محمد معتصم: الرواية المغربية تحتاج إلى من يدافع عنها / عبد الرحيم الخصار

ينشغل الناقد المغربي محمد معتصم بقضايا السرد في الأدب المغربي، والعربي أيضا. منذ ثلاثة عقود وهو يُعمِل مجساته وأدواته النقدية في جسد الرواية العربية بكثير من الحكمة والرصانة والإبداع، هو الذي وصل في البداية إلى أرض الكتابة عبر طريق الشعر. أصدر حوالي عشرين مؤلفا تُشكل في مجموعها بحثا عميقا في الرواية والقصة، ومشروعا نقديا ركز بالأساس على بناء الخطاب السردي ومقوماته. نال كتابه «الرؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن العشرين» جائزة المغرب للكتاب سنة 2005، ومن بين مؤلفاته: «الذاكرة القصوى: دراسات في الرواية المغربية المعاصرة»، «بنية السرد العربي: من مساءلة الواقع إلى سؤال المصير»، «بناء الحكاية والشخصية في الخطاب الروائي النسائي العربي»، «الصيغ والمقومات في الخطاب الروائي العربي»، «التداعي والمفارقة والتهكم: دراسات في القصة العربية».

في هذا الحوار يتحدث الناقد محمد معتصم عن كتبه الجديدة، وعن راهن الرواية المغربية، وعن موقعها وسط التجارب السردية في العالم العربي، كما يجيبنا عن حقيقة تلك العلاقة الملتبسة بين النقد والأدب، وعما إذا كان النقد العربي ظالما للرواية المغربية.

^ دعنا نبدأ الحديث من الرواية المغربية وعنها، كيف تنظر لها اليوم؟ كيف تقرأ تجارب المغاربة في هذا الحقل الأدبي؟

} لقد قطعت الرواية المغربية حتى اليوم أشواطا لم يعد معها الحديث ممكنا ولا مقبولا حول وجودها من عدمه، فالكتاب عديدون ومن أجيال مختلفة، بعضهم قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولحق بهم نفر كثير، وتجاربهم تختلف من حيث الكم ومن حيث الإضافة النوعية، ومن حيث التفرد الأسلوبي والجمالي، لكن رغم ذلك يمكن ملاحظة الآتي:

المغربية المعاصرة مسحة نسائية ونسوية، وبعضهن كتبن روايات ناضجة جماليا ومحتوى وقصدا مثل رواية «البوار» ورواية «من يبكي النوارس؟» لزهرة المنصوري، ورواية «ما قيل همسا» و»قبضة ماء» لاسمهان الزعيم، وروايات الشاعرة فاتحة مرشيد التي ظهرت في اطراد وتنام وجرأة في اجتراح موضوعات ليست مطروقة من قبل وكانت تعد من المسكوت عنه في الكتابة والحياة والمجتمع، وغيرهن كثير، وهي روايات توسع من مساهمة المرأة المغربية الكاتبة في فضاء الرواية المغربية، كما أنها تثري مدونة السرد العربية.

تعايش الأجيال والتجارب والتصورات الفنية والأسلوبية، فنجد عبد الكريم غلاب ومبارك ربيع وبنسالم حميش وسعيد علوش إلى جانب محمد برادة وأحمد المديني والميلودي شغموم، ومحمد عز الدين التازي ومحمد غرناط ومحمد صوف وعبد الحميد الغرباوي، إلى جانبهم محمد أمنصور ونور الدين وحيد وشعيب حليفي والحسين أشهبون وأحمد الكبيري والحبيب الدايم ربي ومحمد أنقار وخالد اقلعي وهشام مشبال إلى جانبهم خناثة بنونة وليلى أبو زيد وزهور كرام، وزليخا موساوي الأخضري وزهرة رميج، والحبل على الجرار.

تزايد عدد الروايات التي ينشرها أصحابها على نفقاتهم الخاصة داخل المغرب وخارجه، تنوع مراكز النشر والتوزيع جائزة اتحاد كتاب المغرب للشباب، منشورات الجمعيات الثقافية، مبادرة بعض دور النشر الصغيرة بنشر كتيبات في أعداد محدودة…

تنوع الموضوعات المطروحة وأشكال التعبير الفنية.

يلاحظ كذلك عدم التجانس الذي يسمح للناقد بفرز اتجاهات أو تيارات أو مذاهب محددة، تعالج قضايا محددة، من وجهة نظر سردية وفكرية معينة، وبأسلوب فني دقيق، وهذا ما يرسخ فكرة الكاتب الجزيرة؛ أي أن لكل كاتبة وكاتب أسلوبا سرديا خاصا في معالجة القضايا المطروحة على الفرد الكاتب وعلى المجتمع والمرحلة التاريخية والسياسية التي وجد فيها.

ابتعاد الكتاب المغاربة عن السيرة الذاتية الصريحة، ودخول مغامرة كتابة الرواية السيرة، أو السيرة الروائية والتخييل الذاتي في محاولة الاقتراب أكثر من القضايا التي يتم تحليلها سرديا وربطها بالتطور السياسي والتاريخي وبالذاتي ما دامت الذات لا تتشكل إلا في سياقات عامة.

عودة الكُتاب المغاربة إلى الاحتفاء بالرواية الواقعية؛ من زوايا مختلفة: واقعية تقليدية وواقعية تاريخية وواقعية ساخرة وانتقادية وواقعية سوداء، والاهتمام بالحكاية المتواترة والمتسلسلة حسب التدرج الزمني المنطقي للأحداث: أحمد التوفيق مثلا، والزهرة المنصوري وأحمد الكبيري والزهرة رميج…

زيادة الاهتمام بالرواية ذات النفس البوليسي، أو الخيال العلمي دراسة وتحليلا… وهكذا.

^ برأيك، هل هناك فعلا تراكم كمي يستطيع أن يشكل إضافة نوعية؟

} غالبا ما نجعل الكم سببا مباشرا للنوعية، وهذا الأمر يبدو لي غير منطقي، لأن النوعية والإضافة الفنية والجمالية تحكمهما معطيات ومؤشرات ذاتية أولا، تتمثل في الخبرة الحياتية (التجربة الحية والحقيقية للكاتبة والكاتب) والعمْق الإنساني والمخزون الثقافي الثري والمتنوع والعالمي والرؤية النافذة للكاتبة والكاتب الروائيين، ثم تلي كل ذلك المعطيات الخارجية المحيطة والعامة بشخص الروائية والروائي داخل السياق الثقافي والإبداعي المغربي (المحلي) والسياق الثقافي الخارجي (العربي) والعالمي (الإنساني)، إضافة إلى ما يجري على مستوى المحيط العام فكريا واجتماعيا وسياسيا والتحولات التي تؤثر في الفكر، وبالتالي في الرؤية والكتابة معجما وأسلوبا وطريقة سرد. أي أن الإضافة النوعية بالنسبة لي لا تأتي من التراكم العددي وحده، بل تنهض أساسا على انخراط الكاتب (ة) الروائي (ة) في المحيط العام وتنمية تجاربه وتنويع أفكاره، وتعميق رؤيته إلى ذاته والعالم المحيط به وقضاياه المستحدثة وتقنياته واهتماماته.

نعم، هناك تواتر في نشر الرواية المغربية المكتوبة باللغة العربية في المغرب، لكن هذا كله لا يساهم في خلق كاتب نوعي، بله كتابة نوعية، وكل الروايات التي أراها إضافة في حبل الرواية المغربية المعاصرة قامت على مجهود شخصيٍّ وبإمكانيات ذاتية.

الرواية المغربية

^ ما موقع الرواية المغربية اليوم وسط المنجز السردي العربي؟ ألا يزال النقد العربي ظالما للرواية المغربية؟ وإذا كان هناك خلل ما، فأين يوجد؟ هل في هذا النقد أم في الرواية المغربية نفسها؟

} هناك روايات مغربية مهمة جدا، وقد تناولت قبل الرواية العربية قضايا جوهرية وجديدة شكلت المنعطف وساهمت في اقتراح الحلول ومعالجة المستجدات الطارئة، وأحب تقديم مثال على ذلك رواية «من يبكي النوارس؟» لزهرة المنصوري التي تناولت قضية الصراع الثقافي والاختلاف الحضاري الذي أفرزته أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بنيويورك، في صورة فنية دون الوقوع في السجال السياسي والإسفاف في الخطاب. أما الرواية المغربية التجريبية فلا تحتاج إلى اعتراف بمكانتها وإضافاتها في المسار الروائي العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. ما ينقص الرواية المغربية هو روح (المواطنة) أو الوطنية التي تدافع عن العمل الروائي وتنشره وتعرف به، سواء داخل أسوار الجامعة المغربية بالدرس والتحليل والبحث الأكاديمي الرصين الذي يسائل ولا يجيب عن الأسئلة ولا يحاكم الأعمال الروائية ويصدر في حقها وحق كاتباتها وكتابها أحكام قيمة قاتلة ولا يقصي دون دراسة ونقد، سواء أكان البحث في الجزء (مفاهيم إجرائية، أو مستويات نقدية ومذهبية…) أو كان تدريبا على خطوات منهجية، أو كان تأكيدا لنظريات نقدية حديثة ومستحدثة، أو مقاربات متنوعة نفسية واجتماعية…

والأهم في نظري؛ التعريف بالرواية المغربية المكرسة والجديدة خاصة في المحافل العربية، ضمن التظاهرات الثقافية، والندوات التي يتم خلالها تبادل الدرس والتحليل. أما نشر الروايات المغربية وإعادة نشرها بالبلاد العربية، وتوزيعها فتلك قضية أخرى، تحتاج إلى فك الحصار عن الذهنية العربية التي تعادي الكِتَابَ كيفما كان نوعه وموضوعه وتنظر إليه كقنبلة موقوتة يمكنها أن تفجر وعي القراء العاديين ومتوسطي الفهم. عندما يتم التخلص من التفكير الأمني في الكِتاب، يمكن للرواية ضمنه تبعا لذلك أن تنتشر في البلاد العربية وتثبت مكانتها التي تليق بها.

سأعتمد على الرسائل التي تصلني شخصيا، حول ما أكتبه من مقاربة أو نقد أو دراسة تحليلية للنصوص الروائية المغربية، وعلى شهادة كتاب مغاربة سمعتها ولم أقرأها، وهي كلها تثبت بأن العلاقة سليمة بين النقد والرواية المغربية، وكثير من كتاب الرواية وهم في الوقت ذاته يمارسون مهنة التدريس في جل مستوياته الثانوي والجامعي، أي أنهم يدركون حقيقة النقد الأدبي وشروط إنتاجه يعترفون بأن النقد أنصفهم واستفادوا منه في كتاباتهم اللاحقة، لكن هذا لا يمنع من وجود أصوات تستنكر وتحتج وتتهم النقد بالإخوانية والتزلف وحتى الضحالة، وكلها متعجلة ومتلهفة لسماع رأي الدارس والناقد، وهو ما يبرز في نظري الحاجة إلى النقد الأدبي، وأهمية تشجيع النقاد على الاستمرار في مهامهم التطوعية والفردية والذاتية (لأنه لا توجد مدارس ولا أكاديميات خاصة بالنقاد ولا نقابات ولا جمعيات حكومية) بتوفير الجو الصحي في الساحة الثقافية وخلق جوائز أكثر لبعث روح المنافسة وفتح أبواب الجامعة المغربية أمام إسهامات النقاد والاستماع إلى اقتراحاتهم وتنظيم حلقات دراسية وأوراش وندوات منتظمة يتم فيها تبادل وتداول الشأن النقدي، وعبره الإبداعي مع الانفتاح على الطالبات والطلاب لأنهم هم القارئ المراهن عليه وفي أحسن الأحوال هم كاتبات وكتاب الأجيال القادمة… ليس الخلل في النقد وحده أو في الرواية وحدها ولا بين النقاد وكتاب الرواية، بل الخلل عبارة عن تراكم متنوع وخليط من الرغبة في التعرف على الذات والواقع الممكن والمتاح أمام الناقد الأدبي، واتهام الإبداع لا يفصل فيه إلا النقد، واتهام النقد لا تفصل فيه إلا البنيات وحدود الحرية الفكرية.

^ تشتغل أيضا على كتاب جديد عن الرواية والقصة في تونس. هل الثورة هي ما لفتك إلى الكتابة عن تجارب هذا البلد؟

} الثورة أخّرت عملية الانطلاق والاسترسال في إنجاز دراسات الكتاب، لأنني أفكر في أن ما سيكتب بعد الثورة وعنها سيكون مختلفا، والحقيقة أيضا أنني واعدت نفسي الكتابة عن السرد في تونس بعد زيارتي لتونس بدعوة من اتحاد كتاب التونسيين في دورة تكريم الراحل علي الدوعاجي سنة 2009م، وكنت قبلها أنجزت عددا عن الدراسات في أعمال روائية لكاتبات مثل آمال مختار ومسعودة بوبكر في سياق إنجاز كتاب حول الكتابة النسائية المغاربية، ويمكن القول بأن الصلة بيني وبين السرد في تونس جاءت عبر مجلة «الحياة الثقافية» التي كانت بدورها وما تزال تصلني بانتظام وأشارك فيها ببعض الدراسات بين الحين والآخر، وسمحت لي بمتابعة القضايا التي تشغل المبدع التونسي ومنحتني فرصة متابعة ما ينشره الكتاب والكاتبات في مختلف مجالات التعبير، والتجربة التونسية مهمة بدورها في تشكيل الملمح الغني والمتنوع للسرد العربي المعاصر والحديث، واقتراحات كاتباتها وكتابها مفيدة على مستويات عديدة من حيث التجريب السردي والموضوعات والقضايا الجمالية والفنية والأدبية المقترحة، مثلا كتابة مسعودة بوبكر في موضوعة كانت جديدة حين طرحتها وبجرأة كبيرة على القارئ العربي وهي مسألة التحول الجنسي، وعلاقة الفرد بجسده وبالمجتمع أو كيف يمكن للفرد أن يوافق بين حرياته الشخصية واختياراته في ظل مجتمع منغلق وتقليدي مهما بدت ملامحه الظاهرة حضارية وحداثية ومنفتحة، إنها تكشف عن التناقض والنفاق اللذين يحياهما المجتمع العربي، وتكررت موضوعة الطيب صالح مثلا في كتاب «هلوسات الترشيش» لحسونة المصباحي وظهر من جديد الصدام بين ثقافتين مختلفتين ثقافة غربية وثقافة عربية تونسية، وكتبت آمال مختار من وجهة نظر نسوية عن العلاقة غير السوية بين الرجل والمرأة في ظل ثقافة تقليدية ومجتمع لا يحترم حق المرأة الإنساني… إنها تجربة ثرية لا يمكن إلا أن تسهم في إجلاء حقيقة السرد العربي المعاصر بالدراسة والتحليل.

الشعر

^ باستثناء دراسة سابقة عن شعر مريد البرغوثي كل كتبك النقدية تعنى بالقصة والرواية، لكنك بالمقابل ترجمت أعمالا شعرية للوركا وويليام بليك. الآن تعد كتابا عن الشعر المغربي المعاصر. هل الكتابة عن الشعر هي محطة استراحة في طريق ناقد متخصص في السرد؟

} أبدا، أعتبر الشعر محطة المحطات، أي أنه الإقامة الوجودية للذات، لي، كتابة وقراءة ونقدا، لقد تعايشت مع الشعر منذ أول كتاباتي إلا أنني أجد كناقد أن الشعر يتطلب كتابة نقدية مختلفة عن الكتابة عن السرد وفيه، مثلا الكتابة في السرد جاءت نتيجة الدراسة الجامعية والتخصص العلمي الذي ربطني بالنظريات والمدارس النقدية الغربية و»العربية» التي اهتمت بالسرد وأفاضت في دراسته من زوايا متنوعة ومتعددة ومختلفة، أي أن هناك قاعدة واسعة لدراسة السرد ويكاد يكون البحث في السرد اليوم أن يُعَدَّ مدرسيا، لكن نقد الشعر، أعتقد أنه لا يحتاج إلى الوصفات الجاهزة ولا يمكنه إلا أن يكون متمردا على كل تصور «مدرسي» وعلى كل نظرة «تقليداوية» عتيقة لأنه الوجود ذاته أو أنه في أحسن الأحوال وأكثرها شيوعا صورة عن الوجود موازية لا تقول الحقيقة العينية كما هي لأن الشعر من خلال لغته المجازية وحقيقته الاستعارية لا يعترف بالحقيقة العينية المتمثلة في الأذهان والمتجلية في الواقع، بل يقول الحقيقة الممكنة والمتوارية خلف التمظهر الزائف والتجليات الخادعة. كتبت عن شعر مريد البرغوثي وكنت في بحثي أنقب عن البنيات الأساسية المتحكمة في الفكر الفلسطيني أو في الخطاب المقاوم من خلال الشعر واللغة الشعرية، وقد تجلت تلك البنيات حقيقة في ديوان مريد البرغوثي «الأرض تنشر أسرارها» وهي قصائد ملحمية ودرامية في آن. وكانت ترجمتي لوليام بليك ولوركا من باب الافتتان بالنصوص الشعرية وبطريقة كل منهما في بناء النص الشعري وفي بناء الصور، ولا أدري ربما كنت أريد أن أقول من خلال تلك الترجمات أن الشعر ضد التكلف وأنه يكون أصدق وأكثر تأثيرا وأعمق تعبيرا عن الذات وعن الوجود في بساطته. ما أتذكره اليوم من ترجمة بليك ولوركا هو المتعة التي منحاني إياها أثناء القراءة والترجمة والبحث. نشرت مؤخرا نسخة إلكترونية من كتاب آخر في الشعر بعنوان «الإيقاع في قصيدة النثر» على صفحة خاصة بي بالموقع الاجتماعي «فيسبوك» قبل حذفها، والأغرب أن هذه النسخة تم تحميلها 2000 مرة في وقت وجيز جدا؛ يومين أو أقل. مما يدل على تعطش القارئ العربي لقراءة كل ما يكتب عن الشعر العربي. أما كتابي حول الشعر المغربي المعاصر فأنا أبحث له عن صيغة مناسبة للنشر لأن صفحاته أصبحت كثيرة، ومن الممكن أن أقسمه إلى أبواب… إن اهتمامي بالشعر لم يتوقف يوما، لكن التفكير في نشر دراساته في كتاب هو الذي تأخر، ولا أعرف من سبّب ذلك.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق