هذه ليلتي / محمود الزيباوي

شيّع لبنان الكاتب جورج جرداق الذي اشتهر على مدى عقود من الزمن بمقالاته الصحافية الساخرة في مجلة “الشبكة”، وهو الشاعر الذي عُرف على مستوى جماهيري واسع مذ غنّت أمّ كلثوم من ألحان محمد عبد الوهاب قصيدته “هذه ليلتي” في نهاية العام 1968.

في تموز 1968، افتتحت أمّ كلثوم “مهرجانات بعلبك”، ورافقت الصحافة اللبنانية الحدث بحماسة بالغة. زيّنت مجلة “الديار” غلافها بصورة قديمة لكوكب الشرق، وعلّقت على الصفحة الأولى بكلمة: “أم كلثوم التي أصبحت في السبعين من العمر أحيت أمس أول حفلة غنائية في بعلبك فكانت ولا تزال سيدة الغناء والطرب الأصيل”، ونقلت عن المطربة العربية الأولى قولها: “أنا سعيدة بحضوري إلى لبنان، وأحب لبنان والشعب اللبناني، وسأغنّي قريبا أغنية لشاعر لبناني من ألحان محمد عبد الوهاب”. لم تذكر أمّ كلثوم حينها اسم الشاعر اللبناني، واتضح بعد فترة وجيزة أنه جورج جرداق، وأن الأغنية التي يلحّنها عبد الوهاب من كلماته هي قصيدة “هذه ليلتي”.

أحيت أمّ كلثوم حفلتين على مسرح قلعة بعلبك في تموز 1968، فغنّت في الأولى “الأطلال” و“فكّروني”، وفي الثانية “أمل حياتي” و“بعيد عنك”. قبلها بسنة، إثر هزيمة 1967، أعلنت سيدة الغناء العربي أنها ستبدأ رحلة فنية لصالح المجهود الحربي المصري تمتد حتى تصل حصيلتها إلى مليون جنيه، وجاءت حفلتا بعلبك في العام 1968 ضمن هذه الحملة. وفقاً لما نقله سيد فرغلي، مراسل “الكواكب” من بيروت، “حصلت أم كلثوم على مئة وخمس وثلاثين ألف ليرة لبنانية عن غنائها في حفلتي افتتاح مهرجان بعلبك الدولي، وهو أكبر رقم تحصل عليه فنانة في لبنان”، وخصِّص هذا المبلغ للمجهود الحربي كما كان مقرّراً. كرّمت الحكومة اللبنانية أمّ كلثوم في تلك المناسبة، وقلّدها رئيس الوزراء عبد الله اليافي وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر، في حفل أقيم في شتورا، وكانت حصلت من قبل على وسامين، “هما وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور، ووسام الاستحقاق اللبناني المذهب”. في لبنان، أعلنت كوكب الشرق أنها ستغنّي “أغنية لشاعر لبناني من ألحان محمد عبد الوهاب”، وجاء ذلك في سياق القرار الذي اتخذته بأن تختار شاعراً وقصيدة من كل بلد عربي، كما نقلت الصحافة العربية. في نهاية آب 1968، نزل جورج جرداق ضيفاً على برنامج

في كتابه “حكايات الأغاني”، يروي فارس يواكيم: “كان محمد عبد الوهاب يحب جورج جرداق وشعره. وذات مرة أخبره أنه كان تكلم بالهاتف مع أمّ كلثوم، وهي تبلغه السلام. وأضاف: ولقد اتفقنا على أن تغنّي أمّ كلثوم قصيدة لك في الموسم القادم. وفكّر الشاعر في كتابة قصيدة تليق بسيدة الغناء. وقبل أن يشرع في ذلك، جمعته سهرة بعبد الوهاب في أحد فنادق مصيف بحمدون. وفيما هما جالسان في الشرفة المطلة على الوادي الجميل، راح جورج جرداق يردّد أبياتاً من قصيدة له عنوانها”هذه ليلتي“. وحين سمعها عبد الوهاب قال: هذه هي القصيدة، رائعة، للمرة الأولى المرأة هي صاحبة القرار، هي التي تقول”هذه ليلتي“. وكانت قصيدة جورج جرداق تبدأ بمطلع غير الذي عرفه المستمعون حين ذاعت الأغنية وملأت الأسماع. كان الشاعر بدأ قصيدته قائلاً:”هذه ليلتي وهذا العود/ بثّ فيه من سحره داوود“. وفي البيت إشارة إلى النبي داوود صاحب المزامير. لكن أمّ كلثوم طلبت تغيير المطلع بسبب تلك الإشارة. وقالت للشاعر: نحن المسلمين والمسيحيين نجلّ النبي داوود، ونقول سيدنا داوود. فعلّق جورج جرداق قائلاً: سبق لعبد الوهاب أن غنّى”وهل ترنّم بالمزمار داوود“، في قصيدة”تلفتت ظبية الوادي“. وأنت يا كوكب الشرق غنّيت في”سلوا كؤوس الطلا“:”جرت على فم داوود فغنّاها“. يعني اسم داوود موجود في الشعر العربي المغنّى أيضا”. فأجابت أمّ كلثوم: “أيوه. بس يومها ما كانش فيه إسرائيل ونجمة داوود”.

استجاب الشاعر طلب أمّ كلثوم، وأعاد كتابة مطلع القصيدة على النحو الآتي:

هذه ليلتى وحلم حياتي/ بين ماضٍ من الزمان وآتِ

الهوى أنت كلّه والأماني/ فاملأ الكاس بالغرام وهاتِ

بعد حين يبدل الحب دارا/ والعصافير تهجر الأوكارا

وديار كانت قديماً ديارا/ سترانا كما نراها قفارا

سوف تلهو بنا الحياة وتسخر/ فتعال أحبّك الآن أكثر

النيل والجبل الأخضر

أتمّ عبد الوهاب اللحن، وأدّته أمّ كلثوم للمرة الأولى في الشهر الأخير من العام 1968 على مسرح سينما “قصر النيل” في القاهرة. تحت عنوان “ليلة التقى النيل والجبل الاخضر”، كتب محرّر مجلة “الشبكة”: “حلّقت الجماهير العربية في آفاق الطرب والنشوة ساعات هي العمر. كانت الملايين من المحيط إلى الخليج على موعد مع أمّ كلثوم ليلة الخميس الماضي، وكان لموعد هذا العام عبير خاص بالنسبة للنيل والجبل الأخضر، وبالنسبة للاهرام وبعلبك. فقد استهلت أمّ كلثوم سنتها الغنائية بقصيدة للزميل اللبناني الشاعر جورج جرداق، عملاق من عمالقة الكلمة في لبنان، لحّنها محمد عبد الوهاب سيد النغم على ضفاف السمراء، وأدتها قيثارة السماء أمّ كلثوم”. استعادت أمّ كلثوم في الوصلة الأولى من حفلتها قصيدة “الأطلال”، وحلّت “هذه ليلتي” في الوصلة الثانية. بين الوصلتين، وقف عبد الوهاب وراء الستار وهو يتمتم آيات من القرآن، “وقد خرج من بيته قبل الحادية عشرة وهام بسيارته على النيل وهو يتمتم آيات القرآن. الفنان العظيم يستغيث بالسور وآي الذكر ليتسلح بهما للموقف العصيب. سحب مقعداً وجلس وراء الستار، وألقى نظرة على القاعة. وبلغته أمّ كلثوم، فانبعث واقفاً ليجتمعا بأقطاب الفرقة الموسيقية. بزغ نجم فاروق سلامة فجأة بعدما أسندت جمل رئيسية من اللحن إلى أكورديونه الصدّاح. ولهذا وقف بين القمتين، يستمع للحوار بينهما وينفّذ الأنغام على الأكورديون. ومضت الدقائق، أخليت الكواليس تماماً من كل الناس، ومشت أمّ كلثوم على الكلمات مع اللحن، واطمأن عبد الوهاب فحيّاها وابتعد. وتسمّرت قدماه والستارة تنفرج، وعاصفة من التصفيق تستقبل أمّ كلثوم. وبدأت الفرقة الموسيقية، وعبد الوهاب مرهف السمع وهو يهزّ رأسه، وغيّر وقفته غير مرة، ومصمص بشفتيه إعجاباً. وأعاد هزّة الرأس بمزيد من نشوة لم يطمسها القلق. وبدأت أمّ كلثوم تغنّي، وانسحب عبد الوهاب من مكانه، وبينما الملايين تصفّق للحن اللقاء السادس بين عملاق الموسيقى وأستاذة الطرب، كان عملاق الموسيقى ينزوي في سيارته ويقول للسائق:”خلّي الراديو واطي، وامشي على مهل“. قلق لا يستريح. سائقه يعرف طباعه، ولا يقطع عليه تأملاته. في الماضي كان يعود إلى البيت، ويلتقي بشلّة أصدقاء في بيت أحدهم، ولكن هذه المرة أخلى نفسه للاستماع”.

حضر جورج جرداق مع زوجته الحفل في “قصر النيل”، وشهد نجاح الأغنية واحتفال الجمهور بها. عن الغناء للشعراء العرب، قالت أمّ كلثوم: “الكلام الحلو لا وطن له. مثلما نجده على ضفاف النيل، وفي جبل لبنان، سوف نجده على ضفاف بردى وفي جزيرة العرب، وأنا أحب أن أغنّي لكلّ شاعر مجيد”. وقال عبد الوهاب: “يا عيني على السهل الممتنع في قصيدة جورج جرداق”. غنّت أمّ كلثوم من كلمات اللبناني جورج جرداق “هذه ليلتي” في نهاية العام 1968، وفي شباط 1969، أعلنت أنها ستغنّي من كلمات الشاعر السوري نزار قباني “أصبح عندي الآن بندقية” التي لحّنها كذلك عبد الوهاب. تواصلت هذه الشراكة، واختار الثنائي أمّ كلثوم وعبد الوهاب من نتاج شعراء العرب خارج مصر قصيدة “أغداً ألقاك” من نظم الشاعر السوداني الهادي آدم، وغنّت كوكب الشرق هذه القصيدة على المسرح في أيار 1971. في كانون الثاني، غنّت أمّ كلثوم من كلمات شاعر عربي آخر هو الأمير عبد الله بن فيصل قصيدة “من أجل عينيك”، لكن الملحّن هذه المرة لم يكن عبد الوهاب، بل رياض السنباطي.

نجحت “هذه ليلتي” عند اطلاقها نجاحاً عظيماً، واستفاضت الصحافة في الكلام عنها، كما يحدث عند كل تعاون جديد بين أمّ كلثوم وعبد الوهاب، منذ ولادة “أنت عمري” في العام 1964. في آذار 1969، قال عاصي ومنصور رحباني: “محمد عبد الوهاب هو المعلّم الأكبر، والينبوع الزاخر الذي غمر الشرق بنتاج الموهبة الفذة والعمل المستمر الذي لم ينزل عن القمة لحظة واحدة. وما نحن إلا روافد من بحره الكبير، فلولاه لما كنا نحن ولا كان سوانا”. وقال زكي ناصيف كلاماً مشابهاً وأضاف: “عبد الوهاب هو الموسيقى العربية ولا شريك له فيها”. وقال وديع الصافي: “عبد الوهاب فوق الآراء. وعوضا أن يعطي واحدنا رأياً في عبد الوهاب، عليه أن ينحني على يده ويقبّلها”. وقالت فيروز: “كنت على سرير المرض في المستشفى بالمدة الأخيرة، لا أفتح عيني إلا لأستمع إلى رائعة عبد الوهاب وأمّ كلثوم الأخيرة”هذه ليلتي“أو أغنّيها. الله يطول عمر عبد الوهاب ويعطيه من أعمارنا لكي يبقى الذوق الرفيع في سلامة، على يد عملاق الذوق والجمال”.

في تموز 1970، عادت أمّ كلثوم إلى بعلبك حيث أحيت حفلتين. غنّت في الحفل الأول “هذه ليلتي”، وتبعتها بـ“أقبل الليل”. وغنّت في الأمسية الثانية “اسأل روحك” و“دارت الأيام”، وكانت هذه الأمسية آخر حفلاتها اللبنانية. حضر جورج ابرهيم الخوري الحفل الأول، وكتب في “الشبكة”: “أرادت كوكب الشرق أن تحيّي لبنان، فاستهلت حفلتها بقصيدة رفيقنا الشاعر اللبناني جورج جرداق ورائعة محمد عبد الوهاب”هذه ليلتي“. غنّتها بحبّ وسعادة وانشراح، وغنّتها بلذة وكيف وتصرف، وتلاعبت بنغماتها تلاعبها بمشاعر الحاضرين فانتفضوا يصفقون ويرقصون ويجنّون”.

نغم ساحر

دخل اسم جورج جرداق موسوعة الغناء العربي من الباب الواسع من طريق قصيدة لحّنها عبد الوهاب وغنّتها أمّ كلثوم، وكانت له تجارب أخرى في هذا الميدان، إلا أن أيّاً منها لم يرتق إلى مصاف “هذه ليلتي”. غنّت نجاة الصغيرة من شعره وألحان حليم الرومي “أنا لياليك يا حبيبي”، وصدرت هذه الأغنية على اسطوانة أعلن عنها في الصحافة بشكل لافت، غير أن هذا العمل لم يلق أي نجاح. كذلك، غنّى وديع الصافي “نغم ساحر” من تلحين رياض السنباطي، ومطلعها “نغم ساحر وليل فريد/ وقديم من الهوى وجديد”. وغنّت ماجدة الرومي من تلحين ايلي شويري “سمراء النيل”، ومطلعها “سمراء كليل السهران وكطلّة بنت السلطان”.

في المسرح الغنائي اللبناني، شارك جورج جرداق في “مهرجانات جبيل (بيبلوس) الدولية” في العام 1971، وكتب عرضاً عنوانه “يا ليل”، وهذا العمل ثلثه غناء وثلثه حوار وثلثه موسيقى، وهو من بطولة جوزف عازار وفدوى عبيد. قدّم الشاعر في “يا ليل” مجموعة من الأغاني التي بقيت في الذاكرة، وهي من تلحين وليد غلمية، وأشهرها “يا شعر الصبايا”، “يا ساكن الليل”، “روح وتركني”، “ميلي عاميالك”، “يا فراشة طيري”، و“قول للحلوة أحلالا”. في “يا ليل” أيضاً، غنّت فدوى عبيد من تلحين الأخوين رحباني “ناطرة متل الغريبة”، وهي من الأغاني المنسية التي تعرفها قلة من محبّي الغناء اللبناني.

إلى جانب هذه الأعمال، كتب جورج جرداق أغاني عابثة غنّتها مغنية منسية تُدعى شمس ولحّنها عاصي رحباني على سبيل الدعابة والتسلية، منها أغنية “مركب حبيبي”، وأخرى “يا نجوم السهرة”. وهذه الأغاني لا تليق باسم الشاعر، ولا باسم الملحّن.

عن ملحق النهار الثقافي

======

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق