ميزان العمل

هذا النص أقصوصة  للأستاذ الطيب العشاش وهو باحث ومحقِّق ومترجم وأستاذ جامعي تونسيّ كبير مختصّ في الأدب العربي القديم، تخرجت على يديه أجيال من أساتذة الأدب العربي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، ودار المعلمين العليا بتونس وبنزرت ثم سوسة، وكلية الآداب بمنوبة وجامعة السوربون. وقد فارق الحياة منذ أيام قليلة. وهذه الأقصوصة كان الفقيد نشرها بجريدة الصباح التونسية يوم 19جويلية 1968، وهي كما قال الأستاذ  محمد المثلوثي الذي أمدّنا مشكورا بالنص “شهادة على ما كان يعيشه أستاذ العربية في الستينات وهي جزء من السيرة الذاتية للراحل”.

………………………………………….

                                       ميزان العمل

واصل فتحي:
سيذكرني قومي إذا جد جدّهم   وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
اشرح هاشمي
ودق جرس الخامسة فاستغرب الدقّ تلامذة وتنفّس الصعداء تلامذة وتململ في أماكنهم آخرون فوعد الهادي بالعودة، من لم يعد بالعودة؟ وأمضى الدفتر وخرج.

ربّاه مطر غزير وهو لم يأت بممطرته. هل يركب سيارة بعض زملائه الفرنسيين اليساريين؟ متى تكون له سيارة، ولأصحابه من الزملاء العرب؟ نور الدين ومحسن والمنصف وأحمد؟ ولأخيه عربة عجلتاها من عجل السيارات ولخاله حمار يرحل عليه إلى تالة. أما زال أهل السّاحل يرحلون إلى تالة؟ الحمد لله ولكن كيف ينسى ممطرته، تلك الممطرة الباريسية التي جابت معه فرنسا وسويسرا وهولندا؟ نعم والله لقد زارت أمستردام وليدن. نعم ليدن حيث مطبعة أبريل و”دائرة المعارف الإسلامية”. آه عليه أن يلخص فصل “عربية” بدائرة المعارف الإسلامية. إنه مهم “فصل عربية” ولكن كتاب “ميزان العمل” أهم.

وهمّ بالعطّارين وإذا هو متسلّل بين الأزقة. مساء الخير عمي الثميني. إنها عفنة تلك الأزقة، ضيقة وإن نهج المقطر قريب…ودفع الهادي باب الدار الكبيرة وتجاوز الكلب وحيّى صعلوك الهوى، إنه يحيّي كل الناس، والعجوز إنه يعرفها و“هي أيضا بالجوى تعرفه”. ليس بالدار “زهية” لا ولا فيها “صفية” وعرّج على الدار المقابلة ونظر إلى القفص وقرأ ـ إنه دائما يقرأـ أسماء كميليا، كمال وكلثوم وسعاد. آه قاتل الله الدهر فقد خلت الدار من الإيطاليات. أين “ليلي” و“زيزي”؟ ذهبتا مع الباكلوريا، وهل أعرف بهذا الميدان من الإيطاليات؟ عند بعض زملائه الخبر اليقين.

ناول الشمطاء خمسة دنانير وأرجعت إليه أربعة ومائة مليم. أين العهود التي كان لا يدفع فيها إلا مائتي فرنك ثم أربعمائة فرنك ثم ستمائة مليم. وانتظر طويلا فالسوق رائجة وحاول أن يتناسى الجد وذكر “فصل عربية” و”ميزان العمل” و”أحسن التقاسيم في معرفة الإقليم”…إنه يعرف إقليما سيزوره بعد حين وأكلته الخيالات “إنه لا يتناسى الجسد إنسان إلا أكلته الخيالات”، جملة معروفة لكاتب محمود. فأمرته الشمطاء أن “اصعد سيدي”. الحمد لله هو سيّد هذا المساء وصعد المدرج يلهث و”ميزان العمل” تتراقص سطوره أمام عينيه فاستقبلته كلثوم، أهي بنت المغنية؟ وقبلته ما أبرد القبلات أحيانا، هل يحظى بها دافئة يوما؟ ثم كان ما كان وصاحت كلثوم: الفراش، الفراش، هيا نم نم في فراشك. الحمد لله أنها لم تفخم النون. ثم وضأته، هل يجوز وضوء القائم؟ سوف يسأل عن تلك زميليه حامدا ومحمودا، إنهما يعرفان الفقه حذق “زينة وعزيزة” للرقص. ثم قبلته كلثوم لا بد من قبلة عند الوداع وهمست متكلفة الابتسام: إلى اللقاء حبيبي؟ الله الله فقد أصبح حبيبها ضربة واحدة ثم خرج وصفقت ونزل الدرج وبصق بصقة العادة وهل نسي بصقة العادة واعترضه عند نزوله سيد آخر و“حبيب” ما أكثر السادة والأحبة في الديار، وما أغزر المطر خارجها.

هذا مقهى باريس، هل يرتاده يوما؟ الله لطيف. وهذه فلورانس ليس بها أحد من أصحابه لعلهم عند بيشي بحلق الوادي. لن يتحدّث الليلة عن الشرق والغرب والسلم والحرب. وتقف سيارة فولكسفاقن، سيارة الشعب ولكن بألمانيا وهي من عهد “أدولف” وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم… ويركب الهادي سيارة حسن وتسير بهما السيارة. يطيب أن تسير السيارة نحو بغداد وإذا هما ببغداد…بغداد جمعت “العربية” وكان التوفيق بين البصرة والكوفة. لا شك أن “فصل عربية” يذكر هذا. وببغداد خمر ومآكل شهية وطلب حسن “بوخة” وطلب الهادي “بيرة سلتيا” وكان النقل طيبا وكثيرا وأعيدت البوخة والبيرة وقوارير قوارير… وذكر الهادي الزيت والسميد والمقرونة والطماطم والكراء والفلفل وأخاه بالبلدة وعزمه على اشتراء “لسان العرب” و”المعجم المفسر لألفاظ القرآن” وحذاء جميل كحذاء تلميذه وأسطوانة “الهواء والشباب” لعبد الوهاب وأسطوانة سارج رجياني33 “إن صاحبه النعمان يحب سارج رجياني وتحب أمه”صالحة“ولحافا، ويله الليلة من أمه…إنها ستشم البيرة وستطلب منه الزواج أيّ زواج؟ ليتها قرأت ما كتب في هذا الموضوع من رسائل.

 

آه متى تأتيه رسالة من رئيس القسم يبدؤها قائلا”يسعدني“ نعم يسعده أن يرحل إلى فرنسا سوف يرحل إلى فرنسا ويقضي بعاصمتها تسعة أشهر وتقول له أمه عند عودته”لقد انتهينا الآن يا بني أليس كذلك؟“وسيجيبها من دون أن ينظر إليها: بل الآن نبدأ يا أمي”. خاتمة قصة معروفة وكانت يده إلى بعض الكتب بمكتبه حين فتحت أمه الباب وكان قد قال لها “ليلتك سعيدة تعشيت” قبل أن تقول بصوتها الحزين: ألا تأكل شيئا وتغلق الباب.. ثم تأوّه واندسّ في الفراش وبات رأسه يدور و”ميزان العمل” تتراقص سطوره أمام عينيه والرسالة والرحلة وإتمام شرح القصيد والعودة… ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق