الفلسفة المرحة عند “نيتشه”


اعتدنا أن تقرن الفلسفة بالموضوعات التقليدية كالمعرفة والوجود والقيم. فالفلسفة كما تعلمناها في مدارسنا النظرية تحيل في أذهاننا إلى الحقيقة والوجود الحق، إذ بحلول العقل (اللوغوس) في التاريخ وإبعاد الأسطورة (الميتوس) سيعمل الخطاب الفلسفي على تأسيس مناهجه على الصرامة المنطقية، كالمحاججة الفلسفية وحتى البرهنة العلمية. هنا ستظهر معالم النسقية في الكتابة الفلسفية، حيث أصبحنا نجد تنوعا في الدعاوى مع تباين أساليبها الإقناعية .

هكذا سعت هذه النسقية، في بحثها عن العالم الحق، إلى التدرج نحو المتعالي والمطلق مما نتج عنه سحق كل أشكال المتعة، والفكاهة، والضحك والمرح… بدعوى أن هذه الألفاظ تعوق التأمل الفلسفي وتشوش على المعقولية الفلسفية، إن لم تكن مضادة للصرامة المنطقية ولتماسك النسق الفلسفي. وحتى في تصورها للسعادة والرغبة واللذة بقيت الفلسفة حبيسة الإرث الميتافيزيقي. إنها ظلت تبحث عن تحصيل السعادة في العقل أو القلب، أوفي السياسة والواجب… وهذا ما تطلب من الفلسفة استبعاد الشهوة والغريزة وكل ما ينتمي للحيواني والبهيمي من حقل تداولها. وحتى في تناولها لمفاهيم من قبيل الفرح والمرح والتسلية لم تتحرر الفلسفة من التأثيرات الميتافيزيقية. فمثلا نجد دراسة الضحك في علاقته بالانفعالات (ديكارت)، أوفي ربطه بالأخلاق (سبينوزا)، أو فى إطار السياسة (هوبز)…

إذا كنا في الفلسفة المعاصرة نصادف دراسات مخصصة لموضوع الضحك، كما هو الأمر عند برغسون، فإن لفلسفة نيتشه خصوصيات تمنحها التميز في التناول. فنيتشه أطلق على أحد مؤلفاته اسم “المعرفة المرحة”، بل إنه يربط بين المرح والحياة، بين الضحك والصحة. فما هي خصوصيات المرح والفرح عند نيتشه؟

استحضار مفاهيم المرح والضحك والفرح في فلسفة نيتشه يمثل هدما حقيقيا للأخلاق المسيحية وقلبا مشخصا للأفلاطونية. إنه نوع من تجسيد ضربات المطرقة على مستوى فعلي.

استثمار تيمة المرح يقصد به معارضة كل تشاؤمية فلسفية، باعتبار أن النظرة التشاؤمية للحياة هي نوع من سرطان الشيخوخة. فالمرح هو الذي يعطي للحياة قيمة. إنه هو الذي يمنحنا الآذان الصاغية للحياة، الحياة باعتبارها موسيقى، الموسيقى البهيجة وليست صفارات الإنذار.
النظرة الإثباتية للحياة تستلزم منا قبولها بكل فرح ومرح، ذلك ما عبر عنه زرادشت بقوله :“الحياة منبع للفرح. وأينما حل الرعاع – السياسي – تتسمم المنابع”. فلا داعي لإنكار الحياة، ولا مبرر لنفيها باعتبارها مرضا عضالا أو الاعتقاد انه لا قيمة لها كما قال سقراط لحظة احتضاره.

يقتضي الأمر قلب القيم، واعتماد القيم الإثباتية للحياة كما نحياها، “فالحياة… هي عالم من المخاطر ومن الانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصاتها ومرحها…الحياة كمبدأ تتطلب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح”.

هنا تحضر النظرة الجمالية للحياة. ففيلسوف المرح مطالب بأن يقبل على الحياة بكل فرح، فمن “الضروري أن نروح عن أنفسنا من حين لآخر وأن نضحك علاوة على ذلك… أن نكتشف البطل والبهلوان اللذين يجتمعان في شغفنا للمعرفة، أن نستمتع من حين لآخر بجنوننا كي نستمر في الاستمتاع بتعقلنا. ولأننا في العمق عقول خطيرة… فلا شيء يحسن إلينا من قبعة المجنون، إننا في حاجة إليها حاجتنا إلى دواء ضد أنفسنا”.

وخلافا للأخلاق، في طابعها المسيحي أو الفلسفي، التي تحرم علينا كل أشكال الفرح، نجد أن الفلسفة المرحة تمنحنا الحرية لتجاوز كل صرامة أخلاقية. فترجيح الضحك معناه قلبا فعليا للميتافيزيقا. فبالمرح سنتجاوز الأخلاق، لأنه “ستكون انتكاسة لنا أن نسقط كلية في الأخلاق بفعل نزاهتها النزقة”.

فما سبيل تحصيل المرح؟ وكيف نتوصل إلى عيون المرح بدون تسمم؟
تجاوزا لكل صرامة منطقية ولكل أشكال المطلق، وهدما لكل أخلاق انحطاط، تبدو حاجتنا إلى الفن ضرورية. فكل فن يمكن أن يعتبر“كوسيلة معالجة ومساعدة لخدمة الحياة النامية والمصارعة”. فلتجاوز المتعالي والميتافزيقي والأخلاقي نحتاج إلى الفن. لكن ليس أي فن، فنحن في حاجة “إلى كل فن مرح، راقص، ساخر، طفولي وجدي”.

وإذا كان كل فن يفترض كائنات تعاني، وإذا كانت الكائنات المعانية صنفين: صنفا يعاني من فقر الحياة وبؤسها، وصنفا يعاني من وفرة، من فيض الحياة وتدفقها، فإننا سنكون أمام نوعين من الفن : فن يصلح للفئة الأولى التي “تبحث في الفن عن المعرفة، الراحة، عن الصمت، عن البحر الهادئ وخلاص الذات”. أما الفئة الثانية فهي التي تبحث في الفن عن النشوة، عن الدهشة، عن الجنون…إنها التي ترغب في الفن الديونوزيسي.

الفن كمرح وفرح هو نتيجة لتكاثر القوى، انه تعبير عن إرادة الانتصا، لتناغم الرغبات القوية. إن الفن هنا يلعب دور المثير الذي يكثف القوة، يمكن القوة من الوفرة، الوفرة التي تمنح الإرادة حق السيادة. وإذا كان الفن هو التعبير عن الوفرة في القوة أو الفقر فيها، فإن ذلك راجع لاعتباره مثيرا فزيولوجيا للجسد وغرائزه، على فرحه أو تشاؤمه.

يتجلى هذا الانعكاس الفيزيولوجي للفن على انحطاط الجسد أو قوته في الموسيقى. فرغم أن نيتشه يعتبر أن “الحياة بدون موسيقى تصير خطأ”، فإنه يميز بين الموسيقى الإيجابية، الموسيقى التي تجلب الفرح بمنحها للجسم الوفرة في القوة، وبين الموسيقى التي تجلب الكدر، وتسبب الانحطاط والمرض، فزيولوجيا ونفسيا. فمثلا الموسيقى الفاغنرية تعتبر من هذا النوع الثاني، فهي تؤثر سلبا على الحياة، إنها المرض ذاته. فالموسيقى الفاغنرية، حسب نيتشه، تجعل التنفس يضيق بمجرد أن تؤثر عليها، فمجرد هذا التأثير تغضب الرجل وتثور على هذه الموسيقى. حتى المعدة تحتج وضربات القلب تفقد تناغمها والدورة الدموية يعتريها الاضطراب. إن قوى الجسد في كليتها تفقد التناغم فيحل المرض ويصاب الجسد وعبره الحياة بالانحطاط.
الجسد، إذن، يحتاج إلى الإيقاع، الرقص، المشي الموزون. ولذا وجب أن تمنحنا الموسيقى النشوة في سرعة المشي اللطيفة، أن تمنحنا قفزا ورقصا.

يؤكد نيتشه على ضرورة الاحتراز من الخلط بين نوعين من الموسيقى. هذا ما يتضح بقوله : “لو كان بإمكاني أن أحصل على موسيقى وعلى فن…، فإني أعرف جيدا نوع الفن ونوع الموسيقى الذي لن أرغب فيه. فأنا لن أرغب خاصة في تلك الموسيقى التي تزعم إسكار سامعيها، التي تدعي إعطاء لحظة حماس شديد وسام لذوي الأرواح التافهة، أولئك الذين يشبهون عند النساء ليس المنتصرين وهم على دبابات النصر، ولكنهم يشبهون البغال وقد بلدتها السياط”.
الموسيقى تفعل فزيولوجيا في الحياة، لكن بشرط، فالمرح يستوجب على الموسيقى أن تساهم في إثبات الحياة ومنحها الوفرة في القوة لمواجهة كل أشكال التدهور التي سممت بها المسيحية والفلسفات المثالية الحياة.
يضاف إلى الموسيقى عامل التربية، هذه الأخيرة إما أن تساهم في إضفاء المرح على الحياة أو العكس. ففي ألمانيا مثلا تعتبر التربية عاملا مسؤولا عن إبعاد الفرح من الحياة، فـ“الضحك كأعظم وسيلة للتربية هي ما ينقص الإنسان المتفوق في ألمانيا، فمثل هؤلاء لا يضحكون”.

وإذا كانت النظرة الجمالية للفن، للموسيقى وللتربية هي التي تمنح القوة للحياة بإطلاقها للقوى الفاعلة على حساب القوى الارتكاسية، فإن الحياة تقتضي القضاء على كل أشكال الاضطغان، وأصناف الوعي الشقي، وتجاوز كل تشاؤم . فـ“لا بد من علاج ضد الفلسفات المتشائمة، ضد فرط الحساسية الذي يعتبر بؤس الوقت الحاضر”.
ينبغي أن تكون الحياة مرحا طفوليا ضدا على شيخوخة الكاهن العجوز، كما يجب أن تتصف الحياة بالجمال ضدا على القبح السقراطي، وان تكون هذه الحياة فرحا ديوزونسيا خلافا لتشاؤم شوبنهاور. وفي غياب هذه المكونات الجوهرية تغدو الحياة مرضا. هذا المرض الذي ليس سوى “اقتراب الشيخوخة المبكرة، القبح والأحكام التشاؤمية، ثلاثة أشياء مجتمعة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق