“الجدران اللامرئيّة” تحكم بالإعدام على شابّ بتهمة الردّة في موريتانيا

 

“الجدران اللامرئية” عنوان ملفّ كنّا نشرناه في “الأوان” وساهم فيه كثيرون من المفكرين والكتّاب العرب، وأصدرنا زبدة مقالاته في سلسلة “كرّاسات الأوان” منذ أكثر من خمس سنوات، وقصدنا بعبارة الجدران اللامرئية ما نعيشه في بلادنا العربيّة من مظاهر عنصريّة تتبدى في العلاقات الاجتماعية، وفي اللغة، وفي الطقوس والعادات، وإن انعدم وجودها قانونا..جدران تعزل بين من يفترض أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، فتعطي بعضهم امتيازا على حساب بعض آخر إلى حدّ الاستئثار ببعض الحقوق، بل إلى حدّ الاستعباد وإنكار أيّ حقوق للآخر، الآخر المختلف بحكم التقاليد أو الخِلْقة أو السحنة أو اللون أو الدين أو الجنس…الآخر الذي وُلِد أسود أو يهوديا أو امرأة أو مسيحيا أو إباضيا أو شيعيّا أو سنّيا…جدران ما زالت قائمة وتفعل فعلها في تأجيل المواطنة وقيم الإنسانية، وترجئ دخولنا الحداثة وعصور التنوير..جدران يحاربها البعض، ويحاول البعض الآخر تهديم أسسها، فيما يحصّنها آخرون لتزداد مناعة وتصلّبا، باسم الدين حينا، وباسم التقاليد حينا آخر، أو باسم سكيزوفرينيا متمكّنة تحوِّل عقد النقص إلى عُقد تفوّق تعتمد الموروث لا الكفاءة والجدارة..

تتمايز هذه الجدران من بلد عربيّ إلى آخر بمقدار سماكتها وإن كان لها جميعها نفس الدرجة من التجذّر و“الآصالة”، مثلما تتمايز بدرجة وعي المجتمع المدنيّ والمجتمع السياسي بها، وبدرجة الثقافة في هذا المجتمع أو ذاك..ولا شكّ أنّ المجتمعات الأقلّ تعليما وصحّة والأبعد عن مقوّمات الديمقراطية وحقوق الإنسان هي التي تشهد أقسى وأقصى تمظهرات هذه الجدران وتأثيرها في الواقع..وليس عجبا أنّ بلدانا لم تلغَ فيها العبودية إلا حديثا، وألغيت قانونا لا فعلا واقعا هي الأجدر بأن تقف فيها هذه الجدران “شامخة” ساخرة من تحوّلات العالم الحديث..

موريتانيا إحدى هذه الدول التي لبست حلّة التمدّن سياسيا، فرسميّا هي جمهوريّة رغم أنها الأولى عربيا في عدد الانقلابات العسكرية في السنوات الثلاثين الماضية بما يدلّ على انعدام تقاليد الجمهورية واستقرار المؤسسات الدستورية، وموريتانيا ورثت ما تركه العهد الكولونيالي الذي حرص على عدم المساس بالبنية التقليدية للمجتمع وطبقاته وفئاته ليتمكن من التحكّم عبر تلك البنى التقليدية، فاعتمدت “الجمهوريّة” على رؤساء القبائل والطوائف والفئات المجتمعية، لتستمرّ تقسيمات المجتمع وتقسيمات الأفراد حسب محتِدهم ومكانة آبائهم بل وأجداد أجدادهم..طائفة “لمعلّمين” مثلا تعني المنتمين إلى المهنيين (حدّادين وغيرهم)، وإن كان الفرد مهندسا أو طبيبا فما هو إلا مهنيّ(والمهنة تفيد الامتهان والمهانة في لغة عربية تنتمي إلى أمّة لا يشرّفها العمل باليدين)، والعبيد هم من ذوي الأصول الزنجية التي من “حقّنا” أن نمارس عليها شتّى أنواع الامتهان والإقصاء الاجتماعي، وطائفة “الإكاون” وهي الملزمة لاعتبارات التقليد بأن يكون أفرادها من المغنّين والراقصين ولا يطمحون إلى اعتراف اجتماعي يحصّلونه بالعلم والمعرفة، و“أزناك” من ذوي اللغة الأمازيغية ويشتغلون أساسا في الرعي، وطبعا طائفة “اعرب محاربين” أو “لمرابطين” واختصاصهم أنهم معلمون ومؤدبون وقادة عسكريون وقادة شرطة وحرس وجمارك، و“الحراطين” المشتغلين بالفلاحة وما يتعلق بها…والغريب ليس وجود تمايزات بين الفئات بل في بقائها إلى اليوم فاعلة في المجتمع وفي السياسة..

المجتمع المدني الموريتاني على حداثة عهده يعمل على تجاوز هذه التقسيمات المخلة بالإنسانية والمانعة لتطوّر البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ويبدو أنّ نضاله لا بدّ أن يؤثّر آجلا أو عاجلا في تركيبة المجتمع ذهنيا وسلوكيّا..

يوم الأربعاء الماضي 24 ديسمبر 2014 أصدرت محكمة موريتانية حكم الإعدام حدّا على أحد “لمعلمين” وهو مهندس شابّ اسمه محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير، وصدر الحكم على أساس نصّ نشره الشابّ يتعرّض فيه إلى مسألة الجدران اللامرئية في موريتانيا، وآخذته المحكمة على ما في نصّه من “إساءة” للرسول محمّد، لأنّه استشهد بحكايات من سيرته فيها “تمييز” بين الناس على أساس القرابة الدموية والانتماء إلى نفس القبيلة، دون أن تقف هذه المحكمة على جوهر المسألة؛ الإقصاء الاجتماعي في موريتانيا، واستعمال المبرّرين للدين الإسلامي في استمرار هذا التمييز المجتمعي ذي الطابع السياسي..والدليل أنّ المسألة سياسية أساس تطمح إلى قمع كل من تحدّثه نفسه بخرق هذه القوانين الخرقاء وغير المكتوبة وليست مسألة دينية هو أنّ الشابّ المخيطير أعلن ندمه على مقاله و“توبته” من قرابة العام (جانفي 2014)، والشريعة الإسلامية عند أقسى منظريها لا تطلب من “المرتدّ” أكثر من التوبة بعد استتابته.

لا نتعرّض للمسألة من حيث الدفاع عن حرّية التعبير فحسب، ولا من حيث حرّية التفكير وحرّية التديّن، ولا حتّى من حيث اعتبار حكم الإعدام حكما شنيعا ينبغي حذفه من القوانين، بل وأساسا من حيث الطبيعة الاجتماعية لهذه القضيّة وجوانبها السياسية، وباعتبار هذا الحكم يسعى إلى ترسيخ تخلّف المجتمع وزيادة تأجيل الحكم الرشيد والمواطنة في هذا اللبلد..

والمجتمع المدني في موريتانيا بدأ في التحرّك، وإن اضطرّ عديدون إلى اللوم على مخيطير لتناوله للمقدّسات(وهو أمر فيه نظر لمن يقرأ المقال الذي كتبه ونعيد نشره هنا)، فإنّ عديد المنظمات في موريتانيا تحركت، وبعض من الكتّاب نشروا نصوصا ضد هذا الحكم، وضدّ استمرار هذه الجدران المسيئة فاصلة بين أبناء الشعب الواحد.

 

 

                  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                                  الدين والتدين و“لمعلمين“


                 محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير موريطانيا 

لا علاقة للدين بقضيتكم أيها لمعلمين الكرام فلا أنساب في الدين ولا طبقية ولا “أمعلمين” ولا “بيظان” وهم يحزنون……
 مشكلتكم إن صح ما تقولون يمكن إدراجها فيما يعرف بـ”التدين”….. تلكم أطروحة جديدة وقد وجدت من بين لمعلمين أنفسهم من يدافع عنها….
 حسنا….
 دعونا الآن نعود للدين و التدين حتى نتبين موقع الأنساب والطبقية من الدين…
 ما هو الفرق بين الدين والتدين…؟
 يقول الدكتور عبد المجيد النجار (إن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين؛ إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم ، فهو كسب إنساني. وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما)(كتاب الأمة).
 إذن: الدين هو وضع إلهي والتدين كسب بشري…
 متى كان الدين ومتى كان التدين…؟
 مما لا شك فيه أننا إذا قسمنا الفترة الزمنية للإسلام إلى قسمين سنجد:
    - فترة حياة محمد وهي فترة دين
    - ما بعد محمد وهي فترة تدين
 تعالوا بنا لنأخذ بعض المشاهد من عصر الدين:
    الزمان: بعيد معركة بدر 624 ميلادية
    المكان: يثرب
    ماذا حدث ؟

 الأسرى من قريش في قبضة المسلمين، والحكم قد صدر بما يلي:
 قال المستشار الأول لرسول الله أبو بكر الصديق: “يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا“.
 ملاحظة: من هم الكفار إذا هنا في رأي أبي بكر….؟
 ثم كان بعد ذلك قرار أبي بكر هو القرار النهائي مع إضافة عملية التعليم لمن لا يملك المال.
 لكن مهلا… لقد كانت هنالك حالة استثنائية فقد أرادت زينب بنت رسول الله افتداء زوجها أبي العاص بقلادة لها كانت عند خديجة، فلما رآها رسول الله رقّ لها رقّةً شديدة ، وقال لأصحابه إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فوافقوا على ذلك )، رواه أبو داود.
 برأيكم ما هذا الاستثناء…؟
    الزمان: 625 ميلادية
    المكان: أحد
    الحدث: قتال بين المسلمين وقريش

 قريش في مواجهة المسلمين انتقاما لبدر ورغبة في القضاء على محمد وأتباعه. هند بنت عتبة تستأجر وحشي لقتل حمزة مقابل حريته ومكافأة مالية تتمثل في حليها.
    هند تصل للهدف وتمثل في جثة حمزة.
 وبعد سنوات عدة وأيام ما يعرف بفتح مكة دخلت هند في الإسلام لتنال اللقب الشهير “عزيزة في الكفر … عزيزة في الإسلام” أما وحشي فأمره النبي أن يتوارى عن أنظاره عند دخوله الإسلام.
 هند قرشية ووحشي حبشي وإلا فما هو سبب التمييز بينهما وهم في الجرم على الأقل سواء أو إن شئتم الدقة فهند هي المذنب الحقيقي وما ذنب عبد مأجور.
 دائما و في نفس المعركة – أحد- و لنقارن ما حدث لـ”وحشي” مع دور شخص آخر هو خالد بن الوليد حيث أن هذا الرجل كان السبب الرئيسي في هزيمة المسلمين في “أحد” وقتل عددا من المسلمين وعند دخوله الإسلام أخذ اللقب الشهير “سيف الله المسلول” ، فلماذا لا يتم استقبال وحشي ويأخذ مثلا لقب “حربة الله التي لا تخطئ الهدف”…؟
    المكان: مكة
    الزمان: 630 ميلادية
    الحدث: فتح مكة
    ما هي النتيحة…؟

 نال أهلُ مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول محمدٍ ودعوته، ومع قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول محمد فيهم، فقال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، فقالوا: «خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ»، فقال: «لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ» وعبارة “اذهبوا فأنتم الطلقاء” وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي، وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها، فلم تُعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى.
    المكان: حصون بني قريظة
    الزمان: 627 ميلادية
    الحدث: إبادة بني قريظة

 السبب : 1- تآمر رجالات من بني قريظة ضد المسلمين في حصار الخندق هم القادة فقط إن عممنا مع العلم أن هنالك آية تقول : ” و لا تزر وازرة وزر أخرى “..
    2- وقد ثبت أن النبي قال لليهود وهو مشرف على حصون بني قريظة وقد حاصرهم :” يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت أتشتمونني؟ قال فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى : ما فعلنا ويقولون يا أبا القاسم ما كنت جهولا ثم قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرماة من أصحابه.
 وقد ناداهم بذلك لشتمهم إيَّاه. (الطبري(2/252) تحقيق الشيخ أحمد شاكر، وذكره ابن كثير بتحقيق الوادعي:(1/207)
    أريد هنا قبل أن أواصل أن أشير إلى أننا في سياق الحديث عن النبي فنحن نتحدث عن ما يمكن تسميته “العقل الشامل” بدليل أنه لا ينطق عن الهوى.
 ونعود للمقارنة بين الحالتين – مكة وبني قريظة-:
  بنو قريظة هموا بالتمالؤ – والأمر لم يحدث – مع قريش من أجل القضاء على محمد و دعوته. فتم العفو العام عن قريش و نفذ الإعدام في بني قريظة سيان من هم بنقض العهد أو من لم يهم بذلك فقد تم الحكم على بني قريظة، فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري، الراوي: – المحدث: ابن الملقن – المصدر: البدر المنير – لصفحة أو الرقم: 6/670 خلاصة حكم المحدث: صحيح مشهور.
 وهذا غلام ويُدعى عطية القرظي، لم يُقتل لأن المسلمين كشفوا عن عورته ولم يجدوا شعراً (دليل البلوغ) فنجا من السيف المحمدي.
 عن عطية القرظي، قال: كنت من سبي قريظة، عرضنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – فكانوا ينظرون؛ فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي. الراوي: عطية القرظي المحدث: الألباني – المصدر: تخريج مشكاة المصابيح – لصفحة أو الرقم: 3901 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.
 قريش واجهت المسلمين في أكثر من معركة وحاصرتهم حصارا شديدا في الخندق و في بدايات الدعوة انتدبت أربعين شابا لقتل محمد ليلة الهجرة وقبل الهجرة وفي مكة قتلوا وعذبوا المسلمين أشد تعذيب وفي فتح مكة وجدوا أمامهم أخا كريما وابن أخ كريم فقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 بني قريظة فقط هموا بالتحالف مع المشركين فكان جزاءهم القتل الجماعي.
    أين راحت الرحمة…..
    أم أن للأخوة و“أَتْبَنْعِيمَه” دورها في “العقل الشامل/المطلق“.
 وكخلاصة:
  إذا كان مفهوم ”بنو العم والعشيرة والإخوان” يجعل أبا بكر يحجم عن قتل المشركين وعلاقة الأبوة بين زينب والرسول تمنحها إطلاق سراح زوجها مجانا، والانتماء القرشي يعطي ألقاب البطولات للقرشيين ويمنعها عن الحبشيين.
والأخوة وعلاقة الدم والقربى تمنح حق الرحمة لقريش في الفتح وتحرم بني قريظة من ذلك الحق.
 وكل هذه الأمور تتم في عصر الدين فما بالك بعصر التدين.
 إخوتي
 أريد فقط أن أصل معكم – وأخاطب لمعلمين أساسا – أن محاولة التفريق بين روح الدين وواقع التدين هي محاولات “طيبة لكنها لا تنافس” فالحقائق لا يمكن طمسها، وهذا الشبل/البيظاني من ذاك الأسد…
 وأن الذي يعاني يجب أن يكون صريحا مع ذاته في سبب معاناته مهما كان السبب، إذا كان الدين يلعب دورا فلنقلها بأعلى صوت: يلعب الدين ورجال الدين و كتب الدين أدوارهم في كل القضايا الاجتماعية من: قضايا لحراطين ولمعلمين وإيكاون الذين لا زالوا صامتين رغم أن الدين يقر بأن مأكلهم حرام ومشربهم حرام وعملهم حرام…
    

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق