سلام الراسي: «الناس ما قالوا وما فعلوا» / منذر محمود جابر

عالم سلام الراسي (2011 ـ 2003)، في مروياته، عالم مشاهدات وأصبوحات وممارسات وافتتان، وتناقضات كثيرة متشابكة. ولكنه مع كل ذلك، عالَم لا يستدعي الجد والتأمل والصمت، بمقدار ما يستدعي الضحك حتى الاستلقاء أحياناً. وقد أرسى سلام الراسي عالمه الأدبي هذا، بعد أن طوى عمره المديد (92 سنة) واقفاً على منابر متعددة الأوجه والآراء، مختلفة باختلاف الشيع والمذاهب والفرق.

دخل سلام الراسي ميدان الكتابة في الأدب الشعبي، في مرحلة متأخرة من سني عمره. دخله من باب المحافظة على هذا الأدب من الضياع وحسب. «لئلا تضيع»، عنوان كتابه الأول، تصريح واضح بالمهمة التي حددها في باكورة نتاجه. لكن سلام الراسي تخلى في عناوين كل إصداراته اللاحقة، المسحوبة من أمثلة وطرف، عن تحديد تلك المهمة أو تجديدها. اللهم سوى عنوان واحد «ثمانون»، يسنتسخ به «سبعون» ميخائيل نعيمة. وكأنه جاء بهذا العنوان ليقول: «اللهم اشهد لقد عملت وبلّغت».

ومساهمات سلام الراسي السابقة في الكتابة، وهي قلية على كل حال، في صحف ومجلات الأربعينيات والخمسينيات، لا تمت بصلة، مع ما تكرس عنده وانطلق منه، بعد أن «نبغ» وانتشرت منه النباغة، في الستين من عمره مع إصدار كتابه الأول. وهو في تبنّيه الأدب الشعبي منهجاً يمثل طرفاً أخيراً من مسار ممتد من عهود قديمة في الكتابة العربية، يتردد في مقامات بديع الزمان الهمداني ومقامات الحريري، وفي الجاحظ مع بخلائه، وفي «أخبار الشطّار والعيّارين» و»أخبار الفتّوة» و»أخبار الحمقى والمغفلين» و»أخبار القضاة»، ناهيك بالطبع، عن كتابي «الأغاني» و»العقد الفريد»، هذا من دون أن نحتسب الأدبيات في أخبار النساء وأحوالهن.

وما أحسب أن سلام الراسي كان مقدراً أو عارفاً حجم ما يختزنه من مأثورات ومشافهات. فقد وجد نفسه، بعد ستة كتب في التراث، عاجزاً عن قياس ما تبقى من عمق في مخزونه، فكان عنوان كتابه السابع «الحبل على الجرار»، بمثابة اعتراف بهذا العجز، وكانت بعد ذلك، كتب كثيرة بالفعل، عشرة كتب بالتمام والكمال.

فوق الغربال

اقتضت «مقامات» سلام الراسي أجيالاً وأجيالاً من العمل الجماعي، فتكرست في صدور ندرة/زبدة من الأهالي، فتلقاها سلام الراسي في غفلة عن أصحابها، أو على غير موعد منهم، فجاءت عفو الخاطر في مباسط لقاءاتهم ومجالسهم، في دواخل بيوتهم أو في ساحات قراهم.

لم يجمع سلام الراسي مأثوراته، لأن هذه كانت قد اجتمعت لديه وتمثلت في وجدانه من قبل، كما سبق أن اجتمعت وعسّت في لغة ولهجات مجايليه وأنداده: الشيخ محمد نجيب مروة، وجورج جرداق، وموسى الزين شرارة، وحسن الأمين، وألفرد أبو سمرا، وسليمان أبو زيد، وسليم أبو جمرة، وأسعد رحال، وراضي دخيل، وعبد الحسين عبد الله…. وما يخالط مروياته أحيانا من ملح معدودة منشورة عن آخرين، ويبدو أن سلام الراسي قد «جمعها»، من خارج سياق العفوية البلدية الخلاقة بسذاجتها، يجعل هذه المرويات لوهلة خارج السياق «وغير بلدية»، شأن ما يرويه عما هو مشهور عن بداهة استقبال شعراء الزجل خليل روكز وعلي الحاج والسبعلي، لعميد الأدب العربي طه حسين.

كذلك لم يتخّير سلام الراسي منقولاته ومأثوراته. ولم يعقد رواية لمأثورات ضاحكة، طارداً غيرها من روايات سوداء باكية. كل الروايات سواسية في الأريحية والبشارة. كان دوره الدائم «تدميث» الرواية بلغة خاصة، بعد توقيعها من قرائها موقعها الممرح. ونستطرد هنا لنقول، إنه ينطبق على روايات سلام الراسي، وموقعها من القارئ أو السامع، ما ينقله المثل الشعبي عن مسبّة الدين، فهي في موقعها عبادة. وسلام الراسي يعرف كيف ينقل الروايات والنوادر السوداء.

ينقلها بأريحية صور «توم أند جيري» المتحركة، حياة خالدة متجددة، وموت متكرر لا يدفع إلى حزن أو يأس، موت يكون دائماً لمقلب جديد ومقتلة جديدة. وهكذا يجعل سلام الراسي من موت صاحب «المشحرة» في جزين والردة التي قيلت في موته، طرفة ضاحكة، وصراعاً «طبقياً أبيض»، وثورة «دائمة في علم اجتماع الموت». والأمر عينه يحصل مع احتجاج المرسَلة البروتستانتية، وتشكّيها الديني من النادبات القرويات وندباتهن الشعبية في أم سامي المتوفاة.

وفي أدب سلام الراسي، يقف المندوب السامي والقائد الإنكليزي وكميل شمعون وأحمد الأسعد وعادل عسيران ورياض الصلح وإميل البستاني، متساوين في طُرفِهم مع جيران سلام الراسي وأصدقائه وأصحابه ومعارفه وغيرهم من عجائز القرى. ويقفون متساوين، في الرواية، مع النَوَر والبدو وسراق ولصوص عرب الفاعور والفضل في الجولان. جاء ذكر الجميع في الروايات حسب تسلسل المنقولات والمناسبات، وفي سياق مواضيع الأحاديث وترتيبها، لا في سياق المكانات وتراتبيتها.

كل بحواش محواش

لأن ثمة مواقف وطرائف ونتفاً، لا يستقيم الحديث عنها في غياب لغة وألفاظ وعلاقات وأجواء خاصة بها. أو، من دون اختراغ هذه اللغة والأجواء الخاصة. وهنا ريادة سلام الراسي وفرادته. فاللغة والألفاظ ملك لسانه وقلمه، والأجواء ملك يمينه وسيرته. ناهيك بالطبع، عن الثقة والسلام التي استوى عليهما الراسي في صدور الآخرين، بحيث انتفى لديهم أي محذور في التصريح له بمكنوناتهم، ومسارّتهم له عن أحوالهم، انتفاء الاضطراب والقلق من بال الريفي البسيط الجالس على كرسي الاعتراف بين يدي خوري قريته. فمن غير المعقول، أن تكون إجابة واحدة من شخصيات سلام الراسي، رداً على سؤاله لها عن «أحوال» زوجها، وقد عاد كهلاً من مغتربه بعد طول غياب: «ختيار بالدار ولا عازة الجار»، لو لم تكن الثقة جسر مودّة بين الطرفين.

ولا يخضع سلام الراسي لمقايسات مع آخرين، على عكس شخوصه الذين يذكرونك دوماً بآخرين، يعيشون بقربك جيراناً أو أقارب أو أبناء محلة، لهم نوادرهم وطرائفهم. أما الراسي فليس له قرين في منهجه، مواضيعاً ولغة. فلا عهد لنا في الأدبيات اللبنانية، واستطراداً العربية، بمن أوقف أدبه بالكامل على مثل هذا المنهج، وعلى مثل تلك اللغة.

وليس غريباً أن يخترع الراسي مفردات نتعايش معها ونفهم دلالاتها، من دون أن نشعر بضرورة التفتيش عن مصدرها في اللغة وفي اشتقاقاتها، وهذا منهج عملي «ناجح» جداً، في ترجمة الأحاسيس ونقلها. فنحن نمر على هذه المفردات ونأخذها من دون نقاش أو محاسبة. تماماً كأخذنا بالمفردات والتسميات لقطع في سياراتنا، والتي يضعها لنا أصحاب كراجات تصليح السيارات: «جنزير الصدر» و»البزبوزة» و»البيضات» والزند» و»البطيخة» و»التربيعة» … فكما الحجر في مكانه قنطار، كلمة سلام الراسي في مكانها ملحمة.

فاللغة عند سلام الراسي، كفراشة أمين نخلة «تحط ولا تنهض، ولا حطّت ولا نهضت، بل جاءت في سياق الهواء». وفي لغة الراسي، لا فصاحة تقوم، ولا عاميّة تحط. وإنما يأتيك الراوي وأشخاص الرواية باللغة والمفردات، تتنزل عليك من حيث لا تحتسب، وتسيل بياناً في صياغة جديدة أو متجددة للكلام. تفيض خفة وحلاوة وطلاوة.

فاكهة من غير أوان

اخترقت «مقامات» سلام الراسي، حواجز الحرب الأهلية وسواترها. وهي التي عايشت في ظهورها مباشرة اللبنانيين لاحترابهم. ولا نعني بالطبع هنا، ما تلوكه الأقلام من حواجز وسواتر طائفية. وإنما نعني سواتر ما يفصل بين الخليّ والشجيّ، وسواتر عدم القدرة على مداولة الضحك والأريحيّة، مع الهموم والاضطراب والقلق. حيث لا مكان للتراث ولا للفرح. نزلت كتب سلام الراسي يوم كان الناس طوال الحرب، يفتشون عن تاريخهم الذاتي الخاص، منجاة من عوز أو عزارة أو من خطر أو من خوف، أو حتى من موت. ومع كل ذلك، كان لأدب سلام الراسي مكانته لدى اللبنانيين، كل اللبنانيين، وفي أثناء قلقهم على واقعهم ومصيرهم. كان لرواياته جمهور كبير من المتابعين، من كل القراء في لبنان، وكان للمقابلات المرئية معه نصيب واسع من المشاهيدن، من كل أنواع المشاهدين. فالاطمئنان والدعة التي تضعنا فيها رواية سلام الراسي لمقاماته، ترينا أن في الناس، كل الناس، المسرّة دائماً، ودائماً كذلك السلام على الأرض.

وكل أبطال سلام الراسي «أنبياء» في أقوالهم ومعالجاتعم لشؤونهم، ما دام المثل في أمثالنا «نبياً»، وما دامت الأمثولات تنداح على ألسنتهم كرارة في كل سكنة أو حركة منهم. وما دمنا نرى في تلك المقامات جرعات من حلول أو معالجات، أو لحظات من فرح وأمان.

فمقامات الراسي تخليك من حاضرك، وتنتقل بك دوماً إلى قابل أيامك وتوقعاتك ومستقبلك، في رؤية جديدة للعالم، وهّاجة دوماً.

وكما يقول الأعراب، بأن لكل إنسان من اسمه نصيب، كان من اسم سلام الراسي للأدب الشعبي، سلامه وأمانه. فهو أدب يأتيك بعبق الضحك والفرح من حيث لا تعلم. تقف فيه، عن خبث المتخابثين، المسافة نفسها في موقفك عن غفلة الغافلين، أو عصص المعصوصين، أو غصّة الغاصّين. وهو بذلك يفارق غير كتابات في أحوال الناس وأحداثهم. حيث ترى نفسك مع كتابات الآخرين، طرفاً مباركاً أو لاعناً لهذا أو ذاك. فأنت تقف معها على حدّ الموقف، محازباًّ أو مطارداّ، هذا أو ذاك من شخصيات جبران خليل جبران أو مارون عبود أو توفيق يوسف عواد…

وطني الناس

بعد، وما دامت إمارات في الأدب قد انعقدت لصنوف أدبية من شعر وبيان وزجل، سلام الراسي أميره الأدب الشعبي ووحيده. فهو لم تكن له من الأدب شغلة غير تلك في الأدب الشعبي. وهذا ما لم يسبقه أو يجاريه فيه أحد. فقد كانت لسابقيه من رواد الكتاب في هذا الأدب، مداولات في غير أنواع أدبية من نقد أو أبحاث أو رواية. أو كانت لهم أنصبة من سياسة أو إدارة أو مواقع أثيرة من هيئات اجتماعية.

ولا نبالغ إذا قلنا إن نجاح سلام الراسي هذا، كان دافعاً لآخرين، لتقليده في مسلكه الأدبي، فكان الحديث في كتب طويلة عن مسامرات ومطارحات ونوادر في محلة أو جماعة. ومن الحق أن نذكر هنا، أن نصيب النجاح لم يكن كبيراً في نتاج المقلدين. فهذا النتاج، في غالبه، قياساً على نتاج الراسي، يبقى كما قال حافظ إبراهيم في تعريبه لبؤساء فكتور هيجو «كالحسناء وخيالها في المرآة».

وإذا كان أحمد بيضون يرى «العمر في وجوه قليلة»، من أحباب وأصحاب، فإن سلام الراسي يرى العمر، في سوالف ينتهي العمر مع الانتهاء من روايتها. أليس هو القائل:

لا السهل والوديان والجبل

وطني ولا الأنهار والسبل

كلا ولا الأطلال بل وطني

الناس ما قالوا وما فعلوا

مع سلام الراسي، كنا نسمعه فنتمنى أن ندوّن ما يقول. نقرؤه أن نتحدث بما يكتب، كان يستظهر الروايات، وحتى التراث، عن ظهر قلب، كما يستظهر في مهجته أسماء أولاده وإخوته.

سلام الراسي وبعض رعيله وجدان خاص لا نطاق لنا سواهم.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق