«تمبوكتو» للمخرج الموريتاني سيساكو .. الأصوليات القاتلة / ايمان حميدان

صحراء شاسعة وكثبان رملية وسيارة عسكرية ذات دفع رباعي حديثة الصنع على متنها ملثمون مع أسلحة اوتوماتيكية يلاحقون غزالاً وحيداً هارباً من أمامهم يصدر منه صوت كأنين طفل. أحد الملثمين يقف تحت علم لا إله إلا الله الأسود ويطلق النار باتجاهه ويعلق آخر «لا تقتله… فقط دعه يتعب…».

هذا هو المشهد الأول لفيلم «تمبوكتو» الذي عرض في مهرجان كان هذا العام للمخرج الموريتاني الصاعد عبد الرحمن سيساكو، والذي أثبت فيه وصوله إلى مكانة خاصة بين المخرجين الأفريقيين متميزاً بمقاربته الإنسانية وشاعريته. الفيلم يحكي عن وصول الجهاديين عام 2012 إلى مالي ووقوع شمال البلاد في قبضتهم. يختصر تجربة سكان الصحراء الغربية في مالي واجتياح الأصوليين لها ولمدينة تمبوكتو وارتكابهم جرائم باسم الشرع والعمل على تهديم رموز الثقافة القبلية.

زمر اصولية تقتحم مجتمعاً قبلياً متعدد الثقافات والمعتقدات وتمعن في إذلاله وتدمير تاريخه الاجتماعي والثقافي، يصورها سيساكو بشكل كاريكاتيري وهي محاطة بسيارات جديدة وهواتف ذكية ونظارات شمس سوداء، وكاميرات فيديو، وأسلحة حديثة. هذا كله وسط مجتمع فقير يفتقد إلى أدنى الخدمات العامة ويضطر أهلوه إلى نقل مياه الشرب بأكثر الوسائل بدائية. عصابات واضح ان لها مصادر مالية كبيرة، صادرت الدين بعناوينه الواسعة وعاثت باسمه. يصطفون في الصحراء الصفراء حيث لا أشجار ولا ماء ويصوبون رشاشاتهم الاوتوماتيكية باتجاه أي شيء. باتجاه غزال شارد أو تماثيل خشبية ترمز إلى معتقدات قبائل الصحراء. مشاهد قد تبدو مجانية الا أنها ليست كذلك بل تستدعي قراءة على مستويات عدة. وعلى الرغم من ان الرمزية أتعبت الفيلم أحياناً، إلا ان ما اراد سيساكو قوله كان واضحاً ألا وهو التحيز إلى الفن كوسيلة مقاومة وتعبير عن حرية داخلية. ثم إن المشاهد الشعرية المتنقلة بين الصحراء والنهر وتلك المرأة المغنية التي تشبه ساحرات الفودو والتي وقفت وسط الطريق تسدّ على السيارة العسكرية المرور، والفتيان الذين راحوا يلعبون كرة القدم برغم غياب الكرة، يركضون ويتقيدون بإشارة الحكم كأن الكرة بين أقدامهم، كل تلك المشاهد والحوارات الإنسانية العميقة أعطت الفيلم حصانة فنية متماسكة وأبقته بعيداً عن السقوط في ابتذالية يقع فيها كثير من المخرجين في تقديم العنف. قام بتصوير الفيلم سفيان الفاني الذي قد برع العام الماضي في تصوير فيلم «حياة آديل» للمخرج الفرنسي من أصل تونسي عبداللطيف كشيش، والذي حاز على جائزة مهرجان كان لعام 2013.

مجتمع قبلي استطاع أن يخلق توازناً معيناً بين التقاليد القبلية وبين الدين الإسلامي الذي يبدو قبل مرحلة الجهاديين، متسامحاً وملائماً لبيئة الصحراء بحيث لا مكان فيه للأصولية. نساء يعشن بحرية ولا يلبسن الحجاب إلا لأسباب بيئية صرفة تتعلق بريح الصحراء التي تهب وتحمل معها الرمال والغبار. شعب يعبِّر بحرية عبر الموسيقى إضافة إلى الغناء والرقص. فتيان يلعبون كرة القدم في الساحات، وعائلات تستقبل الليل بالعزف والغناء والحوار المرح. مقاومة يومية ازاء فقر وطبيعة حياة قاسية وجافة.

الأصوليون

هكذا كان يقضي رب العائلة الطوارقي جيدان في خيمته في الصحراء القريبة من المدينة تمبوكتو مع زوجتة ساتيما وابنته تويا الجميلتين. يملك قطيعاً من البقر أوكل رعايته إلى عيسان، فتى يتيم فقد والده في الحرب. جيدان طوارقي تعيش مع عائلته زوجته وابنته الجميلتان في الصحراء. في المساء يلعب القيثارة ويغني مع عائلته. يقتل امادو، وهو صياد سمك، إحدى بقرات جيدان لانها عبثت بشباكه الملقاة في النهر. يتعارك جيدان والصياد وتنطلق رصاصة بالخطأ من جيدان لتصيب امادو فتقتله. صراع على مورد الرزق لا يأخذ حله التقليدي بدفع فدية بل يتدخل الأصوليون لحله وفق الشرع. حلَّ الأصوليون الوافدون بالقوة مكان السلطات القبلية في حل النزاعات وقرروا إعدام جيدان. لم ينتظروا أن تعفو أم الضحية عن جيدان التي قالت «قلبي لم يعفُ بعد، أريد وقتاً أكثر…. ربما غداً». إلا أن غد جيدان لن يأتي. جريمة كانت القبائل تحلها عادة بطريقتها، إلا أنَّ تدخل الأصوليين قد اودى في النهاية ليس فقط بحياة جيدان ولكن بحياة زوجته أيضاً. تدخل الأصوليين في حيوات الناس أربكتهم وأذلتهم ودفعت بكثير من العائلات إلى ترك منازلها وخيمها والرحيل. بدأت الصحراء تعيش تجربة قاسية منذ وصول الأصوليين الذين بدأوا يفرضون عادات جديدة على الناس ويدخلون المسجد بأحذيتهم وأسلحتهم ولا يأبهون برغم طلب إمام الجامع المسالم التقيد بأصول الدين. المنع الذي فرضوه طال صميم الحياة في المدينة. مُنع لعب كرة القدم والغناء والموسيقى، كذلك فُرض على الجميع عدم الوقوف والتنزه في الشارع. وكالعادة النساء كنَّ أولى ضحايا هذه الممنوعات، إذ أجبرن على التحجب ثم لاحقاً على لبس القفازات والجوارب.

هكذا تعرض الناس للجلد والرجم حتى الموت. يقول سيساكو إن ما دفعه لكتابة سيناريو الفيلم وإخراجه قصة جرت في مالي، حيث دُفن شاب وصبية بشكل عمودي في الرمل ورُجم رأساهما حتى الموت بسبب علاقة حب بينهما أثمرت طفلا. في أفريقيا يمكن العلاقات أن تثمر أطفالا من دون زواج. لكن القوانين المستوردة من الخارج وباسم الدين فرضت مبدأ الزنى وعاقبت الأفراد، كاسرة بذلك نمطاً من أنماط العلاقات القبلية بين الرجال والنساء والتي يمارسها أبناء الصحراء.

رؤيا

أجنبي ينضم إلى الأصوليين. يصل مغمض العينين مع أدويته وأغراضه. يصبح واحداً منهم. مشهد ليس واضحاً تماماً، ومنضم آخر يصبح مترجماً يقول إنه أتى من ليبيا. ليس واضحاً كيفية انضمام الناس إلى الأصوليين وعلاقة الاقتصاد أو الأفكار الغيبية بوصولهم إلى هنا. لماذا ينضم ابن قبيلة معينة إلى الأصوليين. لم يحاول سيساكو الدخول في هذه المتاهة: متاهة إيجاد أجوبة لأسئلة جدية. فضَّل ان يبقى على ضفاف تلك الأسئلة من دون الغوص في وحلها الذي قد يأخذ الفيلم إلى واقعية مباشرة لا تتميز بأي خصوصية، وذلك على حساب جوّه الشاعري. هكذا لم يعط الفيلم صورة وافية عن كيفية وصول كل منهم إلى هنا. لماذا يتحول شخص ما إلى أصولي. ربما سيجيب سيساكو «ولكن هذا ليس هدفي في الفيلم.» حسناً، له الحق الا ان أجوبة كهذه تبقينا في مدار السؤال.

استطاع أيضاً التعامل مع موضوع العنف من دون أن ينجر وراء هاجس تصوير العنف نفسه. هذا يحتاج من دون شك إلى مهارة بالغة وحساسية عالية يبدو ان سيساكو تميز بها، ليس في فيلمه الحالي الذي عرض في مهرجان كان في أيار الماضي فحسب، ولكن أيضا في أفلام سابقة له مثل فيلم «باماكا» الذي أخرجه عام 2006، عبره قدم رؤيته للعولمة وتأثيرها على الفقراء في العالم، وعلى افريقيا، متخذاً من التحولات التي تطرأ على الصحراء الغربية من ازدياد في الفقر وضيق السبل مثالا. لم يتطرق سيساكو في فيلمه الجديد إلى العوامل الاقتصادية التي تدفع بشاب إلى الالتحاق بالزمر الاصولية، إلا أن من تابع أعمال سيساكو يرى ان المخرج يقدم أعمالا مترابطة في الرؤية وفي المقاربة وإن بدت بعيدة.

من العناصر الاخرى التي تميّز الفيلم عدم مقاربته لموضوع الإسلام بعين غربية في النظرة إلى الآخر، بل قدم مجتمع الصحراء الغربية حيث كان متعايشا مع إسلام معتدل طوَّعته القبائل بما يتلائم مع بيئتها وتاريخها، هذا مقابل إسلام خشن قاس مستورد بلغة مختلفة عن لغة أهل الصحراء. اللغة العربية في الفيلم هي لغة «المستعمر الجديد» ولا يفهمها أفراد القبائل الصحراوية لذا كان على الوافدين المسلحين اصطحاب مترجمين ليكونوا صلة وصل مع ابناء البلد والقبائل.

القضم العنيف لثقافة مجتمع نراه كل يوم في المدن العربية. ثقافة التعدد والغنى الثقافي تضمر يوماً بعد يوم في مدن العالم العربي، بغداد وصنعاء وحلب، مدن تُدّمر بشكل ممنهج من قوى متصارعة، ونحن نرى بيروت، التي ما زالت تقاوم على طريقتها، كيف ينخر التآكل الطائفي مجتمعها وصحافتها وثقافتها وفنها وتنوعها. مدن أخرى إذا دخلنا أكثر في قلبها نرى كم تتغير مثل القاهرة. تغيير أعلى الهرم لا يعني أن الأسوأ لم يحصل. فيلم عن مالي وتحديداً عن مدينة أفريقية هي تمبوكتو ولكنها مدينة تشبه مدناً في الجزائر وفي اليمن وفي صنعاء حيث الصحراء الرحبة وعاداتها المتنوعة تنوع سكانها تتقلص لمصلحة تشدد اصولي جديد على المنطقة. وكما في كل مكان أول ما يبدأ الأصوليون منعه هو حرية التعبير بأشكالها كافة، وأيضا قمع المرأة التي هي الرمز الأول لتلك الحرية. عليها لبس الحجاب والكلسات ثم يضاف إلى الحجاب إجبارها على تحويل جسدها بالكامل إلى خيمة متنقلة. اتوا إلى بائعة سمك في سوق المدينة وطلبوا منها لبس القفاز أثناء العمل وحين اعترضت جُلدت.

لقد أثبت عبد الرحمن سيساكو نفسه كمخرج يستطيع ان ينظر داخل الذات الإنسانية برأفة، ويرى أعضاء المجموعة الاصولية كأفراد، كل له أحلامه وهواجسه (مشهد معبّر لأحد الأصوليين وهو يستعيد حبه للرقص الممنوع في حوش بيت المغنية التي لعبت الدور بإتقان رائع الممثلة التاهيتية فاتوماتا دياوارا.)

فيلم جمع الشاعرية وقساوة الواقع والسخرية. عناصر متناقضة أدت إلى تكامل سار به المخرج حتى النهاية مختتماً فيلمه بجزء من المشهد الأول، ألا وهو مطاردة غزال في الصحراء. الآن باتوا يطاردون أبناء الصحراء أيضاً ويهجِّرون اطفالها.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق