياسات على سائر الاعتبارات كلها مفهومات لاهوتية مزمَّنة وفروع على أصل الارادة الالهية المطلقة، يلاحظ بلومينبيرغ أن الغلبة اللاهوتية على المفهومات السياسية ليست وليدة تسلل اللاهوت الى سياسات الدول الحديثة بل هي ثمرة إيجاب الوقائع السياسية على وجه حقيقة مطلقة. ويتحدر الايجاب، على هذا النحو أو الوجه، من تعويل هوبس على وحدة الدين والدولة، أو على توحيد الدين بالدولة، وإناطة الهيمنة على الطاقات الدينية المتفجرة بالسلطان السياسي بواسطة القوة القاهرة. وفي نهاية القرن السابع عشر أيقن أحد أوائل «التنويريين» الفرنسيين، بيير بايْل، بأن الدين هو مشكلة الدولة العصية. فهو ذريعة ازدواج تعريف رابطة الفرد الواحد بجماعتين، ومطية تفريق الولاء على موليين أو ولايتين. وعلى هذا فالدولة القويمة والصالحة هي تلك التي لا يأهلها «مؤمنون».

ولم تسلم الدول (الوطنية) من آثار المنازعات الدينية والمذهبية على المعتقدات المطلقة، ومن عدوانها المدمر على الكيانات السياسية، إلا بعد نقل الرابط غير المشروط بين العدو والصديق (أي حرب الواحد الاهلي على الآخر) من الداخل الوطني الى منازعات الدول الوطنية الاقليمية أو القارية. والشبه، وهو يبلغ التناظر، بين تبلور النزاعات الداخلية على شاكلة مواقع مطلقة، وقائمة بنفسها، وبين استواء ذات الفعل، أو الذات (الإلهية) الفاعلة والمريدة، على المثال نفسه، لم ينجم (أي الشبه) عن تنقيل. وهو ما يزعمه شميدت. وإنما نجم عن استقراء. فصدارة الولاية السياسية لم تترتب على غلبة السياسة على الامور كلها قدر ما ترتبت على توكيل الولاية السياسية بتقرير تمييز ما ليس سياسياً مما هو سياسي. وسبق أن اضطلع اللاهوت بالبت فيما هو «زمني» أو مدني. ولا لَبْس في أن مكانة سلطة التحكيم في الحالين ليست واحدة، على رغم جواز تشبيه الولاية السياسية بالولاية الاكليركية اللاهوتية على سبيل الاستقراء والتمييز، وليس على سبيل الاستدلال والتوحيد أو الدمج.

والرأي المتنور في المسألة هو أن الوقائع السياسية المطلقة، وهي حال الطوارئ وتمييز الصديق من العدو…، باطلة، وباطل زعم حتمها. فعقلانية الانوار لا تقر حال الاستثناء (أو الطوارئ) على وجوهها كلها، ولا بمطلقها. ويصدق هذا، أي الاحجام عن الاقرار، في الطبيعة وظاهراتها. فقوانينها تترتب على طبائع الاشياء، ولا تجيز استثناء ناجماً عن إرادة مطلقة. والمساواة القانونية والحقوقية بين البشر هي نتيجة الحق الطبيعي، شأن القول بثبات الدستور وتجريم المس به أو الخروج عليه. والاحوال الاستثنائية التي قد تكتنف الدولة، وتحرفها عن سويتها، إنما هي وجه من وجوه إخفاق «التنوير» وتعثره. وإسناد كارل شميدت دليله (على التزمين) الى اختصار جوزيف دي مستر الملكي الفرنسي «المطلق» والكاثوليكي المناهض الاصلاح، الدولة في الامر والبت وإطلاقهما من كل قيد يتولاه أو يسوغه التعقل أو تسوغه المناقشة المتحفظة، فكأنهما (الامر والبت) «مولودان من عدم» وليس تزميناً لفكرة الخلق من عدم. فهو تأويل مجازي للحال التي أعقبت الثورة الفرنسية، في 1789، وجبِّها ما قبلها. وهذا ما فاق طاقة الانظمة الملكية المطلقة إبان عزها وسطوعها، وهي لم تطمع في امتلاك سلطان واسع مثل هذا، على ما قال ميرابو للويس السادس عشر. وصيغة «التنوير» التقدمية، على معناها السياسي تتحفظ عن الاقرار بهذا.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق