عفيف فرّاج.. ملامح مفكر إشكالي صادق / سكندر حبش

لنقل هي قصيدة حب اجتمع على كتابتها، أصدقاء الكاتب والمفكر الراحل عفيف فراج في ذكرى غيابه العاشرة التي دعا إليها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، والتي أقيمت عصر أمس في قصر اليونسكو. المناسبة أيضا في صدور الكتاب السابع لفراج بعد رحيله، وهو صدر ضمن سلسلة إصدارات «كتاب السفير» (وجاء في ذكرى عيد الصحيفة الأربعين، ونشرته دار الفارابي)، بعنوان «دراسات في الفلسفة، الفكر، الدين، السياسة، الثقافة، الأدب».

قصيدة حب، حاولت أن تعيد رسم ملامح ذاك المفكر الإشكالي، الصادق، الذي لم يتهاون يوما في الدفاع عن رأيه و»عن الحقيقة والحق»، ليذكرنا من عرفه بالمكانة الذي كان عليها، إنسانيا وثقافيا. ففي حين استحضر الزميل طلال سلمان بعض المحطات البارزة في كتابات فراج، وليعرض بعدها أبرز النقاط التي يتضمنها الكتاب الأخير، اعتبر الوزير أبو فاعور أن الراحل كان ينتمي إلى أول جيل من أجيال المتنورين اللبنانيين، بينما وجد سهيل مطر أننا بحاجة اليوم إلى عقله وبعض الغضب في صوته.

إنه يقف على خط الحياة بعد الموت، على رأي نبيل الخطيب، بينما تحدث سماح إدريس عن ثلاثة جوانب من علاقته بفراج: الدراسات التي نشرها في الآداب ودقته العلمية، أخلاقيته الثقافية، ولم يساوم على قناعاته. في حين تحدث الزميل زهير هواري عن علاقته الشخصية بفراح منطلقا منها إلى فكره الاشكالي والنقدي (قدم الندوة بهزاد جابر).

هو الكتاب السابع إذاً الذي عملت على تجميع مواده، رفيقة درب الراحل عائدة خداج فراج، والتي قالت أمس في نهاية الحفل، إنه الكتاب الأخير، إذ بذلك تكون قد وفت بعهدها بإصدار كل ما تركه فراج من كتابات قبل رحيله، ولم تنشر في كتب سابقا، وهي أيضا لم تخل كلمتها من استذكار الغائب لتأتي كلماتها مليئة بذاك الحنين الجميل.

كتاب فراج الأخير شاهد على أدواته المعرفية المتنوعة، على قول عائدة خداج فراج، التي تضيف في كلمتها التقديمية بأنه أيضا (شاهد) على «النهج الموضوعي البحثي الأكاديمي».

يقع الكتاب في أربعة فصول: «في الفلسفة والفكر» ويتضمن ثلاث دراسات: «حسين مروة يستنطق التراث ويقرأ النزعات المادية في الفلسفة المثالية» و«محمد دكروب يستلهم «رؤى مستقبلية» من الحقبة الليبرالية» بينما يحمل الثالث عنوان «الأخلاق الثورية»، وهو محاضرة غير منشورة، ألقيت في النادي الثقافي العربي (من دون تحديد تاريخها ومناسبتها).

قد يدل ما كتبه فراج حول كتاب محمد دكروب على قدرته على فصل العام عن الخاص (وهذا ما أشار إليه كل من الزميل طلال سلمان وسماح إدريس)، إذ على الرغم من صداقة الكاتبين إلا ان فراج يقدم نقدا عميقا لكتاب «رؤى مستقبلية» من دون مهادنة أو مواربة، وهو يصف نقده بالقول: «أنا مدين لكتابه بكل كلمة كتبت وأجوبتي هي نتاج أسئلة طرحها كتابه وآرائي هي تداعيات حركها نصه».

في القسم الثاني من الكتاب «في الدين»، نجد أيضا ثلاثة أبحاث حول «التوحيد الفلسفي» و«المسار الشرقي من هرمس إلى أفلاطون» و«حوار الحضارات في الإسلام». لم تكن القضية الدينية طارئة على تفكير فراج، إذ يمكن لنا أن نميز عنوانين، على الأقل، في مسيرته الفكرية عالج فيهما هذا الموضوع، قصدت كتابي «اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية» (2002، دار الآداب) و«رؤية اينشتاين لليهودية ودولة اليهود» (2003، دار الآداب)، بالاضافة إلى عدد آخر من أبحاثه الأخرى في غير كتاب.

فعلى سبيل المثال، يرى فراج، (ص 125، من بحث «المسار الشرقي من هرمس إلى أفلاطون») أن «محبة أخناتون التي شملت الله والطبيعة والبشر.. جعلت مؤرخين كبارا..» يعتبرون أن «اخناتون لم يكن رائد التوحيد الموسوي فقط بل أبعد من ذلك، كان هو رائد المسيح، ذلك أن فكرته عن التوحيد كانت أقرب للفكرة المسيحية منها للفكرة الموسوية» (نقلا عن كارل ابراهام، تلميذ فرويد).

لم يتوقف فراج طيلة مسيرته الفكرية والكتابية عن استنطاق «الفكر المجرد» (إذا جاز القول «أو «الدين» بل اهتم كثيرا في استنطاق الفكر السياسي، بكل تشعباته. حول ذلك يأتي القسم الثالث من الكتاب بعنوان «في السياسة» ويحتوي بدوره على ثلاثة عناوين: «23 يوليو: إصلاح لا ثورة»، «سقوط النظام العراقي»، «ضعف الأحزاب وقوة القبائل». النص الأخير يبدو راهنا بشكل كبير كأنه يكتب اليوم حول ما نشهده من تفكك في المجتمعات العربية التي تفرد مساحة أمام تقدم القبائل والعشائر والطوائف، وانهيار الدولة.

«في الثقافة والأدب»، القسم الرابع، تضمن مواضيع عدة هي: «نحو علاقة جدلية بين الثقافة والسياسة» و«الأدب في الثقافة الوطنية» و«خليل حاوي وجبران يسامره في ليل الحلم» و«الرواية اللبنانية تكتب خيبتها على جدار الحرب» و«الشعر يحيي ويميت» و«طلال سلمان وقراءة في كتاب العروبة». وما يجمع هذه الأبحاث كلّها علاقة المثقف بالسلطة في العالم العربي إذ يجزم فراج بالقول: «لا يمكن للثقافة ان تساهم في إغناء السياسة بإنجاز مشروع النهضة ان لم تستقل عن آلية سياسية تفرط الزمن إلى لحظات ومواقف وتكتيكات تقتضيها الحاجات العملية المباشرة».

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق