البيان الختامي.. من فاس التأسيس، إلى فاس اليوم / رهيف فيّاض

مدخل

عانت فاس كثيراً من الاحتلال الكولونيالي الفرنسي، كما عانت من التأثير الأوروبي، المتعدِّد الأوجُه. إلا أن معظَمَ ما فيها اليوم، ينتمي إلى ماضيها العريق، ويمنحُها قيمةً نموذجيةً. لأنها حافظَتْ بالطريقةِ الفُضلى، على بنيانِها التاريخي الأصيل.

^ تُحدِّدُ هذا البنيانَ بالأساس مكوناتٌ متعددة، أهمُّها:
الماء بدايةً. وللماء دور رئيسٌ في المدن الإسلامية. ولم يكن اختيارُ الموقعِ لتأسيسِ مدينةِ فاس، سوى لوفرةِ الماءِ فيه. وادٍ منحدرٌ تكثرُ فيه الينابيعُ، ويجري فيه نهرٌ. بُنِيتْ المدينةُ على جانبيه، ورَسَمتْ شبكةُ توزيعِ المياهِ، مسطَّحَها.

الأسواقُ بعدَ الماءِ في تنظيمٍ مدينيٍّ متميِّز، يلحظُها في وسطِ المدينة، متصلةً بطرقِ التجارة الهامة، تلتصقُ بالجامعِ الكبيرِ، وتتمدَّد في النسيجِ المدينيِّ المكتظ.

الأحياءُ السكنيَّةُ بعد الأسواق، التي يلحظُها التنظيمُ المدينيُّ الإسلاميُّ، مفصولةً عن المنشآت التجاريةِ. إذ يُمعن هذا التنظيمُ، في فصلِ الأحياءِ السكنيةِ عن الحيِّز العامِ، معززاً عُزلتها. فتُدير المساكِنُ ظهرَها إلى الدروبِ، وتتموضَعُ معظمُ النشاطاتِ المهنية في الأسواق الرئيسَةِ، أو في الشرايين التي تُوصلُ إليها. تتلاصقُ البيوتُ في نسيجٍ متضامٍ، وكأنها نخاريبُ في جسمٍ واحدٍ. إلا أن القراءةَ المتأنية لمسطَّح المدينةِ، تُظهر كلَّ بيتٍ مفصولاً عن جِواره.

وقراءَةُ المدينة، انطلاقاً من مكونات بنيانها، تُظهِرُها في صورةٍ تتطابقُ، مع صورةِ الجماعةِ، أو مع صورةِ الأُمةِ، أمة المسلمين. يحدِّد الإسلامُ فيها مظهرين رئيسين:

^ فالإسلامُ، لا يميِّز بين الأفراد. والتعاليمُ الإسلاميةُ، هي دينية واجتماعية. وفي النسيجِ الاجتماعيِّ الإسلاميِّ، يذوبُ الفردُ في الجماعةِ، تماماً كما تختفي المساكنُ في كتلةِ المباني المتراصة.

^ وكلُّ مسلمٍ، هو فردٌ داخلَ الجماعة. إنه إمامُ أُسرته. وأسرتُه وأملاكُه حرامٌ. وما انغلاقُ البيت الإسلاميِّ على ذاته، وانفتاحُه على فنائه السماويِّ، سوى استجابةٌ واضحةٌ لحرمةِ البيت.

II

الماء مكوِّن رئيس، في مدينة فاس الإسلامية.

موقعُ مدينةِ فاس، هو جَانِبا وادٍ. اختير الموقعُ لغزارةِ الماء فيه. فكلُّ مياه السهلِ بينابيعه، تجتازُ الوادي. السيطرةُ على الوادي سهلةٌ من المرتفعاتِ التي تحوطُه. والموقِعُ ليس مثالياً من منظورٍ إستراتيجيٍّ، إلا أن وفرةَ الماءِ تغلَّبت عند الاختيار. فالوادي محفورٌ مثل الصدفةِ، ومن الممكن توزيعُ المياه على جانبيه انطلاقاً من المنسوبِ الأعلى فيه. يُحصَرُ النهرُ، ويُوزَّع على قنواتٍ تجتاز أحياءَ المدينةِ، وتُغذِّي البيوت. تُجمَّع المياهُ المبتذلة في مساربَ أخرى، ثم تعودُ إلى القنواتِ ذاتها، التي تقومُ بدورِ المجارير. يُشبه هذا النظامُ نظامَ الدورةِ الدموية، فيهِ الشرايين والأورِدة. تصبُّ المجاريرُ في مجرى وادي بوخرارِب، الذي ينتهي في نهرٍ في الأسفل.

يحتلُّ القسمُ الأكبرُ من المدينةِ، الجانبَ الأيسرَ من وادي بوخرارب. فرعٌ من وادي فاس يغذِّي الجانبَ الأيمنَ بالماءِ، في قناةٍ بُنيتْ خارجَ الأسوار. تجتازُ القناةُ مجرى وادي بوخرارب صعوداً، قبل أن تعودَ إليه نزولاً. يجعلُ هذا النظامُ من مدينةِ فاس مدينة ماءٍ حقيقية، حيث تُغنِّي النوافيرُ في كلِّ الشوارعِ والدروبِ، وفي الأفنيةِ داخلَ البيوت. نُفِّذتْ هذه القنواتُ في السنواتِ الأولى من القرن الميلادي التاسع، مع إدريس الثاني.

III

فاس والطرق التجارية الرئيسة، والخانات «الفنادق».

تقع فاس على تقاطُعِ طرقٍ تجارية، تربِطُ شاطىئ المتوسِّط بالصحراء. تجتازُ القوافِلُ هذه الطرقَ إلى داخلِ المدينة، وتربِط أبوابَها الرئيسة بالأسواقِ المركزيَّة. كل الطرقِ هي غير معبَّدة، وتضيق بالتدرُّج كلما اقتربت من مركز المدينة، ولا تنتهي عند ساحات، بل تستمرُّ متوغِّلة في متاهاتِ الدروب الضيقة، حيث دكاكينُ الحرفيين والتجار. معظمُ البضائعِ لا تصلُ مباشرةً إلى الأسواق المركزية، بل تُخْزنُ في الخاناتِ التي تحاذي الطريق، والتي تُستعمَلُ كمستودعاتٍ، وكفنادق. يتمُّ البيعُ بالمزادِ دورياً في الخانات. وانطلاقاً من هذه «الخاناتِ الفنادق»، تُوزَّع بعضُ الموادِّ في الأسواق. كلُّ التجارةِ وكلُّ الحرفِ، تتجَّمع حول الأسواقِ المركزية، أو في إمتدادِ الشرايين الموصلةِ إليها.

VI

المساكن في فاس.

أما المساكنُ فهي خارجُ هذه الشرايين. نصلُها عَبْر دروبِ الأحياء، المغطَّاةِ غالباً، بأجزاءَ مبنيةٍ ناتئةٍ فوقَها كالجسورِ، أو عبرَ متاهاتٍ مسدودةٍ في أطرافها. تتسلَّلُ هذه «الدروب المتاهاتُ»، إلى داخلِ مجموعاتِ البيوت. جدرانُ الدروبِ مُقفلةٌ، والبيوتُ متضامَّة. إنه تنظيمٌ محليٌّ أصيلٌ، لا يُمكنُ مقارنته بأي تنظيمٍ مدينيٍ غربيٍّ، ومن الخطإ الفادحِ تصنيفُه انطلاقاً من معاييرَ لا تصلُحُ إلا للمدنِ الغربية.

V

تجميعُ المهن الصناعية والحرف، وتنظيمُها.

تُجمَّع مختلفُ المهنِ الصناعيةِ والحرفِ، في أحياءَ أو في زواريب. إن في هذا التجميع نظامًا تعاضديًّا. ويرأس «أمينٌ»، الجسمَ المهنيَّ المتعاضِدَ، وهو منتخبٌ لخبرته المهنية المميَّزة، ولاستقامتِه الأخلاقية. ويعودُ له الحسمُ، في الخلافاتِ بين الأعضاءِ في الجسمِ المهنيِّ أو الحرفيِّ الواحد. ومفردةُ «أمين»، تعودُ إلى النموذج النبويِّ، رجلُ الثقةِ ورجلُ النضج. ونواةُ مجموعة الأحياءِ التجارية هي «القيصرية»، وهي سوقُ البضاعةِ الثمينة، كالنسيج الفاخرِ والمجوهرات، ولها أبوابُها الخاصةُ التي تُقفلُ ليلاً. ونجدُها في فاس بين الجامعَين الكبيرَين: الجامع الضريح لإدريس الثاني، وجامع القرويِّين. ولا ضيرَ في لحظِ السوقِ بجانب جامعٍ. إذ لم يرَ القرآنُ الكريمُ، ضيراً في الجمعِ بين زيارةِ الجامعِ والتفتيشِ عن الربح. إنه تفتيشٌ عن عطاءِ الله. ووفقاً لوجهةِ النظر هذه، لا تدنِّسُ الجامعَ السوقُ إذا جاورتهُ. فالعكسُ هو الصحيحُ، الجامعُ يباركُ السوقَ.

IV

صحون الجوامع الكبرى، والمجالات العامة. تنظيم المساكن مجدداً.

وتشكِّلُ صحونُ الجوامع الكبرى، المجالَ العام الأكبر داخلَ المدينة التاريخية. فالناسُ يجتمعونَ في صحنِ الجامعِ في حالةِ الخطرِ العام. أما السكنُ فقد ذكرنا أعلاه ميزاتِه الرئيسة، وهي انعزالُه، وانفتاحهُ على فناءٍ سماوي، يُنيرُ الغرفَ التي تحوطُه. إن هذا التأليفَ للمنزلِ، يلائم مناخَ فاس خلال فصلِ الصيف. يهبِطُ الهواءُ الليليُّ الباردُ في هذا الفناءِ، فيعبرُ هواءُ النهارِ الحارِّ فوق بئرِ البرودةِ هذا. وبعيداً عن الظروف المناخية، فإن تعاليم الإسلامِ حول الأسرةِ، هي التي حدَّدت شكل المسكن.

IIV

«فاس الجديد» على تخوم فاس التاريخية، «فاس البالي».

وفي القرن الرابع عشر، بنى ملوكُ السُلالةِ المرينية، مدينةً ملَكيةً في أعلى وادي فاس، في المكانِ الذي يُمكنهم منه، قطع المياهِ عن المدينة التاريخية في «فاس البالي». سمِّيت هذه المدينةُ الملكيةُ «فاس الجديد». وهي لا تزالُ موجودة بقصرِها، وبقصَبتها، وتتصلُ أسوارُها اليوم، بأسوارِ «فاس البالي».

IIIV

المدينة الكولونيالية الفرنسية، مدينة «الأوصياء»، الغرباء.

وفي هذا السهلِ العالي، بنى الفرنسيون «مدينةً كولونياليةً»، عندما أصبحوا أسيادَ المغربِ في العام 1912. مدينةٌ أوروبيةُ الطابعِ، مع ديكورٍ موريسكي مُلتبس. لم تتوقَّف «المدينةُ الجديدةُ» عن التوسُّع منذ بنائها. وقد ارتأى «ليوتِّي» والمخطِّط «بروست»، أن تُبنى المدينةُ الأوروبيةُ بعيدةً عن المدينة التاريخية، مفصولةً عنها، لا تؤثِّر مباشرةً في موقعها الطبيعيِّ وفي عِمارتها. ودارَ نقاشٌ حول هذه المسألةِ، إذ رأى البعضُ في القرارِ نوعاً من الفصلِ العنصريِّ والثقافيِّ. ومهما تناقضتِ المواقفُ، فقد ساهمَ هذا الواقعُ في المحافظةِ على المدينةِ التاريخيةِ في نسيجها المدينيِّ، وفي نظامِها المعماريِّ.

أما على المنسوبِ الاجتماعي، فقد أضرَّ التضادُّ بين المدينتين بالمدينة التاريخية. لأن المدينة الجديدة جذبَتْ إليها من المدينةِ التاريخيَّةِ إمكاناتٍ تجاريةً كبيرةً، وكلَّ المكوِّنات الإدارية فيها.

أُفقِرتْ المدينةُ التاريخيَّةُ، وأخضَعتْها المدينةُ الكولونيالية الأوروبية. إنها مأساةٌ تُسجَّل في سياقِ تدميرِ التكنولوجيا الحديثة لأنماط حياةٍ أكثرَ بساطةٍ على المنسوبِ المادي، مع إهمالٍ لصفاتها، وجودتها، وأصالتها.

تحدثُ هذه العمليَّةُ باتجاهٍ واحدٍ. ليس لأن طبيعة الأشياء تفرضُه، بل لأن انحيازاً ما، يُريد ذلك. فالتقدُّم، وإن اختُصِرَ في جوانبهِ الخارجيةِ، فهو ليس مسألةً عقلانية. فالواقعُ، هو أن المدينة الأوروبية الجديدة، حوت القصرَين الرئيسَين: قصرُ السلطة المدنيَّة، وقصر السلطة العسكرية. في ظلِّ الوصايةِ الفرنسيةِ بدايةً، وفي ظلِّ السطلة الوطنية لاحقاً. يُعطي هذا الواقعُ المدينة الأوروبية هيبةً خاصة. فالسكنُ فيها، لا يعني التمتُّع بالتسهيلات فقط – وهي مشكوك فيها – والتي تؤمِّنُها الحياةُ المسمَّاة حديثة، ولكنها مسألةُ مكانةٍ اجتماعيةٍ قبل أي شيءٍ آخر. وظاهرةُ التناقُضِ بين المدينتَين، لها حركةٌ مزدوجةٌ دائماً، مادية وبسيكولوجية. والحركتان تظهرانِ في حالتنا في المدينةِ التاريخية.

في البداية، تركتْ بعضُ العائلاتِ الغنية المدينة التاريخية، لتستقرَّ في المدينة الأوروبية الجديدة، أو في الدار البيضاء، أو في الرِباط، لتكونَ أكثر قرباً من المراكزِ التجاريَّةِ والإدارية. وتغييرُ عاصمةِ البلاد، واستبدالُ فاس بالرِباط، عزَّز هذه الحركة، وحرمَ مدينة فاس التاريخية من شريحةٍ كاملةٍ من العائلاتِ السياسية. ومنذ استقلال المغربِ، حيث كانَ من المفروضِ ملءُ المراكزِ الشاغرةِ بمغادرة الكولونياليين، أصبحَ النزوحُ عاماً.

نذكرُ في هذا السياقِ فصلُ الجسمِ التعليمي في الجامعِ الكبير – الجامعة، جامع القرويين، إلى خارج أسوارِ المدينة التاريخية. إن هذا الحدثَ تمَّ بعد حصولِ المغربِ على الاستقلالِ، وكان تأثيرهُ سيِّئاً في أوساطِ المدينة التاريخية. فالتعليمُ في هذه الجامعةِ التي تَجاوزَ عُمرُها الألف سنة، كان تعليماً مفتوحاً. وكلُّ زائرٍ للجامعِ، كان بإمكانه المشاركةَ في الدروسِ التي يُعطيها العلماءُ المسلمون، الذين كان لوجودِهم بين سكانِ المدينةِ تأثيرٌ حقيقي. فكثيراً ما كانَ الحرفيون والتجار، يُقفلون دكاكينهم لساعةٍ أو لِساعتين، لمتابعةِ بعضِ الدروسِ في الجامعة.

IX

النزوح المعاكس، إلى المدينة التاريخية.

نزحت العائلاتُ الميسورةُ عن «فاس البالي»، المدينة التاريخيَّة. ونزح إليها بالمقابلِ الريفيُّون الفقراء، الباحثون عن العمل. فدفعَ هذا الترييفُ للمحيطِ المديني التاريخي، المزيدَ من العائلاتِ إلى النزوحِ عنه.

كانت المدينةُ التاريخية في بدايةِ هذا الحراك، تقدِّم إطاراً جميلاً للحياةِ فيها. إلا أن الحراكَ الذي أشرنا إليه، رفعَ عدد الساكنين فيها إلى 250000 ساكن، وجعلَها أقلَّ جاذبية للسكان من أصولٍ مدينية. والنتيجةُ المباشرة لهذا الازدحام، هي تدهور حالةِ المساكن. فكلُّ الجهد في العِمارة المغربية، ينصبُّ على الفناءِ الداخليِّ، وعلى الغُرفِ التي تحوطُه. والبيتُ الكبير، الذي بُني ليعيش فيه جيلان أو ثلاثة من عائلةٍ واحدةٍ، سيتدهورُ بسرعةٍ، إذا ما جُزِّئَ أقساماً تُؤجَّرُ إلى عائلاتٍ ريفيةٍ فقيرة عدة، لا تملكُ القدرةَ المالية للحفاظِ على الأعمالِ الفنيةِ الموجودةِ فيه. كما يفقُد البيتُ الإسلاميُّ في هذه الحالةِ معناه، بوجودِ أسرٍ غريبةٍ عدة تسكنُ فيه. وتعايشُها حولَ فناءٍ داخلي واحدٍ، يغيِّبُ حُرمَة العائلةِ المُسلمة. ويؤدِّي إزديادُ عددِ السكان، الى تدهورِ شبكةِ الأقنيةِ التي توزِّع مياهَ وادي فاس على البيوت، كما يهدِّد قنوات المياهِ المبتذلةِ في وادي بوخرارب. لقد تلَّوثت المياهُ العذبةُ، وأضيفت إلى الشبكةِ القديمة، شبكةٌ حديثةٌ لتوزيع مياه الشفة. وأصبحتِ المجاري تُستعملُ للتخلُّص من النفاياتِ المنزلية، فأصبحَ بذلك وادي بوخرارب مليئاً بالنفايات.

مسائلُ عدَّة تتعلَّق بالنظافةِ، طُرِحتْ بوضوحٍ. إذ أُخِذ قرارٌ بسقفِ مجرى وادي بوخرارب الذي يجتازُ المدينة، بعد أن ملأته النفايات. سُقِفَ الوادي في الأعوام 1961 و 1968، بدءًا من نقطةِ دخولهِ في المدينة، وأُقيم طريقٌ معبَّد فوقه. أُوقِفَ السقفُ في مكانٍ قُربَ قلبِ المدينة، وحافظت المدينةُ بذلك، على العلاقةِ بين قِسمَيها على جانبَي الوادي. يشطُرُ طريقُ وادي بوخرارِب اليومَ المدينة بقسوةٍ، فيبدو وكأنه شرخٌ أحدثه قصف عنيفٌ، أو زلزال.

يخترق الوادي المسقوفُ المدينةَ، فيُشبهُ عمليةً جراحيةً أُجريت لمريضٍ فقدَ الأملَ بالشفاء. والعمليةُ الجراحية، لم تؤدِّ إلى نتائج وخيمة، ليس أقلُّها تعطيلُ أسواق المدينة التاريخية. والخطرُ يبقى قائماً، إذ يُخشى أن يُؤَدِّي النقلُ المُمَكنَنُ الذي يقتربُ من قلبِ المدينة، إلى إدخالِ أشكالٍ من التجارةِ تتناقض كلياً مع الأسواق التقليدية فيها، «كالمولات»، «والمخازن الكبرى»، المنتشرة اليوم.

نورد في هذا السياقِ، بعضَ الأفكارِ حول التجارةِ عند المسلمين، ليسَ في فاس وحدها، ولكن في كلِّ مدينةٍ إسلاميةٍ حافظت على تنظيمِها المدينيِّ التقليدي.

إنه مثال لغوي، يساعِدُنا على فهمِ بعضِ المصطلحات. إذ يعتقد البعضُ، بتغييرٍ في معنى المفردَةِ العربية «رزق»، حصل في لغةِ التجار الفرنسيين والإيطاليين في عصرِ النهضة. فكلمةُ Risque بالفرنسية، وRisco بالإيطالية، أصلُها عربي «رزق». والرزقُ، لا يعني المخاطرة، أو الخِسارة المُحتملة، الموجودتان في المفردتين، الفرنسية والإيطالية. «فالرزق»، باللغة العربية، هو العكسُ تماماً. إنه كسبٌ ممكنٌ، أو إنه ما يحصلُ عليه الإنسانُ ليبقى على قيدِ الحياة. من أين أتي تغيير المعنى هذا؟

بالنسبة للتاجر الأوروبي، الربحُ، هو الناتج المحتَملُ من عمليةٍ تجاريةٍ، والمخاطرةُ هي المجهول. أما بالنسبة للتاجر المسلمِ، فالربحِ هو المجهولُ، وهو في الوقت ذاته مقدَّرٌ. في حين أن العملية التجارية ليست سوى سببٌ ظرفيٌّ. إنها شبكةٌ ممدودةٌ بهدفِ الكسبِ، والغذاءُ المقدَّرُ يظْهرُ. والهامشُ غيرُ المنتظرِ، لا يحملُ المعنى ذاته عند التاجرين، فهو سلبيٌّ عند التاجر الأوروبي، وإيجابيُّ عند التاجرِ المسلم. وفي العمليَّةِ الحسابيةِ، التصرُّف هو واحدٌ عند الطرفين، أما الاختلافُ فهو في المواقف، وبالتالي في العادات.

وفي هذا الأفقِ يوضَعُ المبيعُ بالمناداة (Vente au criée)، الموجود بكثرة في المدنِ الإسلامية، كما توجدُ فيها أيضاً، عادةُ المساومة. فالأسعارُ متحرِّكة، وفُرصُ الكسبِ غيرِ المنتظَر، تكثرُ بذلك.

يُقيم التجار دكاكينهم حول الأمكنةِ حيثُ تباعُ السلعُ بالمناداة. وللاستجابة إلى ذلكَ، في التنظيم المديني وفي التأليف المعماري، تقومُ في المدينةِ الإسلاميةِ منشآتٌ متغيِّرة، من الخانِ ذي الفناء الداخلي، إلى ساحةِ السوق المسقوفةِ بالقصبِ، تَحوطُها الدكاكين. ساحاتٌ مثل هذه، تُجاورُ الشريانَ التجاريَّ الرئيس في وسطِ فاس. إنها التعبيرُ الأصيلُ عن تنظيمٍ مدينيٍّ جماعيٍّ، ذي جودةٍ عالية.
X

الحرفُ في فاس.

وجود الحرفِ الكثيرة في فاس، يُبعد عنها صفةَ المدينةِ المُتحف، أو المدينةِ المهجَع، التي تُؤوي ليلاً العمَّال الفقراء الذين يعملون خارجها، في المدينة الكولونيالية الأوروبية. إن 10% من سكان فاس حالياً، أو ربَّما أكثرُ من ذلك، هم حرفيُّون. إلا أن الضغطَ على الحِرَفِ كبيرٌ، ومصدرهُ الصناعة المحدثة. لكنَّ المهنَ الحرفيَّة، تلبي حاجاتِ سكانٍ ريفيين، لا تستطيعُ الصناعةُ ان تستجيب لمتطلباتهم. فالفلاحون في أكثريتهم، يستعملون سكة الفلاحة الخشبية، مع رأسٍ من الحديد أو بدونه. تتجهُ بعضُ المهنِ في المدينةِ التاريخية نحو التحديث، باستعمال أدواتٍ تقطعُ المعدنَ وتطويه، وأخرى تُستَعملُ لخياطَةِ الجلد. ولكنُّ بعضُ المهنِ الحرفيَّةِ، تقاومُ تيَّار التحديث هذا. وتبقى بعضُ الفنونِ التقنية كما كانت منذ قرونٍ عدة، وهي تزدهرُ وتنتعش رغم كل ما ذكرنا. فهي جزءٌ في نظامٍ اقتصاديٍّ متكاملٍ، الاستثمارُ الماليُّ فيه ضئيلٌ، والخِسارةُ في الموادِّ المستعملةِ غير موجودة.

فمادةٌ مثل الجلدِ مثلاً، أو الصوفِ، أو الحريرِ، تصلُ إلى المدينةِ بحالتِها البدائيةِ. فتطالُها مجموعةٌ من التحوُّلات بمرورِها من مهنةٍ إلى أخرى، بحيثُ لا يبقى في نهايةِ السلسلةِ أية نفاياتٍ ترمى. فقرونُ البقر، وناتجُ عصيرِ الزيتون، وغيرُها، تصلحُ كلُّها لأن تكونَ موادَ للعملِ. والحرفيُّ لا يحتاجُ إلى رأسمالٍ، فهو غالباً ما يستدينُ مبالغ زهيدة ليشتري بها مواد عمله. وأدواتُه شديدةُ البساطة. وكلُّ مهنته هي في مهارتِه اليدوية الموروثة. في حين أن الصناعة، تقومُ على «الماكنة»، التي أصبحتْ أداةً شبه مستقلة. فهي تستطيعُ تحديدَ إيقاع العملِ، وصولاً إلى تجديدِ طرُزِ أو «موديلات» السِّلعِ المُنتَجة.

تعملُ السياحةُ جزئياً لمصلحِة استمرارِ بعضِ الحرفِ اليدوية. فهناكَ بعضُ الجلديات والنحاسيات التي يعملُ فيها حرفيون كثرٌ. تستمر هذه الحرفُ جزئياً، بفعل السياحة. والطلبُ السياحي هذا، يدفعُ هولاء الحرفيين، إلى القيام بتسوياتٍ مهنية، إرضاءً لزبائنهم. فستنتهي هذه التسوياتُ المهنية إذا استمرت، إلى تدميرِ الصُّنعة الحرفيَّةِ المميَّزة. إذ لا تقومُ التقاليدُ الحرفيةُ على إعادة إنتاج موديلات جاهزة، بل على نقلِ مجموعةٍ من النماذج أو من الأشكالِ المفاتيحِ، القابلةِ للتنسيق أو للتطوير، مثل اللغة التي نسيطِرُ عليها لأننا نعرفُ مفرداتِها، كما نعرفُ قواعدَ التأليف فيها. وعندما يخرج الحرفيُّ من هذه اللغة التي لا يمكن لأحدٍ أن يستبدلَها، فهو يفقُدُ الصلةَ بالنبع الذي غَرف منه أجدادُه إلهامهم، وإبداعهم.

في الأمرِ انزلاقٌ خطيرٌ، يهدِّد أصالةَ الإنتاجِ الحرفيّ في فاسِ التاريخية.

XI

فنون الزخرف في العمارة الفاسية التقليدية.

الزلِّيج، والنحتُ على الجبس، وتجميعُ الخشب في هياكلَ حاملة… إلخ.

لا يهدِّد الانزلاق الذي أشرنا إليه أعلاه، فُنونَ الزُخرفِ في العِمارة. إن بقاءَ هذه الفنون حيةً، هو الذي يضمنُ الحياةَ، لمعظمِ المعالمِ المعمارية، مثل المدارس المارينية التي تعدُّ من أجملِ المنجزاتِ في العمارةِ الفاسية والمغربية. فالديكور في هذه المدارس، هو ديكور رقيقٌ، رهيفٌ، سريعُ العطب. وهو مصنوعٌ بمهارةٍ استثنائيةٍ من خشبِ الأرزِ، ومن الجبسِ، ومن الزلِّيج. وهو بحاجةٍ لأن يُجدَّد بمهارةٍ وبشكلٍ دوري. فالحرفيُّون المعلّمون المهرة، هم موجودون. إلا أن الأموالَ هي غيرُ كافية.
XII
مصلحة المعالم التاريخية، والأوقاف، وأعمال الترميم في فاس التاريخية.

إن ما ذكرناه، هو ملاحظةٌ سريعةٌ، تتعلُّق بالمنشآت التي تُديرها مصلحةُ المعالم التاريخية، ومنها المدارسُ المارينية التي ذكرناها. أما بالنسبةِ إلى المساجد – الجوامع، فالوضعُ مختلف، إذ تديرها مؤسسةُ الأوقاف. والأملاكُ العقاريةُ للأوقافِ الإسلامية في فاس التاريخية، تتعدَّى نصف المنشآت فيها. فإن هذه الأملاك، هي مخصصَّة للنشاطات العامة. ومن بينِ هذه النشاطات التعليمُ العام، وهو في حالِ انقراض شبه كامل. والمباني المخصصة لهذا التعليم فقدَتْ قيمتها.

XIII

فاس غداً، في رؤية مختصرة.

مدنٌ كثيرة في عالم اليوم، هُدِّمت كُلياً أو جُزئياً بفعلِ الحروبِ أو بفعل الزمن. جُدِّدت هذه المدنُ بكلفةٍ كبيرة. وبرهنْت أعمالُ التجديدِ، أنَّ معلماً تاريخياً، لا يظهرُ معناهُ الحقيقيُّ، ولا يسطعُ جمالُه، إلا في بيئته الأصلية. وكلُّ معلمٍ ذي معنى، هو جزءٌ من كلِّ مدينيٍّ، لا يُمكن إزالتهُ، دون أن يفقدَ هذا الكلُّ المدينيُّ معناه.

وأظهرتْ تجاربُ أخرى، أن معلماً نصُبياً كبيراً كمدينةٍ بكامِلها، لا تمكنُ المحافظةُ عليها، إلا بمقدار استخدام مبانيها لأهدافٍ راهنة. أي الانتفاعُ بها، والعيشُ فيها. فالمهمة الأولى المطروحةُ، أمام الذين يريدون إنقاذ مدينة فاس التاريخية، هي تحسين شروط العيش فيها. وعلى هذه العملية أن لا تُسِيء إلى القِيمِ التاريخيَّة، والمِعماريَّةِ، والرمزيَّةِ، للمدينة الاستثنائية. وبدونِ هذا الحرصِ، لن يكون للعملية برمّتها أ

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق