ابن رشد والفتنة ( 3 )

 لدرء الفتنة ينبغي الاعتناء بإصلاح العقيدة، هذا ما رآه أبو الوليد و هنا بالذات يتنزل مشروعه الفلسفي الذي يدور في جانب كبير منه حول إشكالية العلاقة بين الدين و الفلسفة، و الدين و السياسة، والدين والمجتمع كما ذكرنا، فقد ابتغى استنطاق عمقها العقدي فقام بمراجعة النص المقدس قرآنا و حديثا في ضوء مشكلة الفتنة و ما اتصل بها من تأويلات متضاربة متناقضة. وهو ما نجده بالأخص في ثلاثيته، ونعنى الفصل والكشف وتهافت التهافت، فضلا عن فحص التجارب التاريخية لأنظمة الحكم الإسلامية واليونانية، وهو ما تضمنه تلخيصه لجمهورية أفلاطون، ولا تخلو بقية كتبه من إشارات و تنبيهات على هذا الصعيد بالذات.

ومن هنا كان تحليله لعلل الفتنة وتفكيكها للحيلولة دون انفجارها في مدينته، التي كانت تسير نحو هلاكها، وهو ما أدركه،  غير أن ما قاله لم يكن صالحا لتلك المدينة وحدها، إنما للمدينة الإسلامية في كليتها فهو لم يعمد إلى إغماض العين عنها، وصرف النظر عن الخوض فيها بل بالعكس ذهب إلى قلبها، ليفاوض و يناظر المسؤولين الأول عنها وهم المتكلمين، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه إزاء السلطة السياسية في زمانه، و لكن بحدة أقل، والمفارقة أن المدن الإسلامية لم تقبل على ما قاله، بينما ستجد أفكاره في الغرب اللاتيني الاهتمام الذي يليق بها.
لقد واجه ابن رشد مثيري الفتنة،  مبينا أنهم في غربة عن الدين، كما بين غربتهم عن الحقيقة ، فهم مجرد جدليين و خطابيين لا برهان في كلامهم، و بالتالي فإنه يواجههم على صعيد فكرى / ايديولوجى مستخلصا أنهم ينطقون باسم قوة سياسية اجتماعية تريد السيطرة أو إدامة السيطرة بتوسل الدين، حتى لو تطلب ذلك إشعال لهيب الفتنة.  

و في سبيل ذلك اهتم بمشكلة التأويل، مبينا أن هؤلاء أفشوا العلم لغير أهله، و خاضوا فيما يقسم الملة دون برهان، و أنه كان علي كلامهم أن يظل في حدود الخاصة، فمخاطبة الناس تخضع لشروط، أي إنه يتوجب مخاطبتهم بما يفهمون، و هو ما نبه إليه الشرع نفسه، و عندما لم يلزموا تلك الحدود سببوا الأذى للأمة، فغاية ابن رشد تتمثل في تبصرة ضحايا الفتنة بما لا يعلمون، معتبرا ذلك شرطا من شروط دفع شرورها،  و بالتالي فإنه إذا كان المتكلم يستنفر سلطة العامة في تلك المعركة بتحريك مشاعرها و عواطفها و تخيلاتها، تحيزا إلى مذهب أو طائفة، فإن الفيلسوف ممثلا في شخص ابن رشد يعمل على فتح أعين هؤلاء الضحايا، حتى يروا ما لا يرونه، أو ما لا يرغبون في رؤيته فالتحرر من الفتنة يمر عبر التحرر من سلطة المتكلمين.

يتعلق الأمر إذن بمعركة بين الفيلسوف و المتكلم حول من المتسبب في الفتنة، تستعمل فيها أسلحة التكفير و التفكير، فإذا كان المتكلم قد رمى الفيلسوف بسهم التكفير بوصمه بتهمة إبعاد المؤمنين عن دينهم، متوسلا الخطابة و الجدل، فإن الفيلسوف يتوسل التفكير، معتمدا البرهان دون التورع أحيانا عن رد تهمة الكفر بإلصاقها بالمتكلم نفسه، على النحو الذي يمكننا معه القول أن الأمر لا يخلو من مخاتلة متبادلة بين الطرفين. فابن رشد يعتمد إستراتيجية النقض و التحطيم، ذودا عن الأمة و درءا للكارثة المحدقة بها، فـ “قد صرف همه في تلك الفلسفة إلى نقض مذهب المتكلمين، الذين يقولون إن الخير في يد الله و أنه يصنعه بالبشر حينما يشاء و كيفما يقدر ما يشاء من غير علة و لا سبب، بل لان إرادته تقتضى ذلك،  فمن رأى ابن رشد في ذلك أن هذا المبدأ ينقض كل مبادئ العدل و الحق، لأن ذلك يجعل حكومة العالم فوضى، ربما شقي فيها الحاكم الفاضل و سعد الشرير اللئيم” (1).

لقد مثل علم الكلام قسما من الأقسام المكونة لما نسميه العلوم الإسلامية و هو ينشغل بالبرهنة على العقيدة باعتماد الأدلة العقلية و النقلية، و إذا كان هذا العلم يهتم بادراك ذات الله و صفاته و الوقوف على كنه أفعاله، و بالتالي كل ما يتصل بالذات الإلهية في صلة بمصنوعاتها فإنه يضرب لا محالة بيده في العلم الإلهي أو الميتافيزيقا، و من هنا فإنه و الفلسفة يجدان نفسيهما و هما يحرثان أرضا مشتركة، مما يقوى التنافس بينهما إذ لكل أدواته و استنتاجاته، غير أن الأمر لا يقف عند حدود الصراع بين الفلسفة و علم الكلام، بل يتجاوزه كما أسلفنا إلى الصراع داخل البيت الكلامي ذاته، و يصبح ذلك الصراع أشد تعقيدا عندما نمس خلفياته السياسية، فالكثير من المفاهيم و الأفكار التي تبدو في ظاهرها عقدية إنما تتصل بالسياسة و مشكلاتها، و بالتالي فإن انزلاق الصراع إلى الاحتراب و الاقتتال، أي الفتنة يبدو كما لو كان نتيجة حتمية، غير أنه يجدر بنا التميز رشديا هنا بين صراع المتكلمين فيما بينهم من جهة، و الصراع بين الفلسفة و علم الكلام من جهة ثانية، فإذا كان الضرب الأول من الصراع ينذر بالفتن، فإن الضرب الثاني منه محاولة لدرئها.

لقد نحا الصراع بضربيه غالبا منحى تكفيريا، غير أنه في جانبه المتصل بتكفير الفلسفة لم يفرز فتنا، ربما لأن الفلسفة لا تمثل حزبا شعبيا، بقدر ما هي خطاب موجه إلى الخاصة، و هو ما نراه في حالة ابن رشد الذي “أثارت آراءه الفلسفية ريبة الفقهاء و القيمين على أمور الشرع”(2) فاضطهد، و رغم ذلك فإن محنته ظلت بعيدة عن التسبب في الفتنة على المستوى الشعبي، و إن اتهمه مضطهدوه بذلك وبالتالي فإن من يوقد نار الفتنة إنما هم المتكلمون، الذي تنتشر آراؤهم المتضاربة بين الناس فتمزقهم إربا، بينما يربو الفيلسوف بحسب ابن رشد بنفسه عن فعل ذلك، فهو حريص على عدم إفشاء التأويل لغير أهله طلبا لوحدة الأمة و خلاصها فـ “في نهاية الكتاب الأول من مختصر المجسطى يقارن حاله بحال رجل رأى حريقا و هو يشب فجأة في بيته و لم يكن أمامه من الوقت إلا ما يكفى لإنقاذ الأشياء الثمينة والأشد ضرورة للحياة (3)” 
و غنى عن البيان أن الفلاسفة و المتكلمين برغم كونهم يحرثون أحيانا أرضا مشتركة فإنهم يختلفون من حيث أصناف البشر التي يخاطبونها فضلا عن توسلهم أدوات مفاهيمية و منهجية متباينة، لذلك فرق أبو الوليد بين الخاصة و العامة و البرهان و الخطابة و الجدل و الحكمة و الشريعة،  فالمتكلمون غالبا ما يرون أن العقل محدود القدرة، إذ لا يمكنه الخوض فيما يتجاوز طاقته أما الفلاسفة فمجال عملهم العقل لذلك يؤكدون قدرته على المعرفة البرهانية ، و هو ما يعجز عنه المتكلمون و العامة فـ“أبو الوليد أوصد باب الحكمة ـ أي علوم الأوائل ـ أمام المتكلمين و الجمهور(4)”.

و منذ النشأة الأولى كان علم الكلام محاولة لمواجهة التحديات العقدية التي تمثلت في وجود أديان و فلسفات مخالفة للإسلام، كان لها أتباعها و مريدوها، و بالتالي فقد حاول الذب عن عقيدة الأمة و توحيدها إيديولوجيا في مواجهة الخصوم و“البدع و الضلالات و العقائد الفاسدة” أي إزالة الشبهات، غير أنه تحول و يا للمفارقة مع مر السنين هو نفسه إلى عامل فرقة و انقسام، جراء الاختلاف الشديد بين الفرق الكلامية مما شتت الصفوف و قسم الملة إلى مذاهب و طوائف، و هذا ما نبه ابن رشد إلى مخاطره، فالفتنة من بين أسبابها الكبرى تشغيبات المتكلمين و صراعاتهم “فهذه كلها. .. بدع حادثة في الإسلام و هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى أنه ستفترق أمته إليها”(5).
و هو يذهب بهذا التأكيد إلى ذروته بقوله إن الفرقة الناجية هي تلك “ التي سلكت ظاهر الشرع و لم تؤوله تأويلا صرحت به للناس و أنت إذا تأملت ما في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح(6)” موظفا بذلك الحديث المذكور ضد المتكلمين، ففي تأويلاتهم المتضاربة تنام بذور الفتن.

و هكذا فإن الصراع بين ابن رشد و المتكلمين يتجاوز من حيث مضمونه الجانب العقدي ليمس السياسة كما قلنا، أي إنه صراع حول أنماط الحكم و مشروعية السلطة، و علاقة الحاكم بالرعية، و موقع السلطة المعرفية / العلمية من السلطتين السياسية و الاجتماعية ، فالخفايا السياسية تفسر جانبا كبيرا من ذلك الصراع ، على نحو يمكننا معه القول إن الصراع يجرى في مجال العلم أو الثقافة بين الفيلسوف و المتكلم على من له أحقية السيطرة على المجالين السياسي الاجتماعي، و بالتالي من يكون قريبا من العامة و في نفس الوقت من السلطة السياسية، فالأمر يتعلق بصراع بين سلطتين أي إنه و مثلما يحصل في كل صراع فإن هناك أهدافا ترسم،  فيها الأدنى و فيها الأقصى، وتحالفات تعقد وأدوات تستعمل و مثل كل صراع أيضا فإن هناك في الأخير مهزومين و منتصرين، مما يدعونا إلى الإجابة عن سؤال لمن كانت الغلبة في تلك المواجهة ؟ و هل انتهت أم إنها لا تزال حية الآن أيضا؟

لقد اتهم المتكلمون ابن رشد بالتعسف على النص القرآني فأوله كما شاء هو لا كما يقوله ذلك النص، إذ“كانوا يقولون له أن تأويلك هذا يخرج الدين عن شرعه و يبدله بدين آخر لا نعرفه” (7) وقد استعملوا ضده حجج الغزالي الواردة في كتابه تهافت الفلاسفة، و لكنه كان قد التجأ إلى محاجتهم معتمدا النص القرآني نفسه لدعم أفكاره.
و إذا كانت الفلسفة سلاحا في مواجهة الفتنة فإنها تطلب تأصيلا في المدينة لتقوم بهذا الدور، غير أن ابن رشد لم ينزع هذا المنزع فالجمهور لا يمكنه إدراك حقائقها، و من ثمة وجد الحل في الشريعة نفسها، داعيا إلى الاكتفاء بظاهرها و تركيز النظر ضمنها على ما يجمع لا على ما يفرق، فقد كان يفكر ضمن ابستمية عصره متقيدا بأطرها فالعامة بحكم فطرتها ذاتها لا يمكنها الخوض فيما تفحصه الخاصة، فقد كان مناصرا لما يمكنه توصيفه بارستقراطية المعرفة، محافظا على مراتبية معرفية، لا تني عن الإفصاح عن ذاتها.
لأجل ذلك فانه يواجه المتكلمين بأسلحتهم نفسها واضعا نصب عينه النص القرآني الذي بحث فيه عن سند لما روجوه فلم يجده، بل وجد ما يناقضه فقد واجههم داخل الشرع ، مبينا أن الفلسفة و الشريعة أختان بالرضاعة فهما تطلبان الفضيلة.

 لقد نظر إلى الفلسفة باعتبارها نظرا عقليا في الموجودات من حيث هي مصنوعات تدل على صانعها ، و من هذه الزاوية فإنها تقود إلى الله و لا تبعدنا عنه، و من ثمة يورد جملة من الآيات التي تحث على هذا المنحى في التفكير و تشجع عليه بل إنها ترقى إلى مستوى اعتبار ذلك واجبا من الواجبات الملحة، فاعتماد الأقيسة العقلية و الشرعية مطلوب لمعرفة المصنوعات و الصانع قائلا “إذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس؛ فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي (8)” محذرا من تخليط الغزالي وتشويش و تشغيب المتكلمين مثيري “الشكوك العويصة”(9) فالقياس العقلي يؤدى إلى وحدة الحقيقة أما الأقيسة الجدلية فهي أقيسة سفسطائية، تكون فيها لكل فرقة “حقائقها” الخاصة بها فتكون الفتنة في دلالتها المذهبية بمثابة انتصار كل فرقة لما تعتبره الحقيقة، التي لا يرقى إليها الشك و الريبة.

و من هنا علينا أن نطلب الفلسفة و نستعين في ذلك بكل ما يمكن أن تحصل منه إفادة، بغض النظر عمن جاء به حتى لو كان من غير ملتنا “فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة. إن الآلة التي تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة. وأعني بغير المشارك مَن نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام(10).” والمهم هنا أن يكون ذلك صوابا، فالنظر في كتب القدماء واجب بالشرع، و في العلم يستعين المتأخر بالمتقدم، ولا يمكن لهندسي أن يتجاهل ما قبله مثلا، فالأخذ عن المتقدمين زمنيا علينا يصح في كل العلوم العملية و النظرية ولا يمكن الاستغناء عن ذلك الا إذا كان هناك وحى، فلا نكون في حاجة لغيره لتحصيل ما فصل القول فيه، و إذا كانت الحكمة هي صناعة الصنائع فإنها الأحوج إلى ذلك،  لهذا “ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك؛ فإن كان كله صواباً قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه” (11)، و تبلغ النزاهة العلمية هنا درجتها العليا عند أبى الوليد بقوله عند حديثه عن أفكار القدامى و المعنى بها فلسفة اليونانيين “ فما كأن منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غبر موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم.” (12) و هو المنحى ذاته الذي نجده لديه عندما يفحص أقوال المعتزلة و الأشاعرة، بخصوص علم الله حيث كتب معلقا “و في قول كل واحدة من الطائفتين جزء من الحق و جزء من الباطل” (13) و لنا أن نسال عن كل هذا الحرص على الانتصار للفلسفة ؟

إننا نرى أن المقاصد السياسية هي التي تختفي وراء ذلك، فتدبير المدينة يتطلب تأسيسا عقليا برهانيا، و عندما تستند السلطة إلى ذلك فإنها تحقق للمدينة وحدتها و تنأى بها عن الفرقة كما ذكرنا، فالعقل و البرهان يضمنان ذلك، و يطردان بالتالي ذلك التخليط و التشويش و التضارب المتفشي في الخطابات الكلامية، و هو ما لا يمكن إلا أن ينعكس على صعيد السياسة فتنة ضارة، لذلك بحث عن ذلك التأسيس في الفلسفة و خاصة في السياسة و الأخلاق، فكان تلخيصه لكتاب أرسطو في الأخلاق و عندما لم يظفر بكتابه “السياسة” اتجه ناحية أفلاطون ملخصا جمهوريته، مع تنقيتها مما شابها من أقوال جدلية مؤكد ان حكام المدينة الفاضلة ينبغى ان يكونوا فلاسفة فـ“ الرؤساء في هذه المدينة هم بلا شك الفلاسفة”(14) .
و بإمكاننا القول إن الغاية العملية محركة للمتن الرشدى ، سواء من قبل صاحبها أو من قبل الأمير الموحدي الذي حثه على تشييد صرحه،  و هذه الغاية تجد في المشروع الموحدى كما تجلى مع ابن تومرت بشكل خاص تفسيرا لها، فقد ابتغى القضاء على الفتن التي أضعفت كيان الملة زمن المرابطين و فتحت الأبواب أمام أعدائها الخارجيين المتربصين بها .
و من هنا كان انتباه أبى الوليد إلى الجانب الإيديولوجي و السياسي الذي تصدى لتحليله و حل مشكلاته من زاوية الفلسفة كما بيناه، دون أن يعنى ذلك أن الغاية العلمية بجانبيها المتصلين بالعلم النظري و العلم العملي كانت غائبة، فلديه تؤسس هذه لتلك، فقد كان فيلسوفا يربط العلوم النظرية بالعلوم العملية و يسعى إلى استثمارها في حل معضلات مدينته.

تتجلى عبقرية ابن رشد في الإمساك بناصية أحداث تاريخية كانت تسير نحو خواتم غير محمودة، فحاول منع حصولها باجتراح حل للفتنة و لكنه لم يكن سياسيا لنحكم عليه بالنجاح آو الفشل ، بل كان فيلسوفا و الحل الذي ارتآه طبق في ما يسميه ابن خلدون “العُدوة الشمالية”(15) التي ارتحلت إليها فلسفته عندما وجد حامله الاجتماعي و السياسي، أما عربيا فإننا قد لا نجازف بقولنا إنه لا يزال على جدول أعمال العرب اليوم و بإلحاح إذا أرادوا عدم الغرق أكثر مما غرقوا في بحور الدماء، و إن كان عليهم تجاوزه بعد تحققه بأسرع ما يمكن لتعديل عقارب ساعتهم على إيقاع الفتوحات الكونية .
لأجل ذلك فإن الحلول الرشدية لمشكلة الفتنة تبدو محافظة على الكثير من قيمتها اليوم أيضا، في مجتمع عربي ظل على ركوده الإيديولوجي والسياسي ، ولا يزال فيه المتكلمون في نسختهم المعاصرة يتحكمون بهذا القدر أو ذاك بتدبير شؤونه السياسية و الإيديولوجية، وتتجسد فيه الفتنة من خلال الوقائع الحية التي تترى حولنا.

الهوامش :
1- فرح أنطون، ابن رشد و فلسفته، الطبعة الأولى، بيروت : دار الفارابي 1988، ص 94.
2- هنرى كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ترجمة نصير مروة و حسن قيسى ، الطبعة الثالثة، بيروت / باريس : عويدات 1983، ص 359.
3- Munk( s): Mélanges de philosophie juive et arabe ;Vrin;Paris 1988;p423 
4- محمد المصباحي، الوجه الأخر لحداثة ابن رشد، الطبعة الأولى، بيروت : دار الطليعة 1978، ص 132.
5- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص 137.
6- المصدر نفسه، ، ص 160.
7- فرح أنطون، ابن رشد و فلسفته، مرجع سابق، ص 96.
8- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 87.
9-  ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة،، مصدر سابق، ص 105.
10- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 91. 
11- المصدر نفسه، ص91.
12- المصدر نفسه، ص 93.
13- ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ، مصدر سابق، ص 133.
14- ابن رشد، الضروري في السياسة : مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، مصدر سابق، ص 103.
15- يقول ابن خلدون متحدثا عن حال الفلسفة في أوربا في زمانه “بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الافرنجة من أرض رومة و ما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، و أن رسومها هناك متجددة، و مجالس تعليمها متعددة، و دواوينها جامعة متوفرة، و طلبتها متكثرة” ابن خلدون، المقدمة الطبعة غير مذكورة، بيروت : دار الجيل، بدون تاريخ، ص 537.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This