ابن رشد والفتنة (2)

كثيرا ما يجرى التحذير من الفتنة والتنبيه إلى مخاطرها، ووصف مثيريها بالخسة والجبن، فهم يشعلون نارها ثم يولون الأدبار حيث نقرأ على سبيل الذكر في بخلاء الجاحظ ما يرد على لسان الأحنف بن قيس في رسالة سهل بن هارون إلى بني عمه “لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار”(1).

وفي الفتنة تتحول الضحية نتيجة تأثير الشحن الطائفي وملء الصدور بالكراهية والاستلاب الديني إلى جلاد ووحش كاسر يفتك بنفسه وبالآخرين المخالفين لمعتقداته، ويصل ذلك إلى حد الهوس بما يقوله الشيخ والزعيم والإمام والفقيه الذي يحكم قبضته على الأتباع والمريدين بخطاب الطائفة والمذهب، حيث تسود ظواهر القتل والتمثيل بالجثث وهتك الأعراض في انتهاك للقيم التي عادة ما يجرى التقيد بمعاييرها في أوقات السلم .

ومن خلال الفتنة قد تدمر الملة نفسها فتصبح عرضة للأطماع وفريسة يسهل الفوز بها، لذلك نجد حرصا على تفادي الفتنة ولو بالتضحية بالحرية أحيانا فسلطان غشوم خير من فتنة تدوم. والفتنة إكراه الناس بالقوة والإرغام والسيف والسنان على تغيير أفكارهم ومعتقداتهم وعاداتهم، والتخلص منها باعتبارها باطلة وتقديم أخرى لتقوم مقامها على أنها صائبة، وتقود صاحبها إلى السير على الصراط المستقيم، فإذا ما رفضوا قطعت رقابهم وسبيت نساؤهم واستبيحت أملاكهم.

وهي تقترب من أن تكون حربا أهلية عندما تبلغ ذروتها فتحتكم الأطراف المتصارعة فيها إلى السلاح. وهي في المجتمعات الراكدة غالبا ما تعيد إنتاج ذاتها بصورة تكاد تكون دورية، في محاولة متكررة لنصرة هذا المذهب أو ذاك، وبالتالي فرض سلطانه على بقية المذاهب، أو ببساطة إلــغاؤها، أما الفتنة في درجتها الدنيا فإنها تؤدى وظيفتها كمقدمة لحرب أهلية.

والفتنة في وجه من وجوهها وبغض النظر عن درجة تطورها وخطورتها تجلِّ عنيف لصراعات سياسية مغلفة بالعقيدة، لذلك يتم فيها العزف على وتر الوفاء للأسلاف والتشهير بالأخلاف الذي خانوا مبادئهم وحادوا عن سبيلهم فكفروا، فيمارس من خلالها وأثناءها الماضي سلطانه متحكما بالحاضر فيمسك الأموات بتلابيب الأحياء ويجعلونهم يتقاتلون فيما بينهم مثلما تقاتلوا هم قبل قرون خلت، فترفع الرايات والشعارات القديمة مجددا، وتتردد نفس الكلمات والجمل والخطابات أو ما يشبهها، بل حتى الألبسة والأسماء والألقاب تتم استعارتها غالبا من الأسلاف.

 وإذا نظرنا إلى الفتنة من زاوية التاريخ الإسلامي أمكننا ملاحظة أن تاريخ المسلمين هو تاريخ فتن منذ مقتل عثمان حتى الآن، بل إننا نجد مقدماتها الأولى في الفترة المحمدية نفسها، عندما اتهم ذو الخويصرة النبي بالجور في توزيع الغنائم مثلا، فضلا عن اتهام آخرين له باختلاق الآيات وتغييرها والتصرف فيها بحسب ما تقتضيه المصلحة السياسية، فالفتنة تخترق أغلب مراحل ذلك التاريخ، وكل فتنة يقول مشعلوها إنهم مصلحون، ولكنهم ينتهون إلى المزيد من تعكير الأوضاع وانطلاق فتن جديد فالفتنة متنقلة مترحلة في المكان وفي الزمان.

ورغم ما ذكرناه من مضارّ الفتن فإن المرجعية الدينية تضفى عليها أحيانا صفة ايجابية، ففيها عبر ودروس لقوم يعقلون، فهي تتخذ شكل المحنة التي يسلطها الله على عباده ليستفيدوا منها في تقوية إيمانهم واكتساب القدرة على التحمل والتخلص من الوهن، فكأنما تتطهر الملة من أوجه ضعفها بالفتن.

وهي تختلف عن مفهوم التدافع الذي يرد في الآيتين : “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ(2)” ،“وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا”(3)، فالتدافع يحيل إلى صراع ايجابي بناء بينما تحيل الفتنة غالبا إلى ما هو سلبي كما بينا.

ومن زاوية النظر الفلسفية كما بلورها ابن رشد فإن الفتنة تقسيم لصفوف الملة لذلك فإنها تمثل أذى يتوجب دفعه، وقد وظفت الفتن لتبرير القمع وتقوية شوكة الدولة حينا، وأدت أحيانا أخرى إلى هلاك بلدان وأقوام فذهبت ريحهم، خاصة عندما تمكن منهم أعداؤهم الطامعون منذ زمن طويل، فانتظروا حتى تصبح تلك البلدان ثمرة يانعة وعندما حانت الفرصة قطفوها، وهو ما ألمحنا إليه. وقلما خلا تاريخ أمة من الفتن التي هلكت بسببها إمبراطوريات ودول.

ولتفسير الفتنة إسلاميا أو تبريرها فإنها كثيرا ما توضع على كاهل طرف خارجي، مثل اليهود والنصارى والماسونيين، وخاصة عندما تشارف على نهايتها، أو عندما يؤرَّخ لها إسلاميا وقد حطت أوزارها، للإيحاء بأن المؤمنين إخوة أضلهم الأعداء الذين يتم إلباسهم لبوس الشياطين الموسوسة في الصدور، فنحن أبرياء وهم فعلوها بنا ولكن لماذا استجبنا نحن لها؟ هذا ما يتم التغافل عنه للتفصي من المسؤولية، فالفتنة تحدث عندما تكون هناك قابلية لها، والأمة التي لا تقبل الفتنة يعسر تفشيها بينها، فمن تكون له القابلية لأن تفعل به الأفاعيل لا يجب أن يلوم الآخرين على ما فعلوه به.

ويروج إسلاميا الاعتقاد أن الفتنة نائمة في الأمة إلى أن يأتي من يوقظها، فتحرق الأخضر واليابس وترتفع ألسنتها لتصيب الجميع فيتفسخ المجتمع، وعادة ما تبدأ الفتنة بأحداث صغيرة سرعان ما تتتالى لكي يكبر حجمها، إنها قبس من نار يتحول إلى حريق شامل.

وغالبا ما تمد الفتنة جناحيها لكي تغطى المجتمع أو الملة بأسرها إذ يكتوي بنارها الجميع، حكاما ومحكومين، وأحيانا تفلت من قبضة مشعليها لكي تلتهمهم هم أنفسهم، فهي قد تبدأ بحدث بسيط ولكنه يكون مثل شرارة تحرق السهل كله، وهي إذا نظرنا إليها من حيث الكمون فإنها فتنة دائمة، وعندما تقفز إلى السطح تكون فتنة متدحرجة، إذ يسهل انتشارها في بلدان لا تزال تحت سلطة الماضي التليد، حيث تمارس العادات والتقاليد والموروثات نفوذا آسرا على البشر، وبالتالي فإن من ينجح في تحريكها وحشدها في اتجاه إشعال نارها يمكنه تحصيل مبتغاه، ويكفي أن يقدم نفسه في ثوب حارس العقيدة أو الطائفة والعشيرة لكي تسير وراءه الحشود مغمضة العينين.

وإذا كانت المصادر الإسلامية تفسر ذلك بمرض في القلب والدين ولوثة في الفكر، وتدعو للتحلي بالصبر إزاءها لقول الآية “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا”(4) فإن الفتنة في جوهرها تعود إلى أسباب أكثر عمقا، وقد وقف ابن رشد على جانب منها وهي الأسباب السياسية والإيديولوجية، فكشفه لما يزرعه المتكلمون بآرائهم المتضاربة يتنزل هنا بالذات، فالملة أصابها الخلل والاضطراب جراء تشغيباتهم، فهم لا ينقلون للناس الحقائق ولا الفضائل ولا يتبعون البراهين بل الباطل، فيقلبون الآراء إلى ضدها ويقوِّلون المخالفين ما لم يقولوه لتحقيق أغراضهم، فغرض المتكلمين ليس حفظ الدين والذود عنه بل الاتجار السياسي به. وغنى عن البيان أن وجهة نظر ابن رشد تدرج ضمن تلك المقاربة التي ترى أن الدين ليس هو الحاكم وإنما الحكام الحقيقيون هم المتكلمون والسلطة السياسية المتحالفة معهم، فـ“الدين يهيمن بالفعل ولكنه لا يحكم في أي مكان، وعلى الرغم من ذلك فإن الخطاب الاجتماعي يقول إن الله أو الدين الموحى هو الذي يحكم، أو ينبغي أن يحكم، ولكن الواقع يكذب هذا الخطاب ويقول بأن الحكام الفعليين ليسوا خاضعين أبدا لكلام الله، ولم يخضعوا أبدا له حتى في القرون الوسطى”(5).

تجد الفتنة منبعها بحسب ابن رشد في التأويلات المتضاربة، التي أضحت صناعة يتعاطاها صنف من الناس يسمون المتكلمين، مصرحين بها إلى الجمهور فاختلفوا وكفروا بعضهم البعض “فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق”(6).

وهو لئن خص المذهب الأشعري بمعظم نقده فإن ذلك لا يعنى استثناءه لغيره من المذاهب الكلامية، وإنما اتخاذه له كنموذج فقط لما كان عليه المذهب المذكور من انتشار في زمانه، ففيه يتجسد خطاب الفتنة وباسمه نطق الغزالي الذي يتهمه في تهافت التهافت بتحيزه للأشعرية فـ“قوله إنه ليس يقصد في هذا الكتاب نصرة مذهب مخصوص إنما قاله لئلا يظن به أنه يقصد نصرة مذهب الأشعرية”(7).

وما بدأه ابن رشد في الفصل يتابعه في الكشف فالهاجس هو نفسه أي مواجهة علم الكلام، لا من جهة النظر فقط في مسائل مثل ذات الله وصفاته والقضاء والقدر الخ.. وإنما أيضا على مستوى العمل وخاصة المستوى السياسي، اعتبارا لما سببه تأويل المتكلمين ونشره بين عموم الناس من صراعات وفتن.

واللافت حرصه على تأكيد أن المتكلمين ليسوا مع الجمهور ولا مع الفلاسفة، فهو يريد التمييز بينهم وبين الجمهور، فـ“الطرق التي سلكها هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوضعين معا : أعنى أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانيه فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور” (8). وفضلا عن هذا فإنه يرسم خط فصل بينهم وبين العقيدة الحقة، فـ“الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله سبحانه ليست طرقا يقينية، ولا طرقا شرعية يقينية”(9) فطرقهم غامضة بالنسبة إلى الجمهور وهي ناقصة بالنسبة إلى الفلاسفة فهم سفسطائيون. 

ويكشف أبو الوليد عن تعصب هؤلاء المتكلمين، حتى أن فرقة من الأشعرية كفرت من لا يأخذ بكلامها حول معرفة الله فيقول معلقا إنهم الكافرون والضالون بالحقيقة فهم باختلافاتهم ضلوا وأضلوا، مذكرا بالصدر الأول للإسلام أو ما يعتبره اللحظة الذهبية، حيث كانت الملة موحدة خالية من الفرق المتصارعة والتأويلات المتباينة، وحتى من تأوَل من الصحابة لم يفش ذلك للناس، وعندما جاء المتكلمون قلت التقوى وتفرقت الملة، يقول “وذلك ظاهر جداً من حال الصدر الأول، وحال من أتى بعدهم، فإن الصدر الأول إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم ير أن يصرح به. وأما من أتى بعدهم فإنهم لما استعملوا التأويل قل تقواهم وكثر اختلافهم وارتفعت محبتهم وتفرقوا فرقاً.”(10)

وإذا كانت الفتنة تجد في المتكلمين مصدرا إيديولوجيا لها فإن ابن رشد يتصدى لها من موقع العارف ببضاعتهم، ويتفق أغلب من أرخوا له مثل ابن الأبار وابن أبي أصيبعة والذهبي وابن فرحون، على أنه كان فقيها بارعا واسع الاطلاع، فقد كان يُفزَع إلى فتواه في الطب كما يُفزَع إلى فتواه في الفقه، متأثرا بنشأته في عائلة تشتغل بالفقه فأبوه وجده كانا فقيهين لامعين، كــما كان متميزا في علوم الحديث، وأخذ عنه كثيرون، هذا فضلا عن درايته بالفلسفة.

وإذا كان أعداؤه قد ذكروا خلال محنته أنهم يبتغون حراسة المدينة من مخاطر كفره فإنه على عكس ذلك كان مفعما بحبها، منخرطا في الذود عنها ضد أعدائها، فحب قرطبة والمدن الإسلامية لديه جعله يقف ضد أفلاطون في تلخيصه للجمهورية(11)، وفي الكليات في الطب وقف ضد جالينوس الذي قال إن أجود هواء هواء اليونان فقال هو إنه هواء قرطبة ويذكر أنه كان ذات يوم في مجلس المنصور مع أبي بكر بن زهر المشهور بطبه، وكان من اشبيلية، فتكلم ممتدحا مدينته فرد عليه ممتدحا قرطبة.

وهكذا فإن مواجهته للمتكلمين تتم من منطلقين مترابطين، أحدهما علمه، والثاني التزامه بالدفاع عن مدينته ودفع الأخطار عنها، ومن بينها الفتنة. ومن هنا حرصه على تدبير شؤونها، ومنهما تنبع تلك المقايسة بين المدينة والكون لديه، فهو يشبه تدبير الكون بتدبير المدينة التي يجب أن يسودها التناسق والانسجام والنظام، تماما مثل الكون المنتظم وفق ما أرادته حكمة خالقه، فكل فوضى في المدينة إنما تؤدى إلى خرابها، والفتنة تندرج ضمن هذا الإطار بالذات لذلك تهدد المدينة بالزوال و الاندثار.

الهوامش:

1- الجاحظ )أبو عثمان عمرو بن بحر )، كتاب البخلاء ، طبعة ليدن 1900 ، ص 10 ، موقع مكتبة المصطفى : http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot3/gap.php?file=i001145.pdf

2- سورة البقرة، الآية 251

3- سورة الحج، الآية40

4- سورة الفرقان الآية 20

5- محمد أركون، العلمنة والدين، الإسلام المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح الطبعة الثالثة، بيروت : دار الساقي 1996، ص ص 30/31. ويكشف أركون عن ما يتلبس زعم التماهى بين الحكم والدين من خيال فـ“القول بأن هذه الحكومة أو تلك في السياق المسيحي أو الإسلامي أو أي سياق آخر مرتكزة على إرادة الله، يعنى السقوط في نوع من الخيال أو المتخيل” المرجع نفسه، ص 31 .

6- ابن رشد، فصل المقال، مصدر سابق ، ص 122.

7- ابن رشد، تهافت التهافت، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998 ، ص 195.

8- ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998، ص 24.

9- المصدر نفسه، ص 64.

10- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 124.
11- ابن رشد ، الضروري في السياسة : مختصر كتاب السياسة لأفلاطون نقله من العبرية إلى العربية أحمد شحلان، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998، ص 82. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This