التميمة والقصيدة بين الساحر والشاعر

حين نعود إلى باطن التاريخ الأدبي، نجد أن الرواية قد انحدرت من الملحمة، وأن هذه الأخيرة قد اقترنت بالشعر ذات عصر، كما أن الملحمة بدورها انحدرت من الأسطورة. وكما اقترنت الملحمة بالشعر، اقترنت الأسطورة بالسحر في يوم من الأيام. وفي الوقت الذي نلاحظ انفصالا للشعر عن الملحمة، نلاحظ انفصالا للسحر عن الأسطورة. وبعد ذلك، نلاحظ اقتران الشعر بالسحر، كتعويض عن الطلاقين السابقين بينهما وبين كل من الأسطورة والملحمة. وفي إطار اقتران الشعر بالسحر، سينتقل الخطاب الأدبي تدريجيا من صيغة الإخبار إلى صيغة الإنشاء، ومن ثم يتحول إلى دعاء وصلاة وتضرع إلى الآلهة…الخ. فكأن الصيغة الإخبارية، التي وقعت على عاتق الشعر قبل زواجه بالسحر، قد استطاعت أن تشكل صورة مكتملة لموضوع التأليه في ذات المتلقي، وقد آن الآوان للانتقال إلى مستوى الاستفادة من تصور المتلقي لهذه الصورة السماوية المقدسة.

من هنا يمكننا القول بأن النسخة القديمة للشاعر تتمثل في الساحر. وبالتالي، فإن النسخة القديمة للقصيدة تتمثل في التميمة. وحينما نقول: “الساحر”، فإنما نقصد “الكاهن” أيضا. إذا قلنا بأن الطور الأسطوري- فيما قبل زواج الأسطورة بالسحر- تم تكريسه لتشكيل صورة الآلهة المفارقة (نسبيا) في ذات المتلقي، وأن الطور الأسطوري- فيما بعد زواج الأسطورة بالسحر- تعكس الانتقال من طور الحكي الأسطوري إلى طور الإنشاد الملحمي، فكذلك يمكن أن نقول بأن الطور الملحمي- فيما قبل انفصال الشعر عن الملحمة- كان مكرسا لتحويل البطولة إلى مستوى الآلوهة.

وفي هذا التحويل تكمن قيمة “الحكي”، لكن هذا الحكي سوف يتحول أيضا إلى إنشاء وإنشاد من خلال الشعر، بمجرد أن ينفصل هذا الأخير عن الملحمة. وهكذا نلاحظ بأن الفعل السردي يتضمن، في عمقه، “تحويلا” ما، أي تحويل الشيء إلى شيء آخر، أو شخص إلى شخص آخر، أو صفة إلى أخرى؛ إذا كانت الصورة المكبرة للفعل السردي تظهر مثلا في “انتقال” شخص من مكان إلى آخر، أو من زمن (الطفولة مثلا) إلى زمن آخر (الشباب أو الشيخوخة)، فإن ما تحت المجهر، في هذا الفعل السردي، يتضمن “تحويلا” عميقا قد تكون ملاحظته بالعين المجردة عسيرة، لأنه لا يسجِّل حركة تأثيره على ذات المتلقي في غضون فترة قصيرة، وإنما يتحرك ببطء شديد. ولا ننسى أنه إذا كان انحدار الرواية من الملحمة يتجلى في إتاحة المنصة السردية للشخوص العاديين بعد أن كانت حكرا على الأبطال، فكذلك يمكننا القول بأن انحدار الملحمة من الأسطورة يتجلى في إتاحة المنصة السردية للأبطال بعد أن كانت حكرا على الآلهة.
ولكي نبين هذه النقطة أكثر، لنقل بأن البطل الملحمي تحول إلى إله بفضل الحكي الشعري، ومن الواضح أن المقصود بالحكي هنا ليس مجرد الفعل الذي يمكن إنجازه من خلال حكاية واحدة أو نص واحد، بل هو الفعل الذي يساوي جميع السرود التي سجلت بين البطولة والألوهة !.

وإذا كان هذا صحيحا، فإن النزول بالفعل السردي من مستوى الملحمة إلى مستوى الرواية لن يكون بريئا! أي أن الرواية الحالية ليست مصممة من أجل التسلية، أو التدريب على الكتابة السردية..الخ، بل تتضمن قدرة سحرية قد تكون خطيرة، لكن تأثيرها لا يظهر بشكل فوري، وإنما يتحرك ببطء شديد. مثلا: ما معنى أن ننتزع الفعل السردي من الملحمة ونمنحه للرواية؟. معناه أننا نفترض مجالا للمقارنة بين هذا الشخص العادي وذاك البطل العالي. ومن هنا يبدأ نوع جديد من البرمجة اللاشعورية للمتلقي، تتمثل في تقليص المسافات المعنوية بين القيم والطبقات والبروتوكلات و غيرها.

يمكن أن يقول قائل بأن تحويل الشخصية الروائية إلى بطل، قد يكون على سبيل السخرية أو شيء من هذا القبيل. ولكن مثل هذا القول ليس نابعا من باطن الواقع الذي يحكم الفعل السردي، فقد تكون روايتك أنت ساخرة، وأخرى عابثة، وأخرى لمجرد التسلية، ولكن هذه الصفات نفسها لن تكون إلا تذليلا للعقبات الثقافية القائمة على تقاليد الفصل الصارم بين شرط البطولة والحالة العادية، و بين شرط الألوهة وشرط البطولة قبل ذلك !. فهل سيصدقني أحد لو كتبت رواية عن شخص يطير في الهواء ويمشي على الماء؟. طبعا لن يصدقني، ولكن لاحظ أن فعل “التصديق” هنا يُثار فقط عندما أحاول أن أجعل روايتي جادة. والحل إذن في تخليصها من الجدية، أليس كذلك؟. وهذا لا يعني تخليص المتلقي من فعل التكذيب، ولكنه يعني تخليصه من إعمال المنطق أصلا ! ومن هنا تتأسس ثقافة التقليص بين المسافات المذكورة سالفا.

هناك مسألة هامة تتعلق بإهمال وإعمال المنطق في حالة التلقي الحكائي أساسا. لا جدال الآن حول أن المتلقي يهمل المنطق أثناء قراءة الرواية. ولكن قارئ أو مستمع الملحمة كان، على العكس، يُعمل المنطق. وقد نفترض بأن متلقي الملحمة- أو الأسطورة قبل ذلك- ينشدّ إلى الخطاب (الملحمي أو الأسطوري) بقدر ما يُحدث في نفسه من “التصديق” لتلك الأحداث. وأن المعادلة معكوسة تماما في حالة متلقي الرواية؛ أي ربما يشده الخطاب الروائي بقدر ما يُلغي في نفسه ملكة المنطق المتعلق بالتكذيب والتصديق تحديدا !.

وفي حالة إهمال المنطق، تبدأ الشخصية الروائية في إنجاز “تحولها” الخطير ببطء، ولكن ليس من الضروري- ولا أحد ينتظر – تحول هذه الشخصيات الروائية إلى أبطال أو آلهة في عصرنا هذا، لأن هذه ليست دائما هي الوجهة الوحيدة للفعل السردي، فلا ننسى التراكم الحضاري والتاريخي والثقافي الذي حققته البشرية الحالية مما يميزها عن البشرية القديمة. ولكن، مع ذلك، نستطيع أن نلاحظ تأثير هذا “التحول” بشكل آخر، وعلى سبيل المثال:

قد لا يحملك الفعل السردي إلى مستوى البطولة، ولكنه يمكن أن يحمل البطولة نفسها إلى مستواك العادي ! بل- وفي بعض الحالات- يمكن أن يحمل الألوهة أيضا ويعود بها إلى مستوى البطولة، وبالتالي إلى مستواك أنت !
هذا بخصوص السرد، فماذا عن الشعر؟

لقد أسلفنا بأن الشعر كان زوجا للملحمة، كما كانت الأسطورة زوجة للسحر في بعض الحالات على الأقل. وأن السحر طلق الأسطورة وتزوج بالشعر الذي طلق الملحمة بدوره فيما بعد. ونضيف الآن بأن الشعر طلق السحر، في يوم من الأيام، واقترن بالشرع لفترة طويلة، ثم أصبح أرملا لمدة أطول، غير أننا بدأنا نلاحظ أخيرا بوادر اقترانه بالسرد من خلال القصة القصيرة، خاصة ما يسمى بالقصة التجريبية، أو غيرها من النصوص الأدبية التي لا تحمل أية جنسية على غلاف الكتاب. 
حين كان الشعر مقترنا بالسحر، كانت كلماته مصممة للتأثير على الأرواح العليا أو السفلى بشكل مباشر، وكانت القصيدة عبارة عن تميمة، لأن الساحر/الشاعر آنذاك كان يعتقد بأن انتظام الكلمات على إيقاع معين دليل على وحي قد يكون من الرحمان أو من الشيطان، المهم أنه وحي يأتي من مخلوقات مفارقة. ومادام يأتي من هذه الملخلوقات، فهذا يعني أنه قادر على التأثير فيها. ولذلك، حين يقف الكاهن أو الساحر أمام الناس ليقرأ تميمة سحرية، كانت تتلبسه حالة وجدانية تشد الأنظار والأسماع إليه بقدر ما ينشدّ في تمثله لصوت الوحي الذي يأتيه من الداخل على سبيل التذكر أو استحضار لحظة الوحي (السابقة). وهكذا تبدو إيماءاته وحركاته كأنها خارجة عن سيطرته، كأنها لا تحدث بإرداته، بل بإرادة الروح التي تقمصته، أو الروح التي أوحت بتلك التميمة في أذن مؤلفها، أو تمثلا للروح المراد التأثير فيها، أو كل ذلك في الآن ذاته.

إن الشاعر القديم-أثناء القترة التي لم يتخلص فيها الشعر بالسحر تماما- كان يعتقد بأن الشعر وحده يكفي لحل مشاكل الإنسان، ومن هنا قد نلاحظ بوادر اقتران الشعر بالشرع، ولعلنا نلاحظ هذه المسألة بوضوح في أناشيد دانتي (انظر “الكوميدية الإلهية”)، فحين ننتقل إلى مرحلة ما بعد انفصال الشعر عن السحر- وطبعا لم يكن انفصالا كاملا ومفاجئا، بل حدث ببطء- قد نلاحظ بأن الشعر اقترن بالغناء. ولقد قطع شوطا كبيرا مع الأغنية، لكن بينما استطاع أن يجد له هامشا خارجها، فإن العكس لم يكن صحيحا، أي لم يكن بمقدور الأغنية أن تأتي إلى الوجود إلا برفقة الشعر، لكن يبدو أنها أخيرا قد استطاعت أن تحصل منه على الطلاق ، وها هي الأغنية الآن أصبحت مستقلة عن الشعر، فبعد أن كان للوزن دور هام في تأليف الأغنية، تخلت عنه، ثم سرعان ما تخلت حتى عن جودة الكلمة لصالح جودة اللحن، وهكذا أصبح في زمننا الكثير من الأغاني نكاد لا نجد لها معنى ولا قيمة إذا ما قرأناها بمعزل عن لحنها، ودون أن ننسى بأن اللحن نفسه بدأ ينذر بالانفصال التدريجي عن الأغنية، ولعل في الموسيقى الصامتة ما يشير إلى ذلك، ولعل في أغنية “الراب” أيضا ما يشير إلى ذلك !. ولكي تتضح هذه النقطة بشكل أفضل، لنحاول أن نعزل كلمات “الراب” عن الموسيقى، فلعلنا نلاحظ بأن ضعف لحنها يساوي صمت الموسيقى (أي موسيقى بدون كلمات).

لنعد إلى الشعر، إذا جاز لنا القول بأنه انفصل كليا عن السحر، ولم يعد في ذهن الشاعر مثقال ذرة من الاعتقاد بأن كلمته بإمكانها أن تحدث تأثيرا روحانيا في روح من الأرواح، سواء كانت خيرة أم شريرة، فبإمكاننا أن نلاحظ بسهولة ما يحتفظ به الشاعر من الحركات والإيماءات والملامح التي تتلبسه أثناء إلقاء القصيدة، وهذه الإيماءات والحركات تعود بنا إلى المرحلة التي كان فيها الشعر مقترنا بالسحر ! أي أن الساحر القديم يحاول أن يتلبس الشاعر الحديث دون أن يحس هذا الأخير بذلك، لأن هذه الإيماءات أصبحت تصدر منه بشكل لا إرادي.

انظر إلى الشاعر حين يصعد المنصة ليلقي قصيدته أمام المجهور، ولاحظ كيف يحاول أن يتجاوز خلقته البشرية من خلال الحركات والإيماءات والتعابير الوجهية. على سبيل المثال: انظر كيف يرفع يده اليمنى عاليا (تلك الإيماءة الشهيرة)، ولاحظ كيف يتخطفه إيقاع دخيل على البنية الحركية المألوفة. إذا قلنا بأنه لم يعد يتوجه بذلك نحو التأثير على الأرواح المفارقة كما كان جده الساحر يفعل في أعماق الماضي، فلأنه استبدل هذا التوجه، عبر فترة طويلة، إلى التأثير على النفوس البشرية.

إن الشاعر الذي تتلبسه تلك الحركات الشبيهة بتشكيلات الحرس الملكي، إنما يحاول أن يتمثل قوة كلماته ومدى قدرتها على التأثير في النفوس البشرية، وهو تأثير أصبح جماليا بعد أن كان روحانيا. وكما كان الساحر يفوز بالتواصل المزعوم مع روح من الأرواح، كذلك أصبح الشاعر يفوز بالتواصل الجمالي مع الجمهور البشري. ففي يوم من الأيام-وهذه مسألة هامة- لم يصدق الإنسان بأن انتظام الكلمات على وزن وقافية معينين يمكن أن يكون من تأليف بشر، بل كان يعتقد بأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بوحي من الآلهة !. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان الإيحاء الشعري مادة صالحة للاستدلال على سماوية المعاني التي يحملها أيضا. وكما كانت المعاني العاطفية أوالماجنة، أو غيرها من المعاني السفلى، دليلا على الشيطان، فكذلك كانت المعاني الدينية دليلا على الآلهة. ولهذا نجد في الكوميدية الإلهية لدانتي بأن الخطاب الشعري، في حد ذاته، كان عبارة عن شريعة ودين، ولغة لا تفهمها الملائكة أو الآلهة فحسب، بل تتأثر بها وتستجيب لها. وأن المرشد الوحيد في ذلك هو الانتظام الموسيقي والقافية والدهشة التي تحملها دقة المعاني الناجمة عن وضعيات معينة للكلمات داخل البيت الشعري، فكأن الخروج عن قواعد الشعر هو العلامة الوحيدة للوقوع في أحظان اللغة البشرية العادية وقطع الاتصال بالآلهة.

وكما أنه لم يكن الحدث البشري، في يوم من الأيام، يكفي ليتحول إلى حكاية شعبية (أسطورة)- أي حين كان الفعل السردي حكرا على الآلهة كما أسلفنا- كذلك لم يكن الخطاب الشعري موجها إلى الإنسان قصد التأثير الجمالي فحسب، لأن هذا الهدف كان، بالنسبة إلى الشاعر القديم، هدفا بسيطا لا يرقى ولا يستدعي ذلك التنظيم الموسيقي للكلمات وتوحيدها تحت راية قافية معينة الخ. ولكن، كما نلاحظ نزولا للعفل السردي من مستوى الآلهة، مرورا بالأبطال، وانتهاءً بالشخوص النكرات، كذلك نرصد نفس النزول للخطاب الشعري من مستوى مخاطبة الآلهة إلى مخاطبة البشر. بيد أن هذا النزول، بحد ذاته، كان يتضمن جانبا كبيرا من التكريم الموجه إلى الممدوح- أو الحبيبة على سبيل الغزل- بقدر ما يتضمن لعنة موجهة إلى المقدوح، أو العدو، على سبيل الهجاء.

وبناءً على ما تقدم، فإن الشعر، حتى بعد نزوله إلى مستوى مخاطبة البشر مباشرة قصد التأثير الجمالي المباشر، لا يستمد قوة تأثيره مما يحمله في طيته من الجمال الأدبي فحسب، بل يستمدها أيضا من مكانته السابقة، أي من كونه لغة للتواصل مع الآلهة !. فحين تغازل امرأة بقصيدة موزونة على إيقاع موسيقي معين، وتحت قافية معينة، فهذا يتضمن اعتبارها إلهة ! وإن كان ذلك بالمعنى المجازي. أما حين تهجو عدوا بقصيدة مماثلة من حيث الشروط الشعرية، فإن ذلك يتضمن لعنة إلهية تلقي بها في وجه المقدوح. وهذا ما يقبع في عمق المعنى الذي يقوم على أن الشاعر لم يصف قبائح ذلك العدو بلغة بشرية، بل وصفه بلغة التواصل مع الآلهة. وبالتالي، فكأن الشاعر يستخدم هذه اللغة (الإلهية) ضد الشخص المقدوح توكيدا لما ينتظره من اللعنة، على أن الوجه الحقيقي لهذه اللعنة المجازية يتمثل في خوف المقدوح من أن يصبح أضحوكة (أغنية/قصيدة/تميمة) بين الناس. وما كان الناس ليهددوه حكماً بهذا الفعل، إلا بناءً على اعتقادهم (اللاشعوري) بأن ذلك الشعر يجب أن يُحفظ، ويُتلى، لأنه ليس من اختراع البشر، بل وحي من الإله في الأصل، وهكذا تمرِّر القصيدة بإضمار ما عاشت عليه التميمة بإظهار.
***

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق