الإنياذة ذلك النشيد الروماني الخالد

بول فيين مؤرخ متخصص في تاريخ روما القديمة و أستاذ شرفي بالكوليدج دو فرانس. وإلى مؤلفاته الكثيرة أضاف سنة 2012 ترجمة جديدة لإنياذة فيرجيل (منشورات البان ميشال والفنون الجميلة ).

تعتبر الإنياذة رائعة الأدب اللاتيني عموما. هل هذا صحيح؟ 

على كل حال يعتبر فيرجيل واحد من الكتاب اللاتينيين العظام، كالمؤرخ تاسيتوس، لوكريس وهوراس، ويعود ذلك إلى قصائده الغنائية. والإنياذة هي بالتأكيد عمله الأكثر رمزية ومغزى. فهي ملحمة وطنية ونشيد طويل في غاية الروعة يعلي من شأن أصول روما الأسطورية. تلك الأصول الكامنة في ما كانوا يعتبرونه عصورهم الغابرة والتي كان يقدم البشر أثناءها كذبائح قداس. وكانت الآلهة تتخاصم في السماء والحرب مقتصرة على ثنائيات بين محاربين ذوي قامات أطول من البشر العاديين. وكان الجميع يتحدث نفس اللغة. ولم يكن “إيني” و“ديدون” في حاجة إلى مترجم. ولئن لم تكن الإنياذة “كنز الإنسانية المتعالي” فإنها عمل أدبي جميل وعظيم وهو ما يجعلها مقروءة إلى اليوم. الإنياذة ممتعة للقراءة بينما نجد أن بعض الآثار الأدبية الأخرى – التي كانت أكثر انتشارا في عصرها- قد أضجرت الأجيال التي تلت! فــ“الجنة الضائعة” لميلتون وحتى في ترجمة “شاتوبريان” المثيرة للإعجاب، وهيلويز الجديدة أو آلام الشاب فيرتر، يؤسفني جدا أن أقول إنها أعمال لا تشجع على مطالعتها! ونالت الإنياذة مجدا فوريا بعد صدورها مباشرة ولكن وإلى اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فمن يفتح هذا الكتاب سيجد صعوبة في تركه جانبا. 

هل كانت ترجمتك للإنياذة محاولة للحفاظ على هذه الروح الملحمية؟ 

حاولت أن أترجم النص إلى لغة حديثة إيقاعية كي أنصف هذا القصيد الذي هو قصة مغامرات قبل كل شئ، هو فيلم حقيقي، لأن فيرجيل عرف كيف يبني سيناريو بالمعنى السينمائي الحديث للكلمة، فهناك حبكة ومن البداية يجد القارئ نفسه في خضم الحركة والفعل كأنه يتابع مسلسلا أمريكيا يبدأ بمشهد جريمة قتل: وبعد غياب سنوات عديدة، نكتشف إيني ومرافقيه الذين هربوا من طروادة المحترقة، لحظة مغادرتهم سواحل صقلية وفي الوقت الذي كانت تطلق عليهم “جونون” عاصفة رهيبة، فيغرقون ويضيع منهم “لاتيوم” ذلك المكان الذين كانوا إليه يريدون الوصول من أجل إرساء حضارة جديدة مثلما أوحت به إليهم إحدى النبيّات. وهكذا تمت استضافة إيني من قبل ديدون ملكة قرطاج، العاشقة التي طلبت منه أن يروي لها مغامراته، وتبدأ إذن عودة عبقرية الى الخلف في رواية متداخلة الأحداث يحكي الجد الأسطوري للرومان من خلالها احتلال طروادة ثم رحلته المضطربة الشاقة عبر البحر الأبيض المتوسط. يحبذ فيرجيل أيضا تطعيم سرده بالتقلبات غير المنتظرة إطلاقا : فبينما يكون السلم ملوحا في الأفق عبر صفحات كثيرة، تنفجر الحرب دون سابق إنذار! ونرى بطلا يقتل بوحشية في وقت كان يبدو لنا في منأى عن ذلك المصير تماما…وما يجعل الإنياذة عملا استعراضيا كبيرا في نهاية الامر هو ذالك التنوع الأقصى في أطوارها. . 

في خضم هذه الرحلات والمعارك تولد قصة حب مستحيلة بين إيني و ديدون بل وحتى رواية خوارقية حينما ينزل إيني إلى العالم السفلي… 

نعم وهذه القطائع في اللهجة والتي هي قطائع في السرد أيضا والتي نجدها في منتصف الانياذة هي اختيارات جريئة حقا من طرف فيرجيل. فبمجرد التقاء إيني بديدون نفهم مباشرة أن قصة حبهما سوف تكون مستحيلة: إيني كبطل يحمل رسالة تجاوزته، لا يمكن ان يقع في قصة حب، إذ كأننا نقول أن الجنرال ديغول قد وقع في لندن سنة 1940 في حب الملكة القادمة إليزابيث! إيني ليس عاشقا محتملا. ومن هنا نجد النشيد الرابع حول حب ديدون وإيني قاسيا، بل وساخرا تقريبا: نشعر جيدا ان ليس لإيني من هدف عاجل سوى العودة إلى مغامراته السابقة فقط. ولا مصداقية له كعاشق، ويخفف “عطارد” على القارئ تقريبا حينما يضع نهاية لهذه الكوميديا السيئة بأمر إيني بالعودة إلى إيطاليا لمجابهة مصيره. أما عن النزول إلى الجحيم أو العالم السفلي، في النشيد السادس، يجب أن نفهم أنه يمثل حلقة غريبة جدا بالنسبة للقارئ القديم. فحتى هنا كان القص يسير ضمن عالم طبيعي عادِ وواقعي : عالم يشبه عالمنا بغض النظر عن وجود آلهة وحوريات والتي كانت جزءا لا يتجزأ من العالم الذهني القديم. ولكن يبقى العالم السفلي عالما غامضا بالنسبة للرومان إذ في عصر فيرجيل لم تكن هناك عقيدة راسخة في مسألة الغيب. 

ما يضفي قيمة إضافية على هذا العمل هو جمالية لغة فيرجيل الشعرية، فما هي خصوصيات هذه اللغة؟ 

منذ الأبيات الأولى ندرك أن فيرجيل يتحدث لغة لاتينية متميزة. ففي لب أشعاره شيء فريد من نوعه لا نعثر عليه إطلاقا لدى غيره ألا وهو لغته الإيجازية، إذ من خلال بيتين من الشعر، وبعض كلمات فقط، يتمكن من وضع القارئ في مشهد يتميز بثراء عجيب. وبكلمة واحدة يمكن القول إن أسلوبه هو أحد أجمل الأساليب الشعرية النادرة. وهكذا ففرجيل هو “الشاعر العظيم” حسب بودلير، وهذا يعني كل شيء. لغة كثيفة بشكل لا يصدق، ليس فيها أدنى تكلف ولا تأنق مصطنع. هي لغة موزارتية إن صحّ التعبير: وضوح وبيان وذوق لا مثيل له. 
 

حينما بدأ فيرجيل تحرير الإنياذة كان شاعرا معروفا معترفا بشاعريته من خلال قصائده : “الرعويات” و“الزراعياتّ. هل كان يطمح إلى إهداء روما ملحمة وطنية قمينة بمنافسة أشعار هوميروس؟ وهل يمكن الذهاب إلى القول بأنه نسخ الإلياذة والأوديسا؟ 

يوجد فعلا نقاط مشتركة كثيرة بين العملين إذ يستعيد فيرجيل في الإنياذة موضوع المعارك بين الأمراء، الرحلات البحرية… أو المقارنات العزيزة على قلب هوميروس بل و يستعيد حتى بنية قصيدة هوميروس ولكن بالمقلوب : تروي الأناشيد الستة الأولى للإوديسا رحلة إيني الطويلة بين طروادة وإيطاليا ثم تتبع ذلك”إلياذة“، عندما نرى في الأناشيد الستة الاخيرة ايني وهو يقاتل جنود الملك تورنوس من أجل احتلال وامتلاك لاتيوم.ولكن لا معنى للحديث عن سرقة أدبية. فبالنسبة لفيرجيل ومثقفي ذلك العصر، كان هوميروس معتبرا أساس الثقافة. كان النموذج، ولكن حينما باشر فيرجيل في كتابة الإنياذة كان بالأحرى يريد أن يتساوى مع هوميروس ويتحداه في عقر داره، في ميدانه. الهدف هو البرهنة على ان الرومان ليسوا تلامذة اليونان فحسب، بل هم أندادهم. 

مع تأكيدهم على أنهم”أبناء عمومتهم” أيضا، كيف يمكن أن نفهم أسطورة الأصول الطروادية لروما؟ 

كأسطورة طبعا اختلقت بعد قرن من احتلال اليونان من طرف اللفيف الروماني. ولا ينظر إليها قراء فيرجيل بعين الجدية ولو أنها تلعب دورا رمزيا، هو ذاك الذي يربط روما بالثقافة اليونانية العظيمة. مع إيني امتزجت الثقافة الهيلينية مع قوة وفضائل الأرض الإيطالية كي تعطينا روما. هي أسطورة لا يؤمن بها الرومان بالمعنى الحرفي و إنما هي اسطورة يتباهون بها. كان الفرق غير واضح آنذاك بين الاسطورة والتاريخ مثلما هو الحال اليوم. 

يرى بعض المعلقين أن الإنياذة كانت أيضا عملا دعائيا لصالح الإمبراطور أغسطس؟ 

حقيقة، ينتقل فيرجيل كثيرا بين زمن سرده الذي يجري خياليا حوالي سنة 1000 قبل الميلاد و عصره، و هكذا يقوم بتكريم أغسطس. و لكن يبقى من غير المعقول القول أن أغسطس هو الذي طلب كتابة الإنياذة من أجل الإعلاء من قيمة روما و حكمها. كان الشاعر فيرجبل رجلا وطنيا على الرغم من أن اسرته كانت حديثة عهد في رومانيتها إذ ولد في مانتو التي كانت آنذاك في مقاطعة لم تلحق بشكل كامل بإيطاليا إلا بعد أن بلغ فيرجيل سن الرشد. ولئن أشاد بإمارة أغسطس، فأولا لأن هذا الأخير قد جاء بالسلم ووضع حدا للحروب الأهلية المتوالية. و فرجيل نفسه أرغم على ترك أرضه جراء المعارك التي كانت ضارية. وهو السبب الذي ترك تمزقا في نفس فيرجيل. وإذن فبعفوية كاملة اختار الشاعر اللاتيني العظيم والمدرك لعبقريته أن يضع نفسه في خدمة الوطن في آخر حياته. 

المصدر 
 Paul Veyne
 Le Nouvel Observateur, H.S Janvier/Février 2013
 
 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق