تونس ثقافة أخرى / نجم والي

بالنسبة للفيلسوف الفرنسي كلود ليفي شتراوس، الثقافة ليست هي الأدب والفنون والفلسفة فقط، كل ما نعرفها عنها بالشكل المتعارف عليه، بل هي الأكل والملبس أيضاً، بكلمة واحدة، الثقافة هي سلوك. يستحضرني هذا الكلام وأنا أتابع أخبار الانتخابات التونسية، التي أثبتت مرة أخرى، كيف أن تونس تظل النموذج لتأسيس ثقافة، هي غير تلك الثقافة التي تأسست في بلدان مثل مصر والعراق، ناهيك عن الثقافة في البلاد الجارة لتونس، ليبيا، لكي لا نتحدث عن بقية بلدان ما أُطلق عليه «الربيع العربي«، التي بعضها ما زالت شعوبها تُبيد بعضها، وبعضها ينتظر، سوريا واليمن، هما نموذجان جيدان لكارثة ثقافة الإبادة البشرية.

تونس، بلد انطلاق أول شرارة احتجاجية ضد ديكتاتور عربي، سارت على طريقها الديموقراطي الخاص وبخطوات هادئة. في يوم الأحد قبل الماضي انتخب التوانسة أول برلمان لهم على خلفية الدستور الجديد. وبعد انتخابات الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عام 2011 ، تكون الانتخابات هذه هي الثانية التي جرت في البلاد الشمال أفريقي.

لكنها أيضاً المرة الأولى التي تغير فيها الأكثرية السلطة بطريقة سلمية عن طريق صناديق الاقتراع. الإسلاميون من حزب النهضة، الذين أصبحوا أقوى حزب قبل ثلاث سنوات، عوقبوا من قبل منتخبيهم بسبب أدائهم الحكومي. مع «نداء تونس« فازت القوى العلمانية بالانتخابات. والأجمل هو أن حزب النهضة وبشخصية رئيسه رشيد الغنوشي هنأ الحزب الفائز، حتى قبل أن تعلن النتائج النهائية عن خسارته. الغنوشي رفع سماعة التلفون وهنأ الباجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس. تقليد ثقافي جديد، سجل عن طريقه تاريخاً، يُحسب له ولبلاده.

تونس هي مختلفة إذن عن بقية البلدان الناطقة بالعربية! لكن لماذا نتعجب والبلاد «الخضراء هذه» (كما أنشدها فريد الاطرش) كانت مختلفة تماماً؟ المجتمع المدني الموجود في تونس رسخ نفسه منذ عقود طويلة، حتى قبل أن يأتي الحبيب بورقيبة للحكم. بورقيبة من طرفه أبقى على كل ما هو موجود من ظواهر مدنية في تونس، ان لم نقل أنه شجعها أيضاً. من يزور تونس سيرى ذلك بعينه، وخصوصاً بما يتعلق بوضع النساء، علاقات الرجل بالمرأة. قانون الأحوال الشخصية في تونس هو أكثر قوانين الأحوال الشخصية تقدماً في البلدان العربية، حتى تلك التي ادعت وتدعي العلمانية، كما كان عراق البعث وكما هي سوريا البعث اليوم. شريكان في الحياة، إمرأة ورجل غير متزوجين يستطيعان العيش سوية في بيت واحد من دون مطاردة قانونية أو الخوف من جريمة غسل للعار، أما الأطفال غير الشرعيين، فهناك قانون يحميهم.

البلدان التي كانت تدعي الثورية، كانت تسخر من تونس ومن بورقيبة، صنفته خائناً للقضية العربية، على هذه الثقافة تربينا، والغريب أن لا أحد انتبه بعدها، أن بلاد «الخائن» هذا هي وحدها التي استضافت ياسر عرفات ورجاله ومنظمة التحرير الفلسطينية. القليل منا انتبه إلى فرادة تونس.

أنه لأمر مدهش بالفعل، من يعاين كتب التاريخ، لن يجد ولو ثورة واحدة أو انقلاباً حدث في تونس! خذوا العراق مثلاً، وستجدون المفارقة. ثقافتان مختلفتان تماماً إذا اعتبرنا الثقافة ليست انتاج كتب وحسب، بل إنها سلوك ورؤية للعالم وللأشياء.

والأكثر دهشة، لأن ذلك سيبدو غريباً في أزمان السياسة النيوليبرالية، هو أن المجتمع المدني هذا بالذات شكل نواته بعد التغيير: اتحاد مركز النقابات القوي (أو جي تي تي). صحيح أن تونس شهدت عام 2013 جريمتي اغتيال سياسي، إلا أنها لم تسقط في وحل الفوضى، كما أن الدستور الجديد تمت صياغته رغم ذلك، والفضل في كل ذلك حقيقة يعود لعمل النقابات. لقد فهم اتحاد النقابات كيف يضغط، لكي يجبر كل القوى السياسية في تونس للحوار مع بعضها، لتحريكها من أجل تحول ديموقراطي منتظم.

ساعد على ذلك أيضاً، وجود طبقة سياسية لم تنس تماماً، بأنها تحت ظل الحكومة القديمة حوكمت من قبل الحكام ذاتهم وجلست في السجون ذاتها. حتىً في أوقات النقاشات الحادة ولم تكن قليلة في السنوات الثلاث الأخيرة لم ينقطع التواصل بين الاسلاميين والعلمانيين تماماً. المعارض السياسي لم يُحول إلى عدو سياسي إلا في حالات نادرة. وهذا وحده ليس أساساً سيئاً لديموقراطية نامية.

تونس كانت وتظل مختلفة. وعلى الآخرين التعلم منها، أو على الأقل عليهم أن يكفوا من التدخل في شؤونها، أن يتركوها لشأنها، إذا كان لا يعجبهم الدرس التونسي بالديموقراطية.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق