هل تستطيع الفلسفة الشخصانية أن تمثّل حلًّا لأزمة عالم اليوم؟ / أمين الياس

في السادس والعشرين من تشرين الثاني 2014 ألقى البابا فرنسيس خطاباً أمام البرلمان الأوروبي قد يكون محوريا في تاريخ أوروبا وربما العالم. يزيد من أهميّة النص أنّه يطرح مشروعًا حضاريًّا في مرحلة يمرّ فيها العالم في إحدى أقصى أزماته الأخلاقيّة والإنسانيّة والسياسية والاقتصادية والثقافية.

من أهمّ المفاهيم التي مرَّت في خطابه، مفهوم “الشخص” (La personne). ففي عالم أكثر تعقيدًا واكثر حركيَّة وأكثر تواصلًا بين شعوبه يبدو مفهوم “الشخص”، بحسب سيّد الفاتيكان، طرحًا قابلًا لأنْ يُؤخذ في الاعتبار كأساس لمدرسة فكريَّة تشكّل بوصلة لعالم اليوم ومستقبله.

“الشخص” بحسب خطاب فرنسيس هو التجسيد الحقيقي لـ“الإيمان بالإنسان” ليس فقط كمواطن أو كمادة اقتصاديّة إنّما لـ“شخص يتمتع بكرامة تصبو إلى الما فوق”. هذه الكرامة ترتبط بحقّ كلّ إنسان في “التعبير الحرّ عن رأيه وإيمانه” وبحيازته “الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش الكريم من غذاء وعمل”. أهميَّة مفهوم “الشخص”، في الخطاب، أنّه يحفظ لـ“الفرد” حقوقه التي اكتسبها منذ عهدَي النهضة والأنوار في أوروبا، لكنّه يذهب به إلى مرحلة أقصى هي تذكير هذا الفرد بأنّه ينتمي إلى “محيط اجتماعي يرتبط فيه بمجموعة من الواجبات والحقوق والخير العام”. إذًا، “الشخص” في هذا الخطاب هو “الفرد الاجتماعي”، المتمتع بكل حرياته الفرديّة، من حريّة ضمير واعتقاد وتعبير وغيره، الذي يسعى أيضًا بالاشتراك مع أفراد الجماعة التي ينتمي إليها لتحقيق “الخير العام”، تالياً تحقيق “نحن- الكلّ” (Nous-Tous) المؤلَّفة من مجموعة أفراد، وعائلات، وجماعات، بحيث تنسجم “حقوق الأفراد” بـ“حقوق الجماعة” ومبدأ الخير العام.

إحدى ميزات هذا “الشخص” أيضًا تعديل النظرة إلى الإنسان بحيث لا يُعتبر “مطلقًا بحدّ ذاته” فحسب بل “كائنًا تواصليًّا”، أي منفتحًا على “الآخر”. فاعتبار الإنسان حالة منعزلة عن “الآخر” قد يشكّل أحد أخطر مشكلات أوروبا وعالم اليوم. هذا الإنسان نجده مجسَّدًا في حالات كبار السنّ المتروكين لأقدارهم، وعند الشبان المحرومين من فرص تفتَحُهم على المستقبل، ومن أي نقطة ارتكاز تساعدهم في النظر إلى المستقبل بأمل وحماسة. نجد أيضًا حالة العزلة هذه عند الفقراء الذين يتزايدون يومًا بعد يوم في مدننا، في نظرة المهاجرين الآتين من بلاد غير مستقرِّة نحو بلدان العالم الأول بحثًا عن مستقبل أفضل. تفاقمت حالة العزلة هذه مع الأزمة الاقتصاديّة التي شهدها العالم منذ سنوات والتي لا يزال يعيش نتائجها حتى اليوم.

إلى هذا تُضاف أنماط حياة شديدة الأنانية غير مبالية بالفقراء؛ أنماطٌ لا تزيدها سوءًا إلا هيمنة المسائل الاقتصاديّة فقط على النقاشات السياسيّة على حساب المسائل الإنسانيّة، بحيث بات الإنسان مجرّد كائن محدَّدَة وظيفته وقيمته بكيفيَّة مساهمته في تنمية “عقلية الاستهلاك المفرط”. من نتائج هذه السياسة المحصورة بالاقتصاد دون الإنسان، أن “التكونولوجيا باتت مطلقًا” ما تسبَّب بالخلط بين الغاية والوسائل.

يطالب فرنسيس بتأكيد “الكرامة الأنسانية”؛ وهذا التأكيد يكون بالاعتراف بالقيمة الثمينة للحياة الإنسانيّة التي أُعطِيناها مجَّانًا والتي لا يمكن أنْ تكون موضع تبادل أو تجارة.

ضمن هذا الإطار، تبدو أوروبا، ومن خلالها عالم اليوم، في نظر البابا، صاحبة دور أساسي في إعادة أَنْسَنَة ذاتها وأَنْسَنَة العالم. فأوروبا، بحسبه، وعلى رغم علمانيَّتها، تمثّل “اللقاء الدائم ما بين الأرض والسماء”، حيث تدلّ السماء على انفتاح الإنسان على التعالي، أي على الله، وحيث تمثّل الأرض القدرة العمليّة والواقعيّة على مواجهة الوقائع والحالات والمشكلات. فأوروبا المنفصلة عن السماء، معرَّضة لفقدان “روحها الإنسانيّة”. أمّا تلك الموصولة بالما فوق فقادرة على أنْ تُؤنْسِن العالم من جديد؛ مشروع أَنْسَنَة يحتلّ فيه مفهوم “الشخص الإنساني” المركز الأساس، بحيث يتمكَّن هذا الإنسان من التعبير بحريَّة عن وجهه وعن إبداعه إنْ على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات والشعوب.

الديموقراطيَّة بدورها تحتلّ موقعًا محوريًّا في هذا المشروع الإنساني، غير أنّه عليها أنْ لا تكون خاضعة للطرق الشموليَّة في طمس الواقع ولضغوط المصالح الدوليَّة، بل أنْ تكون منفتحة على التعدديَّة. فالديموقراطيَّة يجب أنْ تكون في خدمة الإنسان لا في خدمة أمبراطوريَّات مصالح غير معروفة.

المدرسة الشخصانية

(Le Personnalisme) في أوروبا

البابا ليس الأوّل في التكلّم عن مفهوم “الشخص” كفرد تواصلي مع محيطه ومنفتح على “الآخر”. بل هناك إرث عظيم في أوروبا، وخصوصا في فرنسا، جعل من مفهوم “الشخص” مرتكزًا لفلسفة ومدرسة إنسانيّة قارعت كلًّا من المدرستَيْن الماركسيَّة والوجوديَّة ما بين الأربعينات والثمانينات من القرن العشرين. نشأت المدرسة الشخصانيَّة مع المفكِّر الفرنسي شارل رونوفييه أواخر القرن التاسع عشر، غير أنَّها لم تشهد ثورتها الحقيقيَّة إلّا مع مواطنه المفكِّر الكاثوليكي إيمانويل مونييه، مؤسِّس حركة “القوَّة الثالثة” ومجلَّة Esprit في العام 1932. برزت هذه “الفلسفة”، بحسب مونييه، في حقبة تاريخيَّة كان فيها العالم وأوروبا وفرنسا تشهد إنتهاء حقبة حضاريَّة امتدَّت من نهاية القرون الوسطى حتَّى أوائل القرن العشرين، وتميَّزت بكونها رأسماليَّة التركيب، ليبيراليَّة المنهج، وبورجوازيَّة القِيَم. إذاً جاءت الفلسفة الشخصانيَّة، ليس فقط محاولة جواب عن حقبة جديدة تشهد ولادة حضارة جديدة لا تزال غامضة المعالم فحسب، إنَّما أيضًا كردٍّ على المدرسة الماركسيَّة الماديَّة والمدرسة الوجوديَّة الملحدة. محدِّدة هدفها الأبعد بإعادة صنع “النهضة” (notre but lointain reste […] refaire la Renaissance). يشرح مونييه الشخصانيَّة على أنَّها مدرسة تبتغي إيجاد المقوِّمات التي تسمح لكلِّ إنسان بأن يعيش كـ“شخص”، أي أنْ يكون قادرًا على أن يبادر ويتحمَّل المسؤوليَّة وأن يتمتَّع بحياة روحيَّة. “الشخص” (La personne) كما يحدِّده مونييه هو بكامله “جسد” وبكامله “روح”. إنّه “غير الفرد” (individu). إنَّه “كائنٌ روحيٌّ” (être spirituel) يجمع في ذاته ما بين حاجته الى البقاء والاستمرار والاستقلاليَّة الذاتيَّة. يؤمِّن حاجته إلى الاستمراريَّة من خلال انخراطه بشكل حرٍّ في “تراتبيَّة قيميَّة” (hiérarchie de valeurs) يستوعبها ويعيشها من خلال “التزام مسؤول” و“عمليَّة تحوُّل ثابتة”. هكذا، يقوم “الشخص”، من ناحية، بتوحيد نشاطات الإنسان الحرَّة، ومن ناحية أخرى، بتطوير خصوصيَّة رسالته من خلال أفعاله الخلَّاقة. على كونه “كائنًا روحيًّا”، فإنَّ “الشخص” لا يمكنه أن يظهر إلا من خلال “خبرة حاسمة” مطروحة على حريَّته من قلب واقع الحياة. أكثر من ذلك، إنَّ “الشخص” هو “مطلق” (absolu) مقابل كل واقع اجتماعي أو مادي، وهو “مطلق” أيضًا مقابل كل “شخص آخر”. فـ“الشخص البشري” لا يمكن أن يتمَّ اعتباره “جزءًا من كل” (partie d’un tout) مهما يكن هذا الكل: عائلة، طبقة، دولة، أمَّة أو إنسانيَّة. ولا يمكن لأيٍّ من هذه “الكليَّات” أن تستعمله كأداةٍ في خدمة مشروعها. حتَّى الله ذاته بحسب العقيدة المسيحيَّة – كما يشرح مونييه – يحترم الحريَّة الشخصيَّة: كلُّ السر اللاهوتي للحريَّة وللخطيئة الأصليَّة يرتكز على كرامة الشخص البشري المرتبطة بخياره الحرِّ. إنطلاقًا من هنا، ترسم الشخصانيَّة الحياة البشريَّة على أنَّها حضورٌ والتزامٌ وليس انعزالًا وتقوقعًا على الذات. إنَّها انفتاحٌ على الآخر، إنَّها حضورٌ حيٌّ في عالم الإنسان العام. الشخصانيَّة هي إيجادُ معنىً لحاجات “الشخص” الماديَّة واعترافٌ بكونه جسدًا، وفي الوقت نفسه هي اعترافٌ بتسامي هذا “الشخص” على “الفرد” وعلى “المادَّة”. فـ“الشخص” هو الوحيد الذي يحفظ للإنسان واقعه الحيَّ، أي بعده المادي، وحقيقته الموجِّهة، أي بُعده الروحي. إذاً، “الشخص” لا يمكن أن يُعتَبَر كـ“شيء”. إنَّه أوسع ممَّا يمكننا أن نراه، وأعمق ممَّا يمكننا أن نحاول إدراكه. إنَّه يتخطّى “الضمير والوقت”. إنَّه جهدٌ دائمٌ وحثيثٌ لتخطِّي ذاته، لنكران ذاته، للتخلِّي عن ذاته والتسامي نحو الروح.

يعتبر إيمانويل مونييه أنَّ الحريَّة هي أحد أهمِّ أبعاد هذا “الشخص”، مميِّزًا ما بين المفهوم البورجوازي لليبيراليَّة والمفهوم الشخصاني لها. إنَّها حريَّة تسمح له بأن يكتشف دعوته وبأن يعتمد وسائل تحقيق هذه الدعوة. إذاً، الحريَّة الشخصانيَّة هي حريَّة التزام، حريَّة انخراط تغذِّيها وتجدِّدها حياة روحيَّة حرَّة.

إلى مفهوم “الشخص”، يطوّر مونييه مفهومًا لـ“الآخر” (autrui). فالشخصانيَّة، وبخلافِ الوجوديَّة السارتريَّة التي تعتبر الآخر “جحيمًا”، ترى في “الآخر” حاجة لـ“الشخص” في طريقه نحو تحقيق ذاته. تذهب الشخصانيَّة لاعتبار أنَّ عمليَّة تحقيق ذات “الشخص” لا يمكن أن تتمَّ إلا من خلال “الآخر” والتفاعل معه، منطلقةً مِن مفهوم الثالوث، الذي يصوِّر الله كائنًا أسمى حيث يتحاور ثلاثة أشخاص (الآب والابن والروح القدس) بمحبَّةٍ مطلقة، وليس كائنًا منعزلًا. هكذا يصبح الآخر الطريق الضروري للوصول إلى الذات ولتحقيقها.

يبدو “الشخص”، بحسب المدرسة الشخصانيَّة، جسدًا تامًّا وروحًا تامًّا. فالجسد يمثِّل الوعاء حيث يتجسَّد الروح في الوجود، والروح يمثِّل الفكر والنفس ونفحة الحياة. “الشخص”، متجذِّرًا في الوجود من خلال الجسد، هو دعوة دائمة، من خلال الروح، إلى الله. إنَّها عمليَّة تجذُّرٍ وتسامٍ في آن واحد. إنَّها التزامٌ حرٌّ بالوجود، من خلال الجسد، ودعوةٌ حرَّةٌ نحو الله، مِن خلال الروح. لا يمكن الشخص أن يتمم العمليَّتين وحيدًا، بل من خلال الآخر والحوار مع الآخر.

شخصانيَّة مشرقيَّة ولبنانيَّة

لم تتأخَّر المدرسة الشخصانيَّة في الوصول إلى لبنان كما كانت قد فعلت كلّ من الماركسيَّة والوجوديَّة. من أبرز من شرح الشخصانيَّة ونقلها إلى لبنان المفكّر المصري اللبناني رينه حبشي الذي ألقى منذ أواسط خمسينات القرن العشرين سلسلة محاضرات من على منبر “الندوة اللبنانيَّة” وكانت باكورة هذه المحاضرات كتابين في الفكر الشخصاني: “حضارتنا على المفترق” في العام 1959، و“فلسفة لزمننا الحاضر” في العام 1963. هذه الكتب التي كتبها بالفرنسيَّة حبشي ترجمها إلى العربيَّة فؤاد كنعان مُدخلًا الشخصانيَّة للمرَّة الأولى في فضاء اللغة العربيَّة والفكر المشرقي واللبناني. ثمّ كانت المحاولة المميَّزة لشَرْقَنَة الشخصانيَّة على يد خليل رامز سركيس. “مسيحيٌّ لا يطمح إلى أن يتشبَّه بالقدِّيسين، [و] ابن الخطيئة الأصليَّة تغمرها نعمة الكلمة المتجسِّدة”، كما يصفه صديقه الأقرب ميشال أسمر، و“تلميذٌ من تلاميذ الإنجيل يحاول أن يكتب بروحيَّة تلاميذ الإنجيل من [الكتَّاب] الغربيِّين […] ومفكِّري الوجوديَّة المسيحيَّة”، كما ينعته إميل المعلوف، لم يكن غريبًا أن يقترب خليل رامز سركيس من المدرسة الشخصانيَّة الغربيَّة ليحوِّلها إلى “شخصانيَّة شرقيَّة عالميَّة”. من ثلاثيَّته “أيَّام السماء، أرضنا الجديدة”، و“مصير” حيث يركِّز فيها على معنى الإنسان، “هيكل التجسُّد”، انتقلَ في كتابه “جعيتا” إلى مفهوم “الشخص”، مقتربًا بذلك من المدرسة الشخصانيَّة الفرنسيَّة. حتَّى أنَّ سركيس يُعدُّ مع المفكِّر المغربي محمد عزيز الحبابي من أوائل الكتَّاب الذين عبَّروا عن الشخصانيَّة باللغة العربيَّة.

من خلال كتاباته ولا سيَّما “جعيتا”، حاول الخليل ترجمة الفلسفة الشخصانيَّة إلى ما هو أقرب للعامَّة من الفلسفة: الأدب. هكذا جاءت محاولته استكمالًا لما كان يقوم به رينه حبشي على المستوى الفلسفي وضمن مشروع “الندوة اللبنانيَّة” السياسي – الثقافي الداعم لبناء الدولة كما سعت إليه “الشهابيَّة”. فبناء الدولة والمجتمع بكلِّ أبعادهما لا يكمن أنْ يتمَّ، بحسب ميشال أسمر ورينه حبشي وخليل رامز سركيس، إنْ لم يكن هناك فلسفة عامَّة تكون ظلًا لكلِّ سياسة. فلسفة تعبِّر عن نظرة المجتمع إلى الإنسان كـ“شخصٍ” متجذِّرٍ وملتزمٍ بواقعه الشرقي، تاريخًا وجغرافية، ومنفتحٍ بحريَّة على “الآخر”، ومتخطٍّ لذاته، وحاملٍ رسالة إلى العالم بأجمعه، رسالة إلى التسامي، إلى الصعود نحو “شهوتنا”: الإله القطب.

خلاصة

عالم اليوم على مفترق. هذا واقع يتفق عليه الكثير من المراقبين. وعند هذه المفترقات تحتاج الإنسانيّة لمرتكزات فكريَّة تكون لها كالبوصلة في خياراتها المستقبليَّة. السؤال الاهم هو ذاك الذي يُطرح عند كلّ مفترق تاريخي: ما هو العالم الذي نرغب ببنائه اليوم للمستقبل؟ وما هو موقع الإنسان فيه؟ قد يكون خطاب البابا فرنسيس محاولة جواب؛ أهمّ ما فيها أنّها لا تقطع مع عالم الأمس، بل تخطو به خطوة نحو الأمام مع المحافظة على كلّ مكتسبات الماضي: علمانيَّة، ديموقراطيَّة، حريَّات، جعل الشخص البشري وسعادته وكرامته محور كل شيء ومصالحته مع المافوق، إخضاع الاقتصاد والتكنولوجيا للكرامة الإنسانيّة لا العكس، إلخ. كل هذه القيم نجدها في الفلسفة الشخصانيَّة. فهل يمكن هذه الفلسفة الإنسانيَّة أن تشكّل قارب خلاص لعالم اليوم. وما هو دور لبنان في هذا الخلاص؟

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق