تقديس السياسة أم تسييس المقدّس: مقاربة مقارنيّة(1من2)

يفاجأ دارس التاريخ الأوروبّي، في أحيان كثيرة، باللّغة الدينيّة المستخدمة في الخطاب، أو بافتراضات التصوّر الديني المستخدمة في الإيديولوجيا. ويتجاوز الأمر ذلك إلى عديد التشكيلات الدينيّة الغربيّة التي أظهرت في بعض الأزمنة التاريخيّة عناصر شموليّة متجذّرة في قلب عقيدتها.

وينبغي التنويه، بدءاً، إلى أنّ مسألة المماهاة بين لغة الإيديولوجيّات ولغة الأديان محفوفة بالمخاطر. حيث تقف المقارنة، أساساً، ضدّ إشكاليّة إمكان مماهاة الدين بالسّياسة، والشموليّة السياسيّة بحركة دينيّة تدعم بعداً سياسيّاً فحسب. ففي هذا الصدد تحديداً، جادلت حنّة أرندت (Hanna Arendt) جول مونيرو (Jules Monnerot)، في أوائل الخمسينات، حول استعمال مصطلح “الدين العلماني”.والمشكل الذي نقف بإزائه، طبعاً، هو غياب تعريف مكتمل لمصطلحي “الدين” و”الإيديولوجيا” اللذين يصعب التعريف بهما، نظراً لتعدّد تلك التعريفات، على نحو يرضي الجميع (1 ).


أمّا النقد الصارم والدقيق، فيقول باستحالة انطباق مصطلحي “الدين السياسي” أو “الشموليّة الدينيّة” بالكامل على الجماعات الأصوليّة الدينيّة، أو على الأشكال الاحترابيّة من الدين التقليدي. ذلك أنّها لا تقوم على إيديولوجيا مبتكرة، بل على انتساب مؤصّل للمتون النصوصيّة، وهو ما يجعل من الارتباط الشديد بالتقليد الصراطي، محفّزها الأساسي. والحقّ أنّ الحركات الأصوليّة التي تدّعي استعادة الموروث والتقليد الصراطي، تخلق، كما توضّح كارن أرمسترونغ (Karen Armstrong) في عملها الموسوم بـ”المعركة حول الله” (The Batlle for God) (2 )، صيغة جديدة لديانة قائمة على أساس ماض أسطوري موشّح بمسحة رومنسيّة. وهذه الأسطرة بذاتها هي ما يشّكل، من بين أمثلة أخرى، الصيغة الأساسيّة للبرنامج الفاشي.


وتوجد أيضاً مشكلة الحساسيّات. فمن المرجّح أن ينزعج المؤمنون المتديّنون من إخضاع خصائص دينهم للتّشريح بهذه الشاكلة. غير أنّ لغة الإيمان والدّين، كما تبرز هذه الندوة، يجري نقلها بوتيرة متصاعدة إلى الساحة السياسيّة المعاصرة، وهي مجالٌ يحوي أيضاً مؤمنين مهرطقين أو كفّاراً، ما يعني أنّه علينا كسر الامتناع عن معالجة الدين والإيديولوجيا في إطار مناقشة واحدة، مهما بدا ذلك الأمر غير مقبول في نظر البعض (3 ).

وفي نهاية المطاف، توجد حدودٌ، عند مناقشة تقديس السياسات، تتصلّ بالمدى الذي يمكن للمقارنة أن تبلغه، وتحديد إن كنّا نتعامل مع التباسات موروثة للهويّة الدينيّة مع نظيرتها التاريخيّة (4)، أو تقديس فعلي بالمعنى الديني، أو إنّنا إزاء استخدام محض استعاري. لذلك سيفيدنا تقديم بعض الأمثلة التوضيحيّة لاستخدامات المقدّس في السياسات كما خبرتها أوروبّا، في تفحّص اللّغة المستخدمة، ومعرفة إلى أيّ عمق يمكن لتوظيف “المقدّس” أن يخترق صميم العقيدة الدينيّة، وبالتّالي تحديد مدى جواز المقارنة.


الدّين السّياسي
لقد شهدت دراسة الشموليّة على مدى العقدين المنصرمين ضرباً من الإحياء تجدّد معه الاهتمام بنظريّات الفاشيّة بصفة خاصّة، وهو أمر يتّصل بمقاصد هذه الندوة التي تسلك منحى مثيراً للإنتباه، ليتوغّل عميقاً في حافز الشموليّة الجوهري بوصفه “دينيّاً” بالقوّة. ويقف حدث الحادي عشر من سبتمبر بشكل من الأشكال وراء هذا الإحياء، وهو ما يوضّحه روجر غريفين (Roger Griffin) البرفسور بجامعة أكسفورد بقوله: “يعني ذلك إعادة فتح التحقيق في مراحل التطرّف اليميني في التـّاريخ السياسي الحديث، وهو موضوع لئن كان يبدو إلى الآن ميّتاً أو مدفوناً كموضوع أكاديمي، إلاّ أنّه بدا مؤخّراً أنّه يقدّم نماذج دراسيّة مهمّة في فهم العلاقات المعقّدة بين العنف السياسي والتعصّب الإيديولوجي والسياسة الدينيّة والشموليّ (5)”.

إلا أنّ مصطلح الدّين السياسي لم يستقرّ بعد، وفي هذا دليل على الحداثة النسبيّة لهذا الحقل من النشاط، وهو يتنافس مع مصطلحات “الدين العلماني” و”السياسات الدينيّة” و”الدين المدني” للهيمنة على ذات الفضاء الدلالي، كما تزاحمه مصطلحات أخرى مثل “المسيحانيّة”، نظراً لدلالتها على تحوّل جذري حادث في المجتمع (6).

ويدعم مؤرّخ الفاشيّة المعاصر والمميّز، إيميليو جنتيلي (Emilio Gentile) (7) استخدام مصطلح الدّين السياسي لوسم الخلط الواقع بين المجالين السياسي والدّيني. وهو يشير بهذا المصطلح إلى “ضرب من الدّين يقدّس أيديولوجيا، أو حركة، أو نظاماً سياسيّاً، عبر تأليه كيان دنيويّ مُؤسطَر، واعتباره بؤرة المعنى الأساسيّة والرئيسيّة، وهدف الوجود البشري على الأرض ( 8)”.


والحقّ أن جنتيلي يستخدم مصطلح الدّين لوصف ظاهرتين مختلفتين، لكنّهما مترابطتان بشدّة، يسمهما بـ”الدّين السياسي” و”الدّين المدني”، حيث يختلف طابع الدين في شكله الشمولي (الدّين السياسي) عن شكله غير الشمولي (الدّين المدني) في الطّبيعة المتطرّفة والإقصائيّة لمهمّته التاريخيّة، إذ “لا يقبل الدّين السياسي التعايش مع الإيديولوجيّات والحركات السياسيّة الأخرى، فهو ينفي استقلاليّة الفرد بتأكيده علويّة الجماعة، ويقدّس العنف بوصفه سلاحاً مشروعاً في الصراع مع الأعداء الداخليّين والخارجيّين”. كما يُستخدم هذا العنف أداةً لفرض البعث الجماعي، “حيث يفرض التزاماً إجباريّاً بالبعث الجماعي، وبتوجيهاته، وبالمشاركة في العبادة السياسيّة (9).

إنّ هذه العناصر هي ما شكّل، بصفة خاصّة، قاعدة البحث المتجدّد في جوهر الإيديولوجيا الشموليّة، وعلاقتها بعمليّة التقديس ولغته.

التّماثل الشمولي
إنّ البُعد الدّيني للسّياسات واقع أقرّ به مفكّرون شموليّون بعظمة لسانهم. فـ”الفاشيّة مفهوم ديني” على حدّ قول بنيتو موسوليني (Benito Mussolini)، ودون أيّ قصد استعاري: “المفهوم الفاشي للحياة هو مفهوم ديني، حيث يعتبر الانسان في علاقة متأصّلة مع قانون أسمى، ومتلازم مع إرادة وضعيّة تتجاوزه”.
ويعرّف الإنسان في هذه القيم الجديدة من خلال علاقته بـ”قانون متعالٍ، وإرادة موضوعيّة ترفعه إلى عضو واعٍ في مجتمع روحي”(10). وقد تساءل زميله المؤدلج جيوفاني جنتيلي (Geovanni Gentile): “ماذا وقع لنا حتى يتملّكنا هذا الادراك، تلك الإشارة إلى أن يتبنّى الفكر والحياة حاجات روحيّة واتّجاهات جديدة؟ … إنّه لشعور دينيّ بحقّ … هذه القيم الروحيّة الجديدة مزروعة في النّفس الإيطاليّة قبل قدوم الفاشيّة”(11).


قد ينطبق هذا الزعم بالتلبّس بمظهر غريزة دينيّة على الماركسيّة اللينينيّة أيضاً. ويكمن مفتاح فهم هذه المطابقة، في الدّور الذي يلعبه الاعتقاد الأعمى. وقد جعل الفيلسوف برتراند راسل (Bertrand Russel) هذا العنصر مقياساً لتحديد كيف أدرجت الشيوعيّة، مثلاً، أنماط الدّين في إيديولوجيّتها، حيث يقول: “أعني بمصطلح دين، مجموعة من المعتقدات مأخوذة كعقائد مغلقة، تهيمن على سير الحياة، وتتجاوز الأدلّة أو تخالفها، وتُلَقّن بطرق عاطفيّة أو استبداديّة، لا فكريّة. وتبعاً لهذا التعريف، فإنّ البلشفيّة دين”(12 ).

وكما تُبدي الفاشيّة، في أشكالها المختلفة، اتّجاهات دينيّة مُضمرة وتقديساً للجماعة، تُظهر الشيوعيّة من جهتها أيضاً نفس العناصر التي تبديها الإسلامويّة من جهة عمليّة التمكين، وعقيدة “فساد” بُنى الدولة القائمة و”فقدانها الشرعيّة” بالكامل، وعدم شرعيّة تملّك البشر سلطةً على أقرانهم.


بل إنّ التماثلات بين الإسلامويّة والماركسيّة الثوريّة شديدة أيضاً في الحقل الثقافي. وعلى سبيل المثال، فقد كان الإتّحاد السوفياتي بلداً قائماً على إيديولوجيا تزعم أنّها نظامُ قِيَمٍ وتفسير كُلّي، وعليها نشر “حقيقة” شاملة. وكما أنّ للإسلامويّين سرديّة تاريخيّة متعالية لتفسير المسار التاريخي الذي أدّى بهم إلى لعب دورهم المعاصر، كان المهمّ في نظر الشيوعي هو شعوره بالانتماء إلى مشروع تاريخي عظيم؛ وقد منحه دوره في الثورة وفي التاريخ العالمي إحساساً بالغاية، وأكسب حياته معنى.

ومهما يكن من حال، فإنّ أكثر التماثلات بروزاً بين الإسلامويّة والماركسيّة اللينينيّة، هو الالتقاء على وجوب تغيير الطبيعة البشريّة تمهيداً لجنّة أرضيّة مجيدة؛ وهذه الميزة هي التي جعلت الماركسيّة تكتسي نفحة من التديّن الزائف، وهي ما جعل التماثل، وحتّى التلاقح، بينها وبين الإسلامويّة أكثر وضوحاً.

ورغم أنّ الحقل البحثي مازال في طور النموّ، إلاّ أنّه يسهل العثور على تحليلات للماركسيّة اللينينيّة والفاشيّة تلقي الضوء على تماثلاتهما مع ظاهرة السياسات الدينيّة، إن كانت في الغرب أو العالم الإسلامي. فعلى سبيل المثال، ذهب برتراند راسل في خضمّ حديثه عن البلشفيّة، أوائل القرن العشرين، إلى كونها »تؤلّف بين خصائص الثورة الفرنسيّة والإسلام الأوّل… لقد ظنّ ماركس أنّ الشيوعيّة متحقّقة لا محالة، وهو ما خلق عند أتباعه نفس الحالة الوجدانيّة التي عايشها أتباع محمّد الأوّلون”(13).

وفي وقت لاحق، أثناء الخمسينات، وفيما لم يكن يوجد آنذاك سوى تصوّر مبهم لنمط الإيديولوجيا الجديدة الصّاعدة، انبهر جول مونيرو بـ”كون المزج بين الدّين والسّياسة هو الميزة الأساسيّة للعالم الإسلامي زمن تفوقّه … والشيوعيّة، مثلها مثل الإسلام المنتصر، لا تفرّق بين الدّين والسّياسة”(14).
وبالطّبع، فقد انصبّ التركيز في هذا الصدد على الشيوعيّة، وكانت الإشارة إلى الإسلامويّة ثانويّة، وتصبّ فحسب في خدمة مقاصد المقارنة (15). وكان لُبّ أطروحة مونيرو أنّ الشيوعيّة قدّمت نفسها على أنّها دين علماني وجّه البشر نحو رفض المجتمعات والأنظمة التي عاشوا في ظلّها، في سبيل بناء دولة عالميّة تقضي على التعدّد الثقافي والخصوصيّات. وقد نَشِطتْ شموليّتها الإيديولوجيّة الاحترابيّة بفعل التعصّب الدينّي لمن يمتلكون الحقيقة ويرغبون في فرضها على العالم بأسره. ولذلك مثّلت الشيوعيّة، بالنسبة لمونيرو، حركة دينيّة بالأساس رغم مزاعمها المناقضة لذلك، إذ “يبدو أنّ إطلاقيّة القرن العشرين قد ولُدت في روسيا من لَدُنِ دين لم يكن يعِي ذاته. فلكون الماركسيّة علماً، فهي تتشابك في أذهان الماركسيّين مع أعلى سلطة فكريّة (أي العلم، علم القرن التاسع عشر المؤلَّه) يجب أن تسود، وأن تُفرض، ومن ذلك يأتي الطابع الإسلامي للمشروع الشيوعي”.


وردّاً على النقد القائل بأنّ الشيوعيّة الملحدة لا تستقيم مقارنتها مع نظام اعتقاد يرتكز على خالق أخرويّ، يجادل جول مونيرو بأنّ القياس نافذ مادام قد تأسّس على حقيقة أنّ القرآن وظفّه المسلمون لتشكيل دستور ديني وسياسي واجتماعي لا يقبل التجزئة، وأنّ كلاّ من الشيوعيّة والإسلام لم يحويا كياناً منفصلاً يتولّى الشؤون الروحيّة، كالكنيسة مثلاً. وكانت نتيجة هذا العجز الخلط الكامل للسياسي بالمقدّس.

من جهة أخرى، لاحظ مانفريد هالبيرن (Manfred Halpern) سنة 1963 أنّ الإيديولوجيا الإسلامويّة للإخوان المسلمين وسعيها إلى إعادة هيكلة المجتمع عبر “رَوْحَنَة السياسات” (Spiritualization of Politics) لم تكن ظاهرة فذّة في ذاتها بقدر ما كانت “نسخة شرق أوسطيّة من الفاشيّة… تجمعها… قرابة ببعض الحركات الدينيّة السياسيّة التي انتشرت في غرب أوروبّا أوائل العصر الحديث”(16).
إلاّ أنّه لم يتمّ التنبّه آنذاك إلى مثل هذا التماثل، خاصّة في ظلّ غياب أدلّة دامغة على وجود برنامج توسّعي عند الإسلامويّين الشمولييّن يمكّن من إجراء مقارنة، فالتطوّرات الأخيرة في السياسات الإسلامويّة كانت ما تزال حينها تلوح بعيداً في الأفق، ولم تكن ذات دلالة إلاّ عند بعض المستشرقين.

 

بعض العناصر المشتركة بين الدّين السياسي والشموليّة
يمكننا، متجرّدين من الرغبة في الخوض في إشكاليّة التعريف المضبوط لكافّة خصائص النُظم الفاشيّة، وبالتركيز على بعض الإواليّات الفكريّة المشتركة، أن نتبيّن عدداً من المجالات تتشابك فيها لُغَتا الإيمان والسّياسات:
– الدّعوة إلى الأصالة والموروث.
– “الثورة الإناسيّة” في ولادة الإنسان الجديد.
– البطل وديمومة الصراع.
– تقديس الجماعة.
– “الفصام النَّكِد”: طمس الفصل بين الحقوق الجماعيّة والفرديّة.

 

كُمون الحقيقة في الأصالة والموروث
لم تكن الحقيقة المطلقة مع الشموليات الفاشيّة للقرن العشرين كونيّة، بل فطريّة ومطمورة تحت قرون من الإنحطاط والتآمر. وكان السّعي يتمّ لاسترجاع الألق الضائع، وهو الألق الروماني القديم بالنّسبة للإيطاليّين، وإعادة طبع الحضارة الأوروبيّة بالطابع الآريّ بالنّسبة للألمان. وترتبط كلّ من هاتين الحالتين بـ”صيغة ناجحة”، مثل البطولة أو النظام الهرمي أو الحقيقة القديمة، نجد فيها الحقيقة العميقة و”قد تجلّت مرّة واحدة وإلى الأبد، وما علينا سوى مواصلة تأويل رسالتها المبهمة”(17). والحقّ أنّ معجم المقدّس يتخلّل هذا النوع من الخطاب الإيديولوجي، فكما يوضّح موسوليني، فإنّه: “إن لم تكن الفاشيّة عقيدة دينية، فكيف يمكن لأتباعها أن يتحلّوا بالشجاعة والرزانة؟ فالعقيدة الدينيّة وحدها قادرة على السموّ بالنّاس إلى العُلا… إنّه تمرّد روحي ضدّ الأفكار الروحيّة القديمة التي أتلفت مبادئ الدين والإيمان والوطن المقدّسة”(18).

تمنع بُنى هذه الحضارة الجاحدة ومؤسّساتها القمعيّة الإنسان من تحقيق مكانته البطوليّة، أو عوض ذلك، تُبقي البشر في حالة عبوديّة لأغيارهم من البشر. وهي ذات العبوديّة التي يصوّرها سيّد قطب:”تقف البشريّة اليوم على حافة الهاوية… لا بسبب التهديد بالفناء المعلّق على رأسها… فهذا عَرَضٌ للمرض وليس هو المرض… ولكن بسبب إفلاسها في عالم “القيم” التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموًاً سليماً وتترقّى ترقيًاً صحيحاً”(19).

وإجمالاً، فإنّ النظر في توظيف لغة الدين والأخلاق والفضيلة، عوض تجاهلها، هو الذي أشار، بحسب عالم الاجتماع الإيراني-الأمريكي سعيد أمير أرجومند (Said Amir Arjumand)، إلى وجود تشابهات سوسيولوجيّة مذهلة بين الفاشيّات الأوروبيّة واليمين الأمريكي المتطرّف والحركات الإسلامويّة المعاصرة: “إنّ الدافع التوحيدي والنزعة الأخلاقيّة السياسيّة الواضحة للحركات التقليديّة الإسلامويّة الأصوليّة، هي أكثر ما يقرّبها للفاشية ولليمين المتطرّف على حدّ السواء”(20). بل إنّه يمضى قُدُماً ليجادل بأنّ “ظهور إيديولوجيا ثوريّة إسلامويّة كان محتملاً منذ العهد الفاشي”(21).

ثورة إناسيّة
انشغل الشمولي بتحويل المجتمع والفرد معاً. حيث سيختبر هذا الفرد “بَعْثاً” في شكل كائن بشري من نوع جديد، ليتخلّص من عبوديّته وجهله السابقين: “هذه الشّقوة التي تعانيها البشريّة لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيّات النُّظُم والأوضاع. ولن ينجّي البشر منها إلاّ تلك النُقلة الواسعة البعيدة”.(22)

كان المطلوب، في جلّ أشكال الشموليّة، خلق كائن جديد غير مُفْرَد. حيث تسعى الحركات الثوريّة من هذا المعدن، من خلال التصوّر الذي تحمله عن فرد مبعوث وكذا تصوّرها الجذري للسّياسات، إلى اخضاع الفرد وتسييس الوجود بالكامل، وهو ما يتطابق “مع مقولات وأساطير وقيم الإيديولوجيا البعثيّة الممأسسة في شكل دين سياسي… لبعث الكائن البشري وخلق الإنسان الجديد، المكرّس جسداً وروحاً لتحقيق سياسات الحزب الشمولي الثوريّة والإمبرياليّة، والذي هدف إلى خلق حضارة جديدة تتجاوز الدولة-الأمّة( 23).

وبأيّة حال، فإنّ هذه الولادة الجديدة لن تكون عفويّة، بل يجب أن تفرض فرضاً. وتزيد تركيبة نظام الاعتقاد هذه، إضافة إلى لغة الإجبار والغزو، مفهوم “الدين السياسي” تدعيماً: “لا يُشير مفهوم الدين السياسي حصراً إلى مؤسّسة نظام قِيَمٍ أو طقوس أو رموز، بل يتصّل أيضاً بجوانب أخرى أساسيّة من التجربة الشموليّة، وهي غزو المجتمع، وتنميط المجتمع الذي يشكّله المحكومون، وتحقيق ثورة إناسيّة” (24).


البطل وديمومة الصراع
تروّج الأنظمة الشموليّة صورة بطل منخرط في صراع دائم ضدّ قوى العدو، أو الرجعيّة، الممثّلة للشرّ. ونقف عندها إزاء لغة التضحية والاستشهاد المألوفة. فالفاشيّة، مثلاً، ترفض “السلميّة” (Pacifism)، وهو ما يصوّره موسوليني بقوله: “ترفض الفاشيّة السّلام الذي يكون نتيجة التخلّي عن الصراع، وهو عمل جبان في مقابل التضحية بالنّفس. فالحرب وحدها تدفع بالطّاقة البشريّة إلى أقصاها، وتسم بالنّبالة كلّ من لديه الشجاعة الكافية لمواجهتها. وما التجارب الأخرى إلاّ بدائل، لا تضع المرء في مواجهة ذاته ليختار الحياة أو الموت”(25)

.
إنّ مبعث هذا الرفض اعتبار السلميّة، أي التخلّي عن “الجهاد” الفاشي إن جاز التعبير، تواطؤاً مع العدوّ. ويعود سُوءها إلى كون الحياة ذاتها حرباً مستمرّة، إذ أنّ “الحياة بالنّسبة للفاشيّ عبارة عن قتال مستمرّ، لا هوادة فيه، يتقبّله بشجاعة كبيرة وارتياح شديد مع التحلّي بالإقدام اللازم… فالنّضال هو الأصل في كلّ شيء، لأنّ الحياة مليئة بالتّناقضات، حيث يوجد الحبّ والكراهيّة، والأبيض والأسود، والليل والنهار، والخير والشرّ… ولو مرّ يوم دون نضال، فسيكون مشوباً بالحزن، وسيكون يوم خراب وقيامة” (26). 

ويمكن للجناح الاحترابي المتطرّف للإسلامويّة أن يضيف إلى ديمومة الصراع حافزاً أشدّ قوة، يؤخذ كواجب ديني، كما عبّر عن ذلك سيّد إمام: “الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والجهاد ليس محصوراً في تنظيم معيّن… بل هو شريعة ماضية إلى آخر الزمان (27).

ويرى المتطرف الأردني أبو محمّد المقدسي، أنّ رحى الصراع تدور مدى الزمان، وهو حالة دائمة، وقد انطلق »قبل عمليّاتنا، بل وقبل (هتنغتون وفوكوياما) وكتاباتهما حول صدام الحضارات. فهو موجود منذ أن وُجد الكُفر والإيمان (28)”.
وفي هذا الصدد تصبح الحركة غاية في ذاتها وتخضع للتّقديس، كما هو الحال في معظم تمظهرات الشموليّة. ويغدو إلحاق الضرر بالعدوّ، كما يؤكّد المقدسي، “أحد مقاصد حياة المسلم وأهدافها”: “جعل [الله] النكاية في الأعداء من وظائف ومقاصد حياة العبد المسلم …إلى أن يغتنم عافيته لتحقيق المقاصد العظيمة والجليلة التي خُلق من أجلها، وإنّ من أجلّها هذان المقصدان: عبادة الله وحده ونصرة دينه بالنكاية في أعدائه، فمن أجل ذلك يحيا المسلم”(29).


تقديس الجماعة
تجاوزاً للفرد، تقود اللغة المزدوجة للدّين والسياسات إلى »تقديس« الجماعة والدولة. وتحدّد رموزها هويّة الفرد، التي تتجاوز الشعور الوطني نحو الهويّة العميقة للذّات ومعنى وجود الإنسان، بوصفها جزءاً من سيرورة مشروع عظيم.
فالدّين ليس مجرّد معتقد شخصي، بل إيمانٌ بالأمّة. والإنسان الفاشي الجديد، في نظر موسليني، إنسانٌ “رُفع ليغدو عضواً واعياً في مجتمع روحي”. ذلك أنّ الدولة الفاشيّة “قوّة روحيّة تشمل جميع التمظهرات الأخلاقيّة والفكريّة للإنسان. وبذلك يستحيل حصر وظائفها في فرض النظام وحفظ السلام، كما هو الحال في العقيدة الليبراليّة. فهي ليست محض آليّة ميكانيكيّة لتحديد المجال الذي يمارس الفرد ضمنه حقوقه المفترضة على أكمل وجه. إنّما الدولة الفاشيّة معيار مقبول روحيّاً وقاعدة سلوك، أي تهذيب كامل للشّخص”. وهي، تبعاً لذلك، “مُربّيةٌ وداعيةٌ للحياة الروحيّة. ولا تطمح إلى إعادة صياغة أشكال الحياة فحسب، بل مضمون الحياة أيضاً، أي الإنسان وشخصيّته وعقيدته… فالوطن، بالنّسبة إلينا، روح في معظمه، وليس مجرّد مجال(30).

ويشرح بالبينو جيوليانو (Balbino Giuliano)، مدرّس الفلسفة وعضو الحزب الإيطالي الفاشي خلال الثلاثينات، هذا التصوّر بتفصيل أكثر في قوله: “عندما نؤكّد لاهوت أمّتنا الإيطاليّة الجميلة، فنحن نُعلن عن فكرة دينيّة بأتمّ معنى الكلمة، قادرة على خلق تطوّر جديد تماماً في الثقافة، عمليّاً ونظريّاً، يوصلنا إلى مفاهيم جديدة حول الله والواقع الكونيّ والمصير الإنسانيّ، وإلى أسلوب جديد في ترتيب كلّ من حياتنا الداخليّة والاجتماعيّة الخارجيّة” (31). 

ويوجد بعدٌ أخلاقيّ واضح في مثل هذا الولاء للأمّة. فلئن خلا من معجم المقدّس، كما هو الحال في الشيوعيّة، فإنّ الفكرة الأخلاقيّة للخير والشرّ حاضرة ومعبّرٌ عنها من جهة ما يخدم الثورة، أو ما يعيقها، على ما يشرح إيف دوادل (Yves Douadel): “تخلو الشيوعيّة من الفكرة الأخلاقيّة للخير والشرّ. عوض ذلك، هناك ما يخدم الثورة وما يعرقلها. حيث كان بإمكان لينين أن يقول: “ما يخدم الثورة حلال، وما يعرقلها حرام” (32). 
لقد كان المواطن السوفياتي، تماما ًكالإسلاموي الموالي للأمّة، لا يرى نفسه فرداً بل عضواً في جماعة. ولم يكن قوام القاعدة الذهبيّة، في نظر مثل هذا المنخرط في مهمّة جماعيّة، التّمييز بين الحقّ والباطل، بل مدى تقدّم الاشتراكيّة.


وقد أصبحت هذه العمليّات بسبب تقديسها شروطاً أخلاقيّة، لا مجرّد ضرورات للمشايعة والنظام. حيث تُتِمّ الأمّة المبعوثة ثورة سياسيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة شاملة، تختزل “الشعب” وتشكّله في جماعة دينامكيّة واحدة، ملتزمة بهدف واحد مشترك، في مهمّة خلاصيّة مطهّرة، يقودها زعماء يمثّلون ميتافيزيقيّاً إرادتها المتّسقة والمتلاحمة. وكما يوضّح دايفيد ساتير (David Satter)، وهو مختصّ في أيديولوجيا الإتّحاد السوفياتي: “بحكم أنّ الاشتراكية كانت ستكون مستقبل البشريّة، طبقاً لما حدّده العلم الماركسي اللينيني المثالي، والاتّحاد السوفياتي هو الذي قاد العالم إليها، فقد اكتسبت أعمال النظام السوفياتي سلطة متعالية. حيث لم تكن مجرّد إنجازات حكوميّة، بل خطوات على طريق خلق فردوس أرضيّ. ومن قاتل ومات من أجل الاتّحاد السوفياتي، لم يقاتل من أجل وطنه، بل كان بطلاً مقاتلاً في سبيل خير كونيّ”(33).

إنّ الاستكناه مع الأمّة، أو الوعي الجمعي، مذهلٌ ويستحقّ أن نسبر أغواره. حيث جادل مونيرو، مثلاً، بأنّ “فلسفةً تُعاش جماعيّاً تفقد كُنهها، وتتحوّل إلى دين(34)”، وبالفعل فقد عرّف موسيليني، في البرنامج الفاشي، نظامه الجديد بأنّه نظام تعمل الدولة فيه ككلّ عضويّ واحد يخدم ذات المقصد: “هذا مفهوم مضادّ للفرديّة، فالفكرة الفاشيّة عن الحياة تؤكّد بشدّة على أهميّة الدولة، ولا تقبل الفرد إلاّ بقدر ما تتماشى مصالحه مع مصالحها التي تمثّل وعي الإنسان وإرادته الكونيّين ككليّة تاريخيّة. وهي مناقضة لليبراليّة الكلاسيكيّة، حيث لا يوجد الفرد إلاّ بقدر اندماجه في الدولة وخضوعه لمتطلّباتها، وكلّما تطوّرت مظاهر الحضارة وزادت تعقّداً، انحسرت حريّة الفرد أكثر فأكثر”(35).


واللاّفت للانتباه، أنّ سيّد قطب يبدو وكأنّه يعيد إنتاج تعريف موسيليني للمجتمع التعاضدي بشكل شبه حرفيّ، حين يجادل بأنّ رؤيته لمجتمع الإصلاح لن تخرج للوجود إن لم تتمثّل في جماعة نشطة ومتناسقة ومتعاونة:  “لأنّ وجود المجتمع المسلم لا يتحقق [ما لم] يتمثّل في تجمّع عضوي متناسق متعاون، له وجود ذاتي مستقلّ، يعمل أعضاؤه عملاً عضويّاً، كأعضاء الكائن الحيّ… ويعملون هذا تحت قيادة… تنظّم حركتهم وتنسّقها، وتوجّههم لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي، ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي (36)”.

 


الهوامش:
1. ينتقد جول مونيرو ما أبدته حنّة أرندت، في الرّسالة التي بعثتها إلى محرّر إحدى المجلاّت (Confluence, Vol II, No.4, December 1953)، من اعتراضات على استخدام مصطلح “الدّين العلماني”، بوصفه نابعاً من مشكل في الخلط بين فهم الإيديولوجيا والدّين. وقد جادل بأنّ “بوذيّة الهنانايا، مثلاً، لا تمتلك إلهاً، بل أديرة وحجّاجاً. ويعتبرها المؤرخون عموماً، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، ديناً”. ويمكن الإطلاع على حجّته عبر هذا الرّابط: http://julesmonnerot.com/JM_REP_HARENDT.html ;
2. – Karen Armstrong, The Battle for God, London: Harper Collins, 2000.
3. حتى أنّ حنّة أرندت اتّهمت مونيرو بـ“الكفر” على صنيعه ذاك.
4. حافظت دول البلقان، مثلاً، والبوسنة خصوصاً، على الخلط بين الهويّات الدّينيّة والقوميّة، وهو امتداد لنظام الملل الذي وضعته الإمبراطوريّة العثمانيّة، والذي عطّل نموّ وعي قومي محض. ويعتبر تغيير المعتقد في هذه البيئة ضرباً من ضروب خيانة الجماعة.
5. Roger Griffin, Fascism, Totalitarianism and Political Religion, Routledge, 2005, 2-3.
6. على أيّة حال، تفتقر المسيحانيّة عموماً، رغم كونها عقيدة آخرويّة، عنصر “إحداث” التغيير المنتظر كما يفهمه منظّرو الشموليّة.
7. عُرف البروفيسور جنتلي بتأويله للفاشيّة على أنّها “دين سياسي”، وقد وضع عدّة أعمال حول هذه الموضوعة من بينها:
The Sacralization of Politics in Fascist Italy, Harvard University Press; The Origins of Fascist Ideology, 1918-1925, Enigma; & « Fascism, Totalitarianism and Political Religion: Definitions and Critical Reflections on Criticism of an Interpretation », in: Roger Griffin (ed): Fascism, Totalitarianism and Political Religion, Routledge, 2005.
8. Emilio Gentile, « Fascism, Totalitarianism and Political Religion; Definitions and Critical Reflections on Criticism of an Interpretation », in: Roger Griffin (ed): Fascism, Totalitarianism and Political Religion, Routledge, 2005, p.34.
9. Emilio Gentile, op. cit., p.35.
10. Giovanni Gentile & Benito Mussolini: « Il fascismo è una concezione religiosa, in cui l’uomo è veduto nel suo immanente rapporto con una legge superiore, con una Volontà obiettiva che trascende l’individuo particolare e lo eleva a membro consapevole di una società spirituale », from « La dottrina del fascism », in: Enciclopedia Italiana (1932), Section 5 of Idee Fondamentali
11. Giovanni Gentile, Fascismo e Cultura, Fratelli Treves Editori, Milan, 1928, ch. IV, pp. 53-8.
12. Bertrand Russell, Bolshevism: Practice and Theory, p.117.
13. Bertrand Russell. The Practice and Theory of Bolshevism. London: George Allen & Unwin, 1920 pp.5,29,114.
14. Jules Monnerot, Sociologie du Communisme, Echec d’une Tentative Religieuse au XXème Siècle – L’islam du XXème Siècle, Editions du Trident, 2004.
15. اعتبر ماكسيم رودنسون ((Maxime Rodinson، في مرحلة أولى آراء مونيرو حول المقارنة بين الشيوعيّة والإسلام “متناقضة وشبه مهرطقة”، لكنّه راجع لاحقاً رأيه، مجادلاً بأنّ “الإسلام والشيوعيّة يحويان تماثلات مدهشة”.
Cf. Maxime Rodinson, Le Figaro, 28 September, 2001.
16. Manfred Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, USAF Project RAND, September 1963, p.136.
17. Umberto Eco, « Fourteen Ways of Looking at a Blackshirt », in: New York Review of Books, 22 June 1995, pp.12-15.
18. Benito Mussolini & Giovanni Gentile, The Doctrine of Fascism, 1932.
19. – سيّد قطب، معالم في الطريق، (المقدّمة).
20. S.A. Arjomand, From Nationalism to Revolutionary Islam, Essays on Social Movements in the Contemporary Near and Middle East, New York, 1984.
21. S.A. Arjomand, « Iran’s Islamic Revolution in Comparative Perspective », World Politics, Vol 38. N°.3 (April 1986), pp.383-414.
22. – سيّد قطب، معالم في الطريق، نقلة بعيدة.
23. Emilio Gentile, op cit., p.35.
24. Emilio Gentile, op cit., p.34.
25. Giovanni Gentile & Benito Mussolini, « La dottrina del fascismo » in: Enciclopedia Italiana (1932), Section 3 of Dottrina Politica E Sociale: “Respinge quindi il pacifismo che nasconde una rinuncia alla lotta e una viltà – di fronte al sacrificio. Solo la guerra porta al massimo di tensione tutte le energie umane e imprime un sigillo di nobiltà ai popoli che hanno la virtù di affrontarla. Tutte le altre prove sono dei sostituti, che non pongono mai l’uomo di fronte a se stesso, nell’alternativa della vita e della morte.”
26. Benito Mussolini & Giovanni Gentile, The Doctrine of Fascism, 1932.
27. سيّد إمام الشريف (عبد القادر بن عبد العزيز) في حوار مع محمّد صلاح في جريدة الحياة اللندنيّة بتاريخ 10 ديسمبر 2007.
28. أبو محمّد المقدسي، الكلاب تنبح والقافلة تسير، منبر التوحيد والجهاد.
29. أبو محمّد المقدسي، وقفات مع ثمرات الجهاد، منبر التوحيد والجهاد .
30. Benito Mussolini & Giovanni Gentile, The Doctrine of Fascism, 1932.
31. In G.L. Pomba (ed.), La civiltà fascista, Torinese Unione Tipografica Editoriale, Turin, 1928, pp. 195-196, 205.
32. Y. Daoudal, « Jules Monnerot, le Communisme et l’Islam », Conférence donnée à l’université d’été du Centre Henri et André Charlier, Aout 2006.
33. David Satter, « The Key to Defeating Radical Islam », Front Page Magazine, 20 October 2009.
34. J. Monnerot, Sociologie du communisme.
35. Benito Mussolini & Giovanni Gentile, The Doctrine of Fascism, 1932.
36. سيّد قطب، معالم في الطريق، منبر الجهاد والتوحيد، القسم 3، خصائص المجتمع الإسلامي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق