باقون في أفغانستان: الطالبان و… الأفيون! / نهلة الشهال

في كابول، أعلن رسمياً في احتفال شبه سري (خوفاً من تهديدات طالبان) عن رحيل قوات «إيساف» من أفغانستان، الذي يشمل 140 ألف جندي غالبيتهم من الأميركيين (يليهم البريطانيون فالفرنسيون وجنسيات متفرقة من حلف الناتو). أما الرحيل الفعلي فيستغرق وقتا لأنه يتم جواً.

ومنذ قرار الذهاب إلى هناك «للتخلص من طالبان والقاعدة والإرهاب»، بعد شهر على 11 أيلول (سبتمبر) 2001، مرّ ما يقرب من مليون جندي (يقدر عدد القوات الأميركية التي مرّت على العراق وأفغانستان بـ 2.5 مليون جندي!) بحكم التبديل الدوري للقوات (فمثلاً كان هناك بصورة دائمة 3500 جندي فرنسي في أفغانستان، ما يعني أن ما يقرب من 70 ألف جندي مروا هناك، وقس على ذلك). وهذا عدد هائل وكلفته هائلة أيضاً.

واليوم يقدم رقم 800 بليون دولار ككلفة للحرب في أفغانستان بينما وصلت كلفتها الى 4400 بليون دولار في العراق (وكان بوش قدرها بـ 50 بليوناً وطرد أحد مستشاريه حين خالفه وقال: بل 200 بليون!)، هذا عدا الإنفاق على الجرحى والمصابين بأشكال مختلفة من كدمات الحرب، والذين يقول تقرير طبي أميركي حديث أن 90 في المئة منهم يبقون على قيد الحياة (مقابل 50 في المئة من الجرحى في حرب فييتنام، وثلث الجنود الجرحى في الحرب العالمية الثانية: نعم، هناك تطور مذهل في الطب!).

على أية حال يظهر أن ما مجموعه 57 في المئة من الجنود يحتاجون رعاية طبية خاصة مدى الحياة (واستطراداً، تبين أنه في 2010، تخطّى عدد المنتحرين من الجنود الأميركيين في العراق أعداد من قُتلوا في الميدان).

لسنا بصدد الخوض في «حسابات بقّالين»، ولكن الموضوع يثير النقاش في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، حيث الأزمة الاقتصادية تعصف بحياة الناس وتُترجم تقليصاً متعدداً لبنود أساسية من الموازنات… التبرّم يطاول المساعدات المقدمة للبلدان التي جرى احتلالها وتدميرها (الضيق مما قُدِّم للعراق ولأفغانستان من مساعدات خارجية و»ذهبت في قنوات الفساد» كما يقول أكثر من باحث ومسؤول، وهي بلغت 42.3 بليون دولار لأفغانستان بين 2002 و2010)، بينما لم يجرؤ أحد على التأفف من رعاية «الإبطال القوميين» هؤلاء (وصلت موازنة المحاربين القدامى في الولايات المتحدة إلى 140 بليون دولار في 2013)… لا يُتأفف منهم على رغم أنه خرجت في الهوامش فضائح عدة تشير إلى إهمال المصابين الجسديين والنفسيين بعد وقت من تسريحهم أو نهاية خدمتهم، وآخرها قصة تتعلق بالطيار دانيال مولْد، احتلت الصفحة الأولى من «نيويورك تايمز» في عددها الأخير للعام 2014، وحالته خاصة لأنه أصيب في الولايات المتحدة نفسها أثناء تفكيك صاروخ قديم من مخلفات الاستعداد للتدخل في… الحرب العالمية الأولى، وكان يحتوي على غاز الخردل، الذي يقول مولْد أن العديد من الجنود تعرضوا له خلال احتلال العراق، بل تقول الصحيفة إن عشرات ألوف الرجال الأميركيين وافقوا، خلال فترة الحرب الباردة، على الخضوع لتجارب تتعلق بتأثير الأسلحة الكيماوية (حسناً، لن نُدخِل نصاً بنص، ولكن الأشياء مترابطة. فلنعد إلى أفغانستان، مع استطرادات تخصّ العراق وقد تخصّ «الحرب على الإرهاب» في طورها الراهن!). هناك 3485 جندياً أميركياً قتلوا في أفغانستان، بينما قتل 4600 من الجيش الأفغاني في 2014 وحده.

يعتبر كثيرون أن كل تلك «التضحيات»! مهدورة لأن طالبان ستستعيد سيطرتها على البلاد، ولن يوقفهم الإبقاء على نحو عشرة آلاف جندي (لعامين وسيتناقصون تباعاً) معنيين بتوفير التدريب والإشراف على اللوجستيات. والمثير والطريف، أن المقارنة أو المحاجّة تجري مع العراق، الذي تم الانسحاب منه قبل ثلاثة أعوام بالتمام، فما كانت النتيجة؟ انهار الجيش العراقي الذي أعاد الأميركان بناؤه عند أول نسمة، وهذا ليس مدهشاً بالنظر إلى استبداد الطائفية والجهوية والعشائرية فيه كما في سواه، حيث سماها الأميركيون «ديموقراطية المكونات» في ما يخص توصيف عمليتهم السياسية، وأما المحسوبية والفساد فهما نتاج شرعي لتلك المعطيات.

صحيح، يقول الجميع اليوم، بعدما حاول المسؤولون الأميركيون تمرير مسرحية التفاؤل بـ «السلطة العراقية الوليدة» (فلنتذكر زيارة المالكي لواشنطن بعيد الانسحاب الأميركي) إلى أن استفحلت الأمور! بل يستحضر بعض النبهاء واقعة أنه جرى سحق طالبان في البداية وتشتيت قواتهم، ولكنهم عادوا وبقوا. وهم يستنتجون أنه «لا يمكن القضاء عليهم بواسطة قوة دولية». فكيف يا سادة سيتم القضاء على داعش بواسطة قصف الطائرات (بطيار وبلا طيار)؟ وكيف يمكن أن تُكرَر الأخطاء في شكل يكاد يكون حرفياً؟ الجواب: هناك تخبط ولا شك، وعجز عن اتباع سياسة متماسكة، ولكن هناك أيضاً استخفافاً بمصائب تلك الأقوام البعيدة طالما يمكن درء تبعاتها وتداعياتها، ولاسيما حين تكون الأهداف العميقة قد تحققت، وعلى رأسها إظهار السطوة المطلقة وما يرافقها من «تأمين المصالح القومية»، كما لا ينفك المسؤولون الأميركيون يكررون كلما دعتهم الحاجة لتبرير أي تدبير يتخذونه… وهناك أيضاً تحفيز الصناعات الحربية، وربما أيضاً التجارب التكنولوجية.

وإضافة إلى طالبان الذين يُقدَّر عدد مقاتليهم بـ 35 ألفاً مقابل 350 ألفاً هو عديد الجيش الأفغاني، هناك فضيحة أخرى لا تقل عن الفضيحة العسكرية، تتعلق بالأفيون (الذي يستخرج منه الهيرويين) والذي تحوز أفغانستان 90 في المئة من حجم إنتاجه العالمي وفق مكتب الأمم المتحدة المختص (تقول واشنطن: بل 80 في المئة!). وقد تضاعفت مساحات الأراضي التي يزرع فيها ثلاث مرات في ظل الاحتلال الأميركي للبلاد (من 74 ألف هكتار في 2002 إلى 224 ألفاً في 2014)، ويعتاش مباشرة من زراعته مليونا فلاح هم عادة الأفقر لأنهم الأبعد من مصادر المياه، ومن شبكات النقل والأسواق، كما يحصد ثمار عائداته طالبان (حيث تنتشر زراعته خصوصاً في 17 مقاطعة من أصل مقاطعات البلاد الـ 34، وهي المقاطعات الجنوبية حيث نفوذ طالبان) ومافيات المهربين. وهو يمثل 35 في المئة من الناتج المحلي الصافي للبلاد. يقال إن الفلاحين سيُشجّعون على زراعة الزعفران بدلاً منه (لأن مردوديته أعلى من اللوبياء والباذنجان، وحتى من الأفيون)، ولكن ذلك لم يحدث في الزمن الأميركي!

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق