عبثية مبدأ الهداية في النصّ القرآني

تشكّل فكرة «الهداية» مقصدًا رئيسًا في القرآن، فعند استعراض مجمل النصوص التي جاءت في الحديث عن أهدافه ومقاصده، نجد أن الهداية تشكل حاملها الرئيس:
“ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين” البقرة 2
“تلك آيات الكتاب الحكيم، هدى ورحمة للمحسنين” لقمان 2-3
“طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين، هدى وبشرى للمؤمنين” النمل 1-2
لذا كان دعاء المسلمين الأشهر في صلاتهم”اهدنا الصراط المستقيم“، ومن هنا أيضًا جاءت أهمية «اتباع» ما جاء به القرآن من هدي، لتطبيق شريعته، والتمسك بأحكامه، وتبني تصوراته تجاه الكون والحياة، فنقرأ”اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء“الأعراف 3، مما يوحي بوضوح ما نزل، وبقطعية مؤداه، كما في قوله”ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم“الأحزاب 36، وهذا كله ينسجم مع فكرة الهداية، التي تتخذ صورة”السراج المنير“الهادي للحق في حالك الظلمات.
فهل تبدو فكرة”الهداية“هذه متماسكة تماشيا مع محوريتها في الفكر الديني؟ هذا ما سننظر إليه هنا.

إلهية أم بشرية؟


مما يمكن ملاحظته بالنظر والتأمل، أن النصوص القرآنية في مجملها يعوزها الجهد البشري في ترتيب الموضوعات، وفهم المعاني، واستيضاح المقصود، بالإضافة إلى كشف الغموض ووضع آليات تمنع التناقض وتزيل الالتباس، وهذا ما أنتج مكتبة ضخمة من التفاسير والموسوعات القرآنية، التي فاقت حجم القرآن نفسه، الأمر الذي أفقد الهداية معناها الإلهي وأحالها لهداية بشرية صرفة!
فإذا كان لدينا آيات تدعو إلى اللا إكراه، والاكتفاء بالبيان، وتدعم الحرية الدينية، مثل”لا إكراه في الدين“،”لكم دينكم ولي دين“،”فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب“،” فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر“إلخ
وكان لدينا في المقابل آيات تدعو لمقاتلة الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله، مثل”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر“،”واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل“،”فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد“الخ
فإن من يجعل أية السيف”فإذا انسلخ..” ناسخة لكل ما سبقها من آيات اللاعنف والحرية الدينية، إنما هو بشر ينتج هداية بشرية، تدعو إلى القتال ومجاهدة الكافرين، بأفهام متعددة، تنتج أشكالا متفاوتة من التطرف الديني.
وإن من يجعل آيات القتال منسوخة، باعتبارها قصصا قرآنيا لا يؤخذ منه الأحكام وإنما تؤخذ منه العبر فقط، ويقدم نسخة متسامحة من الإسلام، تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنّة لا أكثر، هو أيضًا بشر، ينتج هداية بشرية، بما لديه من أسلوب معين في الفهم.
وأيضًا من يوفق بين الآيات الأولى الداعية إلى اللاعنف، والآيات الأخرى الداعية إلى الجهاد، وفق منهج آخر، ويحاول أن يسلك مسلكًا وسطا بين استخدام القوة، واستخدام الحكمة، إنما هو بشرٌ كذلك.
ويمكن وفق هذا المنظور إعادة الاطلاع على أدبيات التيارات الدينية المختلفة، للانتباه إلى أنها رغم ما تدعيه من اتباع النصّ الإلهي إنما تتبع في المحصلة نتاج العقل البشري، وآلياته في الفهم والدراسة، لا غير، سواء أكانت تيارات متطرفة أم معتدلة، تتبنى روح العصر أو تحاول فرض رؤيتها على الحياة. وهي بالتالي لا تختلف بالجوهر عن التيارات التي تصفها بالوضعية، غير أن هذه الأخيرة لا تدعي أن رؤيتها للحياة معصومة من الخطأ، بل تطرحها في سياق من النقد المستمر، خلافا للتيارات الدينية التي تقدم فهمها على أنه إلهي، مزينة إياه بالنصوص المختلفة، بعد وضعها في السياق الفكري الذي اختارت، فإن للنص الواحد سياقات فكرية وعقدية وفقهية تختلف من تيار لآخر، فالصوفي يفهم مراد الآية غير ما يفهمه السلفي، وهذا الأخير يفهم الأية بأسلوب مختلف عن التيار الإخواني، وهكذا فإن المقولة الشهيرة “لا تجادلهم في القرآن، فإنه حمّال أوجه” صحيحة بالنظر إلى ما سبق، سواء ثبتت نسبتها إلى عليّ أو عمر أو لم تثبت.
ولعل التيار السلفي عندما صاغ شعاره “القرآن والسنّة بفهم السلف” كان يدرك بشكل ضمني أن هذه النصوص لوحدها غير قادرة على تقديم هداية من أي نوع، فإذا كان لابدّ من فهم ما، فليكن فهم السلف الأول، الذين أنزلت هذه النصوص عليهم، وهكذا بدا للوهلة الأولى أن الإشكالية السابقة قد حلّت باختيار فهم السلف الأول، إلى أن عادت الحيرة بعد التدقيق والنظر، واكتشاف تعدد أفهام السلف الأول عينهم، واختلافهم على الكثير من المسائل والقضايا، فتم إضافة وصف “الصالح” لترقيع الشعار، ليغدو “القرآن والسنّة بفهم السلف الصالح”، ولكن من يحدد من هم الصالحون ومن هم غير ذلك من سلف القرون الأولى؟ إنهم البشر مجددًا، أقطاب التيار السلفي هنا، الذين وضعوا معايير، يقبلون بها كون فلان من السلف الصالح أو لا، وهكذا نعود مجددا لصنائع البشر في الدين لا لوحي السماء، ولنكون أمام سلفيات متعددة كل منها يدعي وصلا بالسلف الصالح!

فريقُ آخر وعلى رأسهم الشافعي حاولوا الخروج من مأزق السلف الصالح باختيارهم الفهم النبوي مرجعًا وحيدًا لفهم القرآن، فكتب الشافعي قائلًا “القرآن أحوج للسنّة، من حاجة السنّة إلى القرآن”، والحاجة للسنّة، هي حاجة القرآن للتفسير والتوضيح، وأما اختيار السنّة بحدّ ذاته فلن يحل المشكلة كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل سيزيدها تعقيدًا، لنكون أمام أحجيات جديدة من نوع ما هي نصوص السنّة التي نسخت باقي النصوص، وما هي النصوص الصحيحة وتلك الضعيفة، بل وما هي معايير التصحيح والتضعيف، وما هي النصوص الخاصة بأحداث معينة وتلك العامة بكل حالة، ومتى يكون منعه بقصد التحريم ومتى يكون للكراهة، إلى آخر القضايا التي تحيل السنّة هي الأخرى إلى العقل البشري في إعطائها هذا المعنى أو ذاك، وبالتالي تحديد نوع الهداية التي ستقدمها للقرآن، وهكذا سنُراكِم تيارات دينية إضافية، دون الخروج عن دائرة الهداية البشرية.

خارطة مفاهيمية ضائعة

من أهم العوامل التي تشكك في وجود مقصد ذاتي للقرآن، غموض المفاهيم التي يستخدمها، وعدم وجود تعاريف واضحة لها، الأمر الذي فتح الباب مجددا للجهد البشري في محاولة استكشاف معالم هذه المفاهيم، ضبطها، ووضع الحدود لها، فجاءت الاختلافات، وحار الناس أي تيارٍ وأي هداية يتبعون.
لنقرأ مثلا الآيات التالية:
“والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون” المؤمنون 5-7
“ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا” الإسراء 32
فكيف نحدد معنى المفاهيم التالية: الزوجية، ملك اليمين، الزنا؟ وذلك كي نتمكن من الالتزام بمعنى الآيات بالشكل المقصود.
وعند تصفحنا لبعض أدبيات التراث يمكن لنا مثلًا أن نقرأ التعريف التالي للزنا : “هو تغييب رأس الذكر في فرج محرم مشتهى بالطبع من غير شبهة نكاح، ولو لم يكن معه إنزال”، فمن وضع هذا التعريف؟ هل ذكره القرآن؟ أم هو محاولة بشرية في رسم معالم غائبة، نيابةً عن نصّ لم يوضح مقصده. دون إغفال التفاسير الأخرى والتي تنسب الزنا للاغتصاب، أو التي تدعي بأنه العلاقة الجنسية مع امرأة متزوجة، إلخ..
والفرج المحرّم كيف يصبح حلالا؟ أقصد متى يقوم معنى «الزوجية» المحلل للعلاقة الجنسية، يمتلئ التراث بالإجابات التي تتحدث عن الأركان والشروط والمستحبات والمكروهات لمعنى النكاح، وهي تختلف كثيرا أو قليلًا، لكن لمَ يحوّجُنا القرآن في فهمه إلى غيره، ويترك المعاني سائبة في فيافي اللغة والفلسفة؟
وما يصحّ على ما سبق من مفاهيم، يصح على ما هو أخطر منها، كمعنى الإيمان، الإسلام، الكفر، الصبر، الشكر، الوالدين، الأبوين الخ..

هداية المهتدين

أما أغرب المبادئ التي طرحها النصّ القرآني فيما يتعلق بالهداية، فهو اقتصارها على المهتدين وحرمانها ممن هم بحاجة إليها، نقرأ:
“إن الله لا يهدي القوم الظالمين” المائدة 51 (ومواضع أخرى)
“إن الله لا يهدي القوم الكافرين” المائدة 67
“إن الله لا يهدي القوم الفاسقين” المنافقون 6
“إن الله لا يهدي من يضل” النحل 36
“إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار” الزمر3
بينما يقول القرآن أنه هدى ورحمة للمتقين، وللمؤمنين!

الاختلاف مذموم!

ما يزيد الإشكالية السابقة تعقيدًا، أن النصّ القرآني لم يقدم نفسه باعتباره إمكانية إلهية قابلة لقراءات بشرية متعددة، بحسب تنوع الأفهام، واختلاف الأماكن والأزمان وما يقتضيه تطور العصر، كما يحلو للبعض أن يقول، بل قدم نفسه باعتباره آيات بينات، بلسان عربيّ مبين (المعنى تكرر أكثر من عشرين مرة في المصحف)، بل وذم الاختلاف في مواضع كثيرة من سوره:
“ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك” هود 118
“ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد” البقرة 176
“وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم” آل عمران 19
“ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات” آل عمران 105
“إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء” الأنعام 159
لقد قدم القرآن نفسه ككتاب إتباع، للسير على الصراط المستقيم، فرقانا، هاديا، غير قابل لتعدد الأفهام، وغير متصالح معها، وهكذا طالب أتباعه بمخالفة ما ينتج عن طبيعته، المحتاجة إلى الفهم البشريّ، من تعدد واختلاف، الأمر الذي انعكس سلبًا على التيارات الدينية، التي تجد نفسها مدفوعة إلى إقصاء التيارات الأخرى، وادعاء احتكار الحقيقة وفق فهمها الذي هو مراد النصّ عينه كما تدعيّ، لتسليمها بعدم تصالح القرآن مع ثقافة التعدد.
ووفق كل ما سبق، لا يبدو النصّ القرآني جديًا في مبدأ الهداية، التي كثيرا ما يتفاخر المنتمون إليه بها (على اختلاف هداياتهم / مذاهبهم!)، معتبرين أنها ثابت واحد لا يتغيّر، وهي في الحقيقة مجموعة من المتغيرات!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق