مطرقة الإلحاد وزجاج الإيمان

كثيرون منا تعرضوا للخداع في حياتهم سواء على مستوى الأفكار أو التعاملات مع الآخرين وهو ليس أمرا معيباً أو مهيناً، لكن ينبغي علينا أن نتعلم كيفية التعرف على المخادعين وفضحهم بدلاً من أن نكون ضحاياهم دائماً. وهدفي في هذا المقال البسيط هو أن ابعد الناس عن أحد المخادعين الذين حظوا بشهرة واسعة في السنين الأخيرة الماضية، ولا أخفي كوني أحد الذين خدعوا به في يوم من الأيام. والشخص الذي أتحدث عنه هو رجل دين يعيش في الغرب ويلقي محاضرات في مختلف المجالات واسمه عدنان ابراهيم.

ولغرض الاختصار والتبسيط على القارئ سنبدأ مباشرة باستعراض أقواله من سلسلة المحاضرات التي تحمل عنوان: “مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد”. وبسبب كثرة المواضيع وتشعبها فإنني أدعوك عزيزي القارئ إلى مشاهدة هذه السلسلة وتحديداً الحلقات الخمس الأولى وذلك من أجل أن تفهم كل نقطة أو فقرة سأقوم بالتركيز عليها وتحليلها نقدياً.

الحلقة الأولى
1 ـ الدقيقة 12: “وإذا ثبت أن الله تبارك وتعالى هو حقيقة الحقائق فخطير جداً وخسارة فادحة أن يضل الإنسان طريقه إلى هذه الحقيقة، هذا سيكلفه الكثير في الدنيا وفي العالم الآخر الذي لا يؤمن به”.
هذا الكلام متهافت جداً ويحتوي على الكثير من المغالطات المنطقية التي سنوجزها كالآتي:
الشخص الملحد لا يؤمن بوجود اله، وفي حال أنه مات واكتشف أن هنالك إلهاً فعلاً فإن هذا لا يعني أنه سيرمى في نار جهنم، حيث لا يوجد ترابط أو تلازم بين وجود إله ووجود جهنم. والسبب الحقيقي في قول عدنان ابراهيم لهذا الكلام هو أن النار والعذاب في الآخرة والتفاصيل البشعة للآلام التي سيتعرض لها غير المؤمنين مذكورة في الكتب الدينية التي يؤمن بها. ولذلك فإن افتراضه يتضمن افتراضات أخرى إضافية، وهي افتراض وجود إله ثم افتراض أن الآخرة صحيحة كما وردت في نصوص الدين الذي يؤمن به، ثم افتراض أن هذا الإله عادل ولن يرميك في نار جهنم مع انك من المؤمنين به الخ…
كل هذه الافتراضات يجب أن يتم إثبات صحتها على حدة قبل الدخول في جدال طويل عن احتمالية دخول الملحد إلى النار في حال لم يؤمن قبل موته.

2 ـ الدقيقة 22: “في أثناء هذا العرض أحاول أن أعرج وأن أضع اصبعي على الأسباب التي دعت للإلحاد، لأن كثير جداً من هذه الأسباب لم تكن محض أسباب عقلية برهانية استدلالية استنتاجية. لا، كانت من باب العوامل، يوجد فرق بين السبب والعامل أو بين الدليل وبين العلة”.
لتبسيط هذه الفكرة نقول إن هنالك فرقا بين الدليل على صحة فكرة ما، وبين العلة التي تُوجد شيئاً ما. فحين يسألك احدهم لماذا تعتقد أن الأرض كروية؟ فإنك تجيبه بطرح مجموعة من الأدلة مثل وجود صور تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية وغير ذلك، وهذا يسمى استدلالا، حيث انك قمت بتقديم دليل على صحة ما تعتقد. أما حين يتم سؤالك لماذا تأكل طعاماً خالياً من الملح وتجيب بكونك مصاباً بمرض ارتفاع ضغط الدم فإن هذا ليس استدلالاً بل تقديم علة أو سبب يدفعك إلى الابتعاد عن الطعام الذي يحتوي على الملح.
وما يحاول عدنان ابراهيم قوله هو أن الملحدين لم ينكروا وجود الإله بسبب امتلاكهم لأدلة عقلية أو علمية بل بسبب حالاتهم النفسية وتجاربهم في الحياة وما شابه ذلك. والرد على هذا الادعاء بسيط جداً ننقله من المثال الذي ضربه بنفسه لتبسيط الفرق بين الدليل والعلة حيث يطرح سؤالاً بسيطاً وهو: “لماذا البلدة الفلانية مسيحية كاثوليكية؟ هذا ليس مدللاً بل معللاً، مستحيل أن يقول لك كل فرد من أهل هذه البلدة أنا مسيحي كاثوليكي عندي الأدلة على ذلك. انت وجدت نفسك كذلك انت ابن عوامل معينة ابن علل معينة”.
والمشكلة التي أوقع نفسه بها أن مثاله يدل على كون المؤمن سواء اليهودي أو المسيحي أو المسلم أو أي دين آخر يتبع دين أهله الذي وجدهم عليه، أي إن حجته تنقلب عليه لتثبت أن المؤمن هو الذي يتبع أفكاراً معينة بسبب عوامل وعلل لا أدلة وبراهين. هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن المؤمن بالإله هو الذي يجب أن يقدم أدلة على وجوده، في حين أن الملحد غير مطالب بتقديم أي أدلة أو براهين لأن البينة على من ادعى، والملحد ببساطة “لا يؤمن” بوجود إله. ورغم ذلك فإننا حين نقرأ كتب الملحدين ومن أي عصر كان نجد نقداً فلسفياً لجميع الأدلة التي يطرحها المؤمنون، وفي وقتنا الحالي توجد العديد من الكتب النقدية الصارمة التي تطرح وجود أدلة فلسفية وعلمية على عدم وجود الإله (مع الأخذ بالحسبان أن الملحد غير مطالب بذلك من حيث الاصل).

3 ـ الدقيقة 39: “عموما يتم ربط الالحاد بنفي الاخلاقية، ويقال بان الملحد لا يمتلك اخلاقية او التزاما اخلاقياً وهذا غير صحيح، طبعاً واقعياً غير صحيح، يمكن ان تجد وملحدا وعنده اخلاق عالية جداً”.
الظاهر من هذا الكلام ان عدنان ابراهيم لا يتهم الملحدين بسوء الاخلاق او انعدام الوازع الاخلاقي، وان كل شخص يربط بين اللااخلاقية والإلحاد فهو مخطئ. إلا ان الامر ليس كذلك ففي الحلقة الثانية/الدقيقة 23 يقول ما نصه: “الالحاد العملي لا ينخرط صاحبه في المحاجات والسجالات النظرية، فهو غير مهتم بالقضية إلا انه يعيش وكأن الالهة او الله غير موجود، يعني عايش حياته بالطول وبالعرض لا يمتلك حلالاً او حراماً. الان لو سألت هل هذا موجود؟ الجواب: موجود بكثرة بين المسلمين وبين المسيحيين وبين اليهود وبين الهندوس وبين كل بني البشر. كثير من بني البشر يعيش عملياً كملحد عملي. وأنت تستغرب هذا الشخص يؤمن بالله واليوم الاخر! وهو يفعل هذه الافاعيل. يهجر اباه 10 سنين او يضرب اباه او يضرب امه او يكره اقرب الناس اليه او يزني في اقرب الناس اليه او يأكل اموال المساكين او اموال اليتامى او اموال التبرعات للمنكوبين”. لقد نقلت هذا الكلام رغم طوله حتى يقتنع القارئ بأنني لا اتجنى عليه او اقوله ما لم يقل. وهذا يعني ان عدنان ابراهيم يعتقد بان الشخص الذي يعيش وكأن الاله غير موجود ـ جميع الملحدون يعيشون وكأن الاله غير موجود ـ لا يمتلك أي رادع يمنعه من فعل أي شيء يريده وهو يعيش حياته بالطول وبالعرض.
ولنؤكد نظرته هذه ننقل ما قاله في الحلقة الثانية ايضاً، الدقيقة 42 عند حديثه عن مدرسة هندوسية تعود للقرن السادس قبل الميلاد تدعى لوكاياتا: “وردتنا عنها اشعار قليلة، وحين تقرأ هذه الاشعار تشعر انك امام نزعة الحادية فهي تدعو الى التمتع أي عيش حياتك بالطول وبالعرض، في النهاية الكل فاني واضح انها نزعة الحادية”.
وكما هو واضح وظاهر للعيان فانه قد فسر التمتع وعيش الحياة بالطول والعرض على انه نزعة الحادية واضحة.

4 ـ الدقيقة 47: “لذلك بعض الاسلاميين ظن ان سقراط نبياً الله اعلم، وسلوكه عجيب وميتته الكريمة فيها شرف”.
وقبل ان نشرح الخطأ في هذا الكلام ينبغي ان نسطر بعض الكلمات التي نشرح من خلالها الطريقة التي مات الفيلسوف سقراط بها.
ملخص القصة بالاعتماد على كتاب محاورات افلاطون: قضت المحكمة اليونانية بإعدام سقراط والتهمة هي افساد الشباب وعدم الايمان بالإلهة التي تعترف بها الدولة. وفي الساعات الاخيرة قبل تنفيذ الحكم حدث شيء مفاجئ، وهو قدوم صديقه أقريطون ليقنعه بالهروب من السجن وعدم الخضوع للعقوبة الظالمة، إلا ان سقراط ابى ذلك وأصر على البقاء وتقبل العقوبة المتمثلة بشرب السم، فهو يعتقد ان الهروب سيقدم مثالاً سيئاً للناس الذين لن يحترموا تطبيق القانون في حال هروبه. ومن أجل نظرة تفصيلية لهذه الحادثة المؤلمة يمكنك عزيزي القارئ ان تشاهد لوحة “موت سقراط” للرسام الفرنسي جاك لوي دافيد.
والسؤال الذي نطرحه على عدنان ابراهيم هو: اين الشرف والكرامة في الانتحار؟ ففي النهاية، سقراط هو الذي قرر البقاء في السجن وشرب السم بمحض ارادته. وفي حال افترضنا كونه نبياً، هل يجوز له ان يخضع لقوانين دولة وثنية ظالمة لا تحكم بما انزل الهه عليه؟ وأكثر من ذلك هو ان سقراط لم يهرب من أجل عدم تشجيع الناس على مخالفة هذه القوانين الوثنية!

5 ـ الدقيقة 49: “اذا عرفنا الالحاد بأنه انكار وجود الذات الالهية او انكار وجود الله، فليس في الحضارة الاسلامية ملحد واحد. لا ابو العلاء المعري ولا محمد بن زكريا الرازي ولا ابن الراوندي، وهؤلاء كبار الملاحدة المشهورين في التاريخ”.
كيف علِم عدنان ابراهيم بعدم وجود ملحد واحد طوال قرون عديدة وعلى امتداد آلاف الأميال؟ هل سأل الناس جميعاً ان كانوا غير مؤمنين بوجود الاله وأجابوه بالنفي؟ ام لعله يقصد عدم وجود ملحد واحد ضمن فلاسفة ومفكري وأدباء الحضارة الاسلامية، ولكن هذا المقصد لن ينفعه ايضاً وسيبقى كلامه في خانة الخطأ، حيث اننا نجد شذرات ومقتطفات كثيرة تدل على الحاد بعضهم وعدم ايمانهم بوجود الاله. ومثال ذلك قول الشاعر بشار بن برد في الرد على اعتراضات احد أصدقائه: لا اعرف إلا ما عاينت او عاينت مثله. (شخصيات غير قلقة في الاسلام ص 150).
كما ان هنالك مناظرات عديدة تمت بين جعفر بن محمد ـ الملقب بالصادق ـ من جهة وبعض الملحدين من جهة أخرى، وهذا احد الملحدين يسأله “ما الدليل على صانع العالم؟” ويسأل ايضاً: :فما الفرق بين ان ترفعوا ايديكم الى السماء وبين ان تخفضوها نحو الارض؟“(الاحتجاج ص 332).
وفي جلسة اخرى دخل الملحد ابن ابي العوجاء على الصادق فسأله الأخير:”يا ابن ابي العوجاء انت مصنوع ام غير مصنوع؟ قال: لست بمصنوع. (المصدر السابق ص 333).
وللتأكد اكثر عزيزي القارئ انقل لك ايضاً سؤال ابن ابي العوجاء للصادق: أليس تزعم أنّ الله تعالى خالق كل شيء؟
فقال ابو عبد الله (يعني الصادق): بلى.
فقال: أنا اخلق.
فقال له: كيف تخلق؟
فقال: أحدث في الموضوع، ثم ألبث عنه، فيصير دواب، فكنت أنا الذي خلقتها. (الامام الصادق ص 431 وص 432).
وهذه النماذج تبين بكل وضوح وجود مفكرين ينكرون وجود الاله في الحضارة الاسلامية على عكس ما زعمه عدنان ابراهيم.

الحلقة الثانية
1 ـ الدقيقة 14: “اكثر من فيلسوف في العصور الحديثة طرح السؤال: هل يوجد ملاحدة حقيقيون؟ اعتقد ديدرو نفسه سئل مرة، هل يوجد ملحد حقيقي؟ فقال وهل يوجد مسيحي حقيقي؟”
قبل الاجابة على هذا السؤال نحتاج الى وضع تعريف موجز للإلحاد وهو: عدم الايمان بوجود اله او الهة. وعليه هل يوجد ملحد حقيقي؟ جوابنا: يوجد بكل تأكيد. ففي كل مكان حول العالم يوجد ملايين الاشخاص الذين لا يؤمنون بالإله او الالهة وكفى. ان الالحاد ليس ايماناً بشيء معين ولا مجموعة من الطقوس واجبة التطبيق لكي نبحث عن ملحد يقوم بتطبيقها ونسميه “ملحد حقيقي”، انه بكل بساطة عدم الايمان بفكرة معينة تدعى الله. ولذلك فان الالحاد يختلف عن الايمان الذي يجبرك على اعتناق عقائد وممارسة الطقوس محددة قبل الحصول على لقب مؤمن.

2 ـ الدقيقة 33: “النبي قال هذا: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه وفي رواية يمسلمانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟
لكن النبي يعرف ويفهم ان هذا لا يمكن ان يشكل حجة ضد الدين، ان المجتمع هو الذي يشكل بعد ذلك عقيدة الطفل او عقيدة الفرد وموقفه الايديولوجي. نحن نتحدث عن الاستعداد”.
لا جدال في ان تأثير المجتمع على طبيعة الاله او الدين الذي يؤمن به الفرد داخل هذا المجتمع لا علاقة له بكون هذا الدين حقاً او باطلاً، إلا ان هذا التأثير الذي يقول عنه عدنان ابراهيم بأنه “يشكل بعد ذلك عقيدة الطفل او عقيدة الفرد وموقفه الايديولوجي”، يكون في غير صالح المؤمن ابداً. وأمر اخر ينبغي التركيز عليه، هو ان مقارنته بين وجود الاستعداد لدى الانسان لتقبل الدين والتعامل معه على عكس باقي الكائنات الحية غير موفق ابداً فالأول يمتلك وعياً يختلف عن وعي باقي الكائنات. ثم ان وجود هذا الاستعداد لا يعني انه امر جيد او مفيد، فالإنسان لديه الاستعداد لتقبل الكثير من الامور المضرة والاعتقاد بصحتها والعيش وفقاً لها مثل الخرافات والأساطير والشعوذة وما شابه ذلك. ولأجل هذا كله، ينبغي على عدنان ابراهيم ان يثبت حقانية الدين ووجود منفعة يحصل عليها الانسان منه.

الحلقة الثالثة
1 ـ الدقيقة 20: “اله افلاطون غير اله ارسطو، اله ديكارت غير اله سبينوزا، اله ليبنتز مالبرانش وديكارت متقارب اما اله سبينوزا فمختلف، اله كانت الذي قال به لضرورات اخلاقية وعملية فقط يختلف عن كل هذه الالهة، اله هيغل وهو الروح المطلق يختلف تماماً، وهذا هو اله الفلاسفة، ولدينا ايضاً اله ابراهيم واسحق ويعقوب ويسوع”.
نضيف الى هذا المقتطف عبارة اخرى قالها في الحلقة الاولى/الدقيقة 46: “الاله الذي تؤمن به الحضارة هذه، غير الاله الذي تؤمن به الحضارة تلك. فأنت قد تنفي هذا الاله فتعد ملحدا عند ابناء هذه الثقافة لكن تبقى مؤمنا وقد تكون مؤمنا كريما عند ثقافة اخرى لم تنفِ الهتها او الهها”.
لا يحتاج الملحد الى اكثر من هذا الكلام الذي ذكره عدنان ابراهيم ليثبت كون فكرة الاله ليست موضوعية بتاتاً، فهي تخضع لمشاعر الناس وتقلباتهم الفكرية من زمان الى اخر ومن بقعة جغرافية الى اخرى وهكذا دواليك. ومما لفت نظرنا في المقتطف الاول هو قوله: “ولدينا ايضاً اله ابراهيم واسحق ويعقوب ويسوع”، الذي يشير به الى كون هؤلاء الانبياء لديهم فكرة واحدة او تصور واحد للإله على عكس الفلاسفة الذين اختلفوا فيما بينهم. ونحن نعترض على ذلك لان عدنان ابراهيم لا يمتلك وثائق تعود الى عصور هؤلاء الانبياء لتخبرنه بفكرة كل واحد منهم عن الاله الذي يؤمن به ويدعو اليه. والسبب الوحيد الذي دفعه لقول مثل هذا الكلام هو ايمانه بالقرآن الذي ينص على كون جميع الانبياء مرسلون من قبل الاله لغرض نشر رسالة واحدة، وهو خطأ كبير من قبل شخص يدعي الموضوعية والحيادية وينافي قوله في الحلقة الاولى/الدقيقة 29: “نحن لن نتدخل في الاديان لا الاسلام ولا غير الاسلام لا توحيدية ولا غير توحيدية سنتطرق فقط لمحل النزاع وهو الله كخالق”.

2 ـ الدقيقة 30: “لابد ان الشرائع تختلف من مرحلة الى مرحلة بين نبي ونبي نفترض الف سنة او اكثر او اقل، فلا بد ان تختلف التشريعات، ما المشكلة؟ ما الذي يُنكر في اختلاف التشريعات؟ لكن في التوحيد في اصول الاعتقاد كلهم على قول واحد فلا يتناقضون”.
عند قراءة هذا الكلام للمرة الاولى قد نستنتج منه ان هنالك دعوى لتحديث الدين وان لا مشكلة في اختلاف الاحكام الالهية تبعاً لتبدل الظروف والأزمان، إلا اننا حين نقرأه بعقل نقدي صارم فأننا نجد فيه الكثير من المغالطات، اولها: لماذا لا يقوم الشيخ عدنان ابراهيم بتطبيق هذا المبدأ على الشريعة الاسلامية وان يعتبرها شريعة تماثل الشرائع الدينية التي سبقتها من حيث حاجتها للتجديد والتحديث؟ فالإحكام الاسلامية ظهرت قبل 15 قرناً في حين اننا حالياً نعيش في القرن الحادي والعشرين، وعليه إلا ينبغي ان نطور من فروع الدين؟ قد يجيب بان الشريعة الاسلامية كاملة وصالحة لكل زمان ومكان، وردنا على ذلك هو: لو ان الشريعة الاسلامية كانت كذلك حقاً، اذاً لماذا ارسل الاله شرائع ناقصة سبقت الإسلام؟ الم يكن من الافضل ان يرسل شريعة كاملة منذ البداية لينتهي مثل هذا الاعتراض. عدنان ابراهيم هنا يقع بين خيارين، فإما ان يقبل بتحديث فروع الدين او يقبل بكون الاله يتصرف بشكل غير منطقي ويقوم بإرسال انبياء مع رسالات غير كاملة الى ان يصل الدور الى النبي الاخير الذي يمتلك ديناً كاملاً.
نصل الان الى محاكمة العبارة الاخيرة في النص وهي: “لكن في التوحيد في اصول الاعتقاد كلهم على قول واحد فلا يتناقضون”. وهي عبارة غريبة جداً تجبرناً على التساؤل إلا يعلم عدنان ابراهيم بان صفات الاله ليست واحدة في جميع الأديان، بل ان طبيعة الاله ليست هي نفسها في جميع الاديان؟
ولكي يكون كلامه هذا ذا مصداقية لمتابعيه فانه يجب ان يثبت كونه قد قرأ رسالات جميع الانبياء في شرق الارض وغربها حتى يمكنه القول بأنهم على قول واحد. وبما ان كلامه موجه للملحدين بالدرجة الاولى، فهل يمكن ان يقول لنا كيف سيقنع ملحداً بان الانبياء على قول واحد في مسألة التوحيد وذلك بالاعتماد على مصادر مستقلة عن النص الديني؟

3 ـ الساعة 1 الدقيقة 3: “فكرة من الذي قنن القوانين الى اليوم تطرح نفسها بقوة متجددة في العلوم الطبيعية”. “ولا يوجد جواب فلسفي وقناعتنا انه لا يوجد جواب عن هذا الامر”.
وجود الاسئلة في مجال العلم وفلسفته امر جيد ومطلوب، وذلك لان الاسئلة هي التي تحرك وتدفع العلماء للبحث ومحاولة الوصول الى اجابة علمية صحيحة، وفيما يتعلق بقضية من الذي وضع القانون في الطبيعة توجد اجابات متعددة وبعض الاعتراضات بين اصحاب الاجابات المختلفة، ومثال ذلك:
الرأي الاول: هنالك اكوان متوازية لانهائية، وفي كل كون من هذه الاكوان توجد قوانين مختلفة عن تلك الموجودة في كوننا الذي نعيش فيه.
الرأي الثاني: القوانين غير موجودة في الواقع الخارجي، وكل ما في الامر ان العلماء يدرسون الظواهر الطبيعية وفق معادلات وصيغ رياضية تيسر عليهم فهم الواقع.
وغير ذلك من الاراء الفلسفية التي لم تحسم حتى الان، لكن الغريب في الامر ان عدنان ابراهيم يعتبر الرأي الثاني مجرد نظرة عدمية ويقول عنه بأنه يضرب “صدقية العلم بل صدقية العقل ذاته”. لكننا سنثبت كون عدنان ابراهيم ومن لف لفه هم الذين يضربون صدقية العلم بل وصدقية العقل ذاته ومن كلامه هو شخصياً حيث قال في الدقيقة 33: “في الاديان ـ حتى الاديان التوحيدية ـ فان الاله يتدخل في الشأن الطبيعي والإنساني احياناً بأسلوب سافر وبأسلوب ينتهك حرمة القوانين الطبيعية والاجتماعية، هذا الامر يرفضه العقل الفلسفي الجديد، والعقل العلمي فيرفضه تماماً”.
واترك الحكم لك عزيزي القارئ لتخبرنا من هو الذي يضرب العلم والعقل من أجل المحافظة على ايمانه واعتقاده.

الساعة 1 الدقيقة 4: “الالحاد انتحار عقلي يعني قبل ان تلحد تماماً وبثقة كاملة لابد ان تنتحر عقلياً لا يوجد ملحد يلحد ويكون واثقاً إلا بعد ان بقوم بمحاولة الانتحار العقلي وينكر صدقية العقل ولياقات العقل درى او لم يدرِ”.
المقتطف الاخير جاء تعقيباً على افتراض عدنان ابراهيم الذي ينص على كون الفيلسوف ديفيد هيوم وكثير من الملحدين الجدد يعتقدون بعدم وجود قوانين في الواقع الخارجي وان كل ما يحصل في البحث العلمي هو محاولة عقلية لتفسير الطبيعة. فإذا كان الحال كذلك، كيف يتجرأ على اتهام جميع الملحدين بالانتحار العقلي وإنكار لياقات العقل مع ان القضية تقتصر على ديفيد هيوم وكثير ـ ليس كل ـ الملحدين الجدد فقط؟
مهما يكن من أمر فان رأينا الشخصي هو ان هذا الموضوع يرتبط بفلسفة العلم، وكيفما كانت النتيجة التي يتم اثباتها فأننا سنأخذ بها حتى وان تم اتهامنا جزافاً بالانتحار العقلي (دون اثبات لهذه التهمة).
وقبل ان نغادر هذه الفقرة سنثبت لك عزيزي القارئ بان المؤمن هو الذي ينكر صدقية العقل ولياقات العقل درى او لم يدرِ، وانه ينتحر عقلياً عند قوله عبارة: انا اؤمن بوجود الاله. وكل ذلك من كلام عدنان ابراهيم في نفس هذه السلسلة من المحاضرات حيث قال في الحلقة الثالثة/الدقيقة 26: “في نهاية المطاف، كل ايمان لابد ان يكون فيه جزء تسليمي وهو جزء كما سماه باسكال رهاني، يعني نوع من الرهان اما ان تقول بان الايمان يمكن تبريره كله عقلياً، هذا كلام فارغ”.
هذا ما تحصل عليه عند ايمانك فهنيئاً لك به يا عزيزي المؤمن.

الحلقة الرابعة
1 ـ الدقيقة 39: ينقل لنا عدنان ابراهيم قصة رواها اليهودي الحاصل على جائزة نوبل ايلي ويزيل الذي فقد امه وأخته في محرقة اليهود. وملخص القصة ان هنالك طفلاً في العاشرة من العمر او دون ذلك اقتيد الى حبل المشنقة امام عيني ويزيل وعدد كبير من اليهود وفي لحظة الاعدام تساءل احد الواقفين “اين الله؟ اين هو؟”. يقول ويلي: انبثق صوت في داخلي اسمعه بشكل واضح يقول ها هو معلق على المشنقة! وهو يقصد ان الله قد مات مع الطفل.
يعقب عدنان ابراهيم على هذه القصة: “هذه مسألة نفسية وليس بتفسير عقلي ولا تبرير منطقي للإلحاد، إنما مسألة نفسية ناتجة من تجربة شخصية”.
قد يكون للتأثير النفسي دور في الحاد كثير من الناس إلا ان هذه القصة لا تحتوي على تأثير نفسي ابداً، فأساس الحجة التي دفعت ويزلي للإلحاد عقلي وليس عاطفي. اذ كيف يمكن ﻻله كلي القدرة ان يقف مكتوف الايدي وهو يشاهد طفلاً يعدم او يغتصب او يتم يعذبه؟ مثل هذه الاسئلة تضع الاله قيد المحاكمة اﻻخلاقية وتنفي عنه اية الرحمة او الطيبة، هذا من جانب اما من جانب اخر فأننا لم ننس الاقتباس الذي نقلناه عن عدنان ابراهيم الذي يقول فيه ان الاله وفقاً للتصور الايماني يتدخل لتغيير الواقع دائماً، ونعيده هنا لارتباطه بالموضوع حيث قال في الحلقة الثالثة/الدقيقة 33: “في الاديان ـ حتى الاديان التوحيدية ـ فان الاله يتدخل في الشأن الطبيعي والإنساني احياناً بأسلوب سافر وبأسلوب ينتهك حرمة القوانين الطبيعية والاجتماعية، هذا الامر يرفضه العقل الفلسفي الجديد، والعقل العلمي فيرفضه تماماً”.
وهكذا يتبين ان قضية وجود الاله يمكن ان يتم محاكمتها بطرق مختلفة وكل ذلك وفقاً لأساس عقلي رصين.

الحلقة الخامسة
1 ـ الدقيقة 23: “هل سيأتي يوم على الانسان فعلاً يملك فيه إزمة كل شيء ويتصرف فيه في كل شيء؟ انا شخصياً لا اؤمن بهذا، مستحيل، مستحيل. لا يستطيع ولن يستطيع، تعرفون لماذا؟ الكون ارحب بكثير من ان يسمح له بذلك”.
هذا الكلام لا يحتوي على أي دليل يسنده وخصوصاً كلمتي “لن يستطيع”، فهي تعني ان البشر لن يتمكنوا ابداً مهما حافظوا على انفسهم وتقدمت تقنياتهم من بلوغ هذه المرحلة. ثم لماذا هذه الثقة والإيمان الزائد في شيء ﻻ نعرفه اصلا ويقع في خانة المجهول؟

2 ـ الدقيقة 39: “الخطأ ان يتدخل الدين في المسار العلمي، سواء كان اسلام او مسيحية او يهودية. لا يجوز لمفتي لا مفتي الجمهورية ولا مفتي المملكة لا يجوز لعالم دين ان يقول للعلماء ماذا تكتشفون وعن ماذا تسكتون، كيف تبنون نظرية وما هي النظريات المحرمة ان تبنى، هذا كلام فارغ، العلم لابد ان يعطى حرية تامة”.
الكلام جميل جداً ولا نملك أي اعتراض عليه، لكننا لا نشكر عدنان ابراهيم او نرفع من شأنه من أجل ما قاله. فالوضع الطبيعي هو ان نمنع الدين من التدخل في أي شيء ما عدا تأثيره على الفرد الذي يرغب بذلك لنفسه وفقط نفسه، وحين يصرح احد رجال الدين بضرورة فصل العلم او أي مجال اخر عن الدين وإعطائه الحرية الكاملة فانه لا يحسن او يتفضل علينا بقوله لهذا الكلام.

والى هنا نكون قد وصلنا الى نهاية المقال، وبعد كل ما ذكرناه في نقدنا للحلقات الخمس الاولى من هذه السلسلة سنضع حكمنا على طروحات وأفكار عدنان ابراهيم بصورة عامة في اقل عدد ممكن من الكلمات. ورأينا الصريح فيه: انه افضل من غيره من رجال الدين، إلا ان السيء والاسوء لن يختلفا كثيراً في نهاية المطاف وذلك لان المنبع واحد.

المصادر:
1 ـ الاحتجاج ـ احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ـ مؤسسة اهل البيت.
2 ـ الامام جعفر الصادق في نظر علماء الغرب ـ ترجمة نور الدين ال علي، دار الفاضل.
3 ـ تحقيق ما للإلحاد من مقولة ـ محمد المزوغي، دار الجمل.
4 ـ شخصيات غير قلقة في الاسلام ـ هادي العلوي، دار الكنوز الادبية.
5 ـ محاورات افلاطون: اوطيفرون. الدفاع. اقريطون. فيدون ـ تعريب زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1937.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق