تعليق تطرّفْ ودعنا نتصرف / سناء الجاك

يحكى أن مقاتلاً من “داعش” استشهد. ولما طلع الى السماء بحث عن جناح الحور العين ليأخذ نصيبه البالغ 72 حورية، على ما وعده أميره قبل استشهاده، فأرشدوه الى صف طويل التحق به ووقف ينتظر. بعد مرور أيام ملّ الانتظار، فتقدم الى طليعة الصفّ وسأل رجلاً في مثل حاله، منذ متى تنتظر دورك، فأجابه الرجل: منذ غزوة بدر.

وفي حين تسخر هذه الحكاية من الجزاء الحسن الموعود لـ“الجهاد” القائم على “جنة” و“جنس” وخلاص من الجحيم ونارها الزقوم، يبدو أن الطلب على الحور العين الى ازدياد، مع ازدهار موسم الاستشهاد على ضفاف الحروب المقدسة التي تحصد البشر وتنعش أسواق سلاح الدول الكبرى في اقليمنا.

المفارقة ان كل فريق من “المجاهدين” يحتكر الإيمان والجنة لحسابه، ولا تختلف عدّته عن عدّة خصمه، ولولا الرايات وما كُتب عليها، والتفاصيل المميزة في الهندام وارخاء الذقون وما اليه، لحسبنا أن المجاهدين المتطرفين أولاد منبت واحد وأبناء عمومة وخؤولة، سواء أكان الهدف “الخلافة الإسلامية” أم “الجمهورية الإسلامية” أم الدفاع عن المقامات والعتبات المقدسة.

اما الرغبة في التمايز لدى كل متشدد، فتبرز في استعظام الذبح من فريق لا يتورع عن تفتيت “الخصم” بمتفجرات هي غاية في براعة التقنيات، أو إغراق السوق بأنواع “ثورية” من الحبوب المخدّرة التي تستهدف من يُصنَّف عدواً أو عائقاً في وجه مخطط النفوذ المرتجى، مقابل التكفير الشامل والساحق لفريق آخر لكل من لا يبايعه ويبصم له بالعشر.

هذه الاختلافات العمودية والجوهرية لا تحول دون نقاط اتفاق على توفير عدة التطرف للراغبين أو الباحثين عن تحقيق خصوصيتهم وذواتهم وتتمارى فيها امراضهم النفسية وما الى ذلك.

نقاط الاتفاق بين المتصارعين على التراشق بالتطرف والكفر، تقضي بأن الجنّة تحصيل حاصل. بغية الوصول اليها يصبح الموت، قتالاً أو تفجيراً ذاتياً، تفصيلاً تافهاً. فالله أعطى والله أخذ. الحياة الدنيا ممرّ لا مستقرّ. مع الجنّة يأتي الترغيب بالجنس والتمتع بما ملكت أيمان المقاتلين من النساء، عاملاً جذاباً يشجع على التطرف وكسر القيود وتذليل العقبات المفروضة من القمع وضيق ذات اليد وما الى ذلك من ممنوعات اجتماعية ومادية يعاني منها الشباب العربي عموماً.

ليس جديداً استخدام الجنس والمرأة كأدوات لها مفعولها وسحرها في جذب أيٍّ كان الى أهداف مجموعة او أفراد لتحقيق مآرب بعينها. فالقرامطة اعلنوها جنة على الأرض، وشرّعوا العلاقات الجنسية والمخدرات وكل الممنوعات، وأفلتوا حبل القتل والاغتيالات على غاربه لفرقة الحشاشين المشهورة في تاريخهم.

المد الشيوعي في كثير من الدول العربية كسر المحرّمات الدينية في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، وفتح الباب واسعاً أمام من يشاء من الشباب، ذكورا واناثاً، لعلاقات جنسية بلا حدود وبلا حلال أو حرام.
اليوم وجد التطرف الديني باباً من أبواب المصالحة مع هذه المحرّمات، وأصبح توظيف الجنس والمرأة يتم بالحلال، ويقود من يقع في شباك هذا التوظيف الى الجنة مؤمناً وشهيداً ومعصوماً من الجحيم.

من هنا يشتد الاقبال على الترويج للجنس في صفوف مقاتلي “داعش” على اعتبار انه من أفضل المحفزات الناجعة، لما له من فوائد على الأرض كما في السماء. غني عن التذكير بأن الوعد بالجنة لا يكتمل من دون الحور العين. وإذا عدنا الى “غوغل” لوجدنا أن الحور العين خلقن من الزعفران ومن تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى، وأسفل أجسادهن من المسك وأوسطها من العنبر وأعلاها من الكافور. وشعورهن وحواجبهن سوادٌ خطّ النور. الحوراء، في الموسوعة الحرة، هي المرأة الشديدة البياض والمسودة حول العينين. في العقيدة الإسلامية الحور العين هنّ نساء أعددن لأصحاب الجنة من الرجال ويفوق جمالهن الوصف.

دائماً على ذمة “غوغل”، ثبت في السنَّة النبوية أن للشهيد اثنتين وسبعين من الحور العين. وأن أدنى أهل الجنة له زوجتان. منهم من له أكثر من ذلك. ليس بعيدا في الزمن، كان قد انتشر تشريع علاقات جنسية سرية تحت مسمّى ديني معروف هو “زواج المتعة”، ويستند من يروّج لهذه العلاقات إلى آراء فقهية مدعّمة بآيات قرآنية وأحاديث شريفة أجمع عليها كل مراجع الشيعة دون استثناء.

وفي حين خفتت الضجة الإعلامية المتعلقة بـ“المتعة”، الا انها لا تزال على رواجها ونشاطها، وقد أصبحت من الحقوق الشرعية في البيئة الشيعية الملتزمة، وهي على رغم فحواها السرية عندما تنشأ بين شخصين ما لم يقع ما يؤدي الى اشهارها كحمل زوجة “المتعة” فيفضي ذلك الى نقل الزواج الى الحيز المتقدم المعلن والاعتراف بالأبوة وفق الشرع المتبع في هذه الحالة.

يبقى ان تداول موضوع المتعة لا يدخل في باب الممنوعات، بل هو علني وعادي في أدبيات المجتمع الشيعي “المتدين الملتزم” على طريقة “حزب الله”، فمن يتعرف اليها سطحياً لا يفرّق بين المرأة الصالحة لـ“المتعة” والمرأة المحصنة ضدها بفعل الزواج، حتى أن امرأة أجنبية ارتبطت بشاب شيعي ملتزم، وعاشت معه علاقة جنسية لشهور عدة بعدما لقنها كلمات عقد المتعة بناء على مقدم ومؤخر صداق ولفترة محدودة، سألت صديقتها اللبنانية اذا كنت تمارس المتعة، وعندما نبهتها الأخيرة الى انها متزوجة (أي محصنة)، اجابتها الأجنبية أن حبيبها “الملتزم” متزوج ايضاً وزوجته تعرف بعلاقاته وترضى بها.

الرضا في هذا المقام يرتبط بالالتزام الديني للمرأة، تماماً كما هي الحال في تعدد الزوجات. فما يحصل في الحلال يبقى حلالاً. والرضوخ له واجب، حتى على قهر ومضض، ومعارضته مخالفة للشريعة.

لا جديد في هذا الطرح، فالجنس أكثر نزعة فطرية تؤكد أهمية الفرد، وتحديداً في المجتمع الذكوري، تقليدياً أكان أم تقدميا، وتستخدمه الأحزاب المتطرفة حتى غير الدينية، فكيف الامر في حال الاحزاب الدينية، التي توظف ما أمكن من مغريات في استراتيجيتها.

لأهمية هذه الأداة تستخدم كمكافأة للالتحاق بركب التطرف، لذا أقام تنظيم “داعش” في دولته الإسلامية، مركزاً للزواج فضلاً عن إرغام السبايا على الممارسة في بيوت تديرها “جهاديات”.

“السبي” مفردة نبشها التطرف من الجاهلية، وكذلك الرق، المقتصر حتى تاريخه على النساء والأطفال، ليلبي حاجة المتشددين الى ما يحفزهم على القتل والذبح والتدمير السائد حيث يرغبون بمد نفوذهم.

فقد نشرت صحيفة “كريستيان بوست” الأميركية مقالاً نقلت فيه ما كشفه أحد قياديي تنظيم “داعش” عما قام به التنظيم الإرهابي حين سيطر على المناطق الإيزيدية في سنجار بالعراق، على اعتبار ان المرأة غير المسلمة هي مكافأة صالحة، لا مخالفة شرعية في الاعتداء عليها.

وقالت الصحيفة في تقريرها: “قام المتشددون من داعش بفصل العذارى عن بقية النسوة اللواتي تم احتجازهن لغرض وحيد هو تقديمهن كجائزة إلى مسلحي التنظيم الذين يشاركون في القتال في الخطوط الأمامية”.

ونقلت معلومات الصحيفة ان مسلحي التنظيم جمعوا النساء المخطوفات من الأقلية الإيزيدية وفرقوا بين العذارى وبقية النساء لأن مقاتلي التنظيم يفضلون العذارى على غيرهن من المتزوجات والحوامل.

العذرية هنا فيها تحقيق أرضي لمفهوم الحور العين اللواتي يبقين عذارى لمزيد من تحقيق المتعة. وأكدت “كريستيان بوست” أنه حالما يحصل المسلّح على فتاته، يجبرها على اعتناق الإسلام قبل تزوجها، وحين ينتهي من “زوجته” يطلقها ليتزوجها مقاتل آخر.

وحشية هذا السلوك الاغتصابي، لا تشابه بالتأكيد مفهوم “المتعة” القائم على رضا الطرفين المتعاقدين لفترة “نكاح” شرعي قد لا تتجاوز ساعات. لكن لا بد من الإشارة الى ان القادة غير المنظورين يجيدون ترغيب القادة والعناصر المنظورين وحضهم على القيام بما يرمون اليه من مخططات توسعية تخدم مشاريعهم ونفوذهم، كأنهم يقولون لمن يرمي بنفسه الى هاوية التشدد: التحق بنا وخذ ما تشاء نفسك من ملذات.

تطرّفْ ودعنا نتصرف.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق