«داعش» تقطع رأس السنة بنصال تكفيرية / حمدي رزق

يسخر المصريون فيسبوكياً، يتداولون فكهين «تتويتة» (تغريدة) قصيرة تلقى شيوعاً، نصّها: «داعش قطعت رأس السنة». وكأنهم يسخرون من فتاوى راجت إلكترونياً منسوبة إلى نجوم مشايخ السلفية تحرم الاحتفال برأس السنة، يسمونه «عيد الكفار»، ويقبحون «بابا نوبل»، يعدمونه بنصال الفتاوى المسمومة التي لم تترك لبابا نويل مكاناً يلجأ إليه قاهرياً مع اقتراب رأس السنة. يشحذون سيوفهم، يخشى بابا نوبل الظهور ليلا في القاهرة.

«الشَّيْخُ» لغوياً هو من أدرك الشيخوخةَ، وهو لقب يطلق مصرياً على رجل الدِّين الإسلامي من شيوخ الأزهر المعممين. وشيخ الأزهر أعلى مسؤول في «الأزهر الشريف «، وشيخ الإسلام لقب يُطلق على فقهاء الإسلام وقد كان محصوراً برجال العلم والتصوّف، وهو إنسان كامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة. والشَّيْخان علماً هما أبوبكر وعمر (من الصحابة)، والشَّيْخان هما البخاري ومُسلِم (من علماء الحديث).

رزقت المحروسة بصنف نادر من المشايخ، له من صفات الشيخ لحيته وسمته وحلو الحديث، ولكنه خارج علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، يسمونهم قاهرياً «شيوخ النار» أو «شيوخ التكفير»، طاحوا في الخلائق تكفيراً، وصاروا فوق منصات فضائية تقذف الحمم في الوجوه، رغم وجوههم الملساء.

لا تفهم سر عداء هؤلاء المشايخ لبابا نويل، رغم أنه طيب ومسالم ولا يؤذي أحداً، ولا يظهر في الليالى القمرية، يظهر مرة واحدة فى العام ويختفى كلية، من السنة للسنة. يكرهه هؤلاء كراهية التحريم، ويحرضون عليه. نفر من الشباب المبتكر الذى كان يخرج ليلة رأس السنة مرتديا بابا نويل يزور الأطفال فى البيوت، يمنحهم الهدايا بالاتفاق مسبقا مع عائلاتهم، زيارات مدفوعة الثمن لأحياء طقس نادر الحدوث قاهرياً (فى القاهرة يحرقون الجن ليلا على الفضائيات ويصير رماداً)، لا يظهر بابا نويل ليلاً، هؤلاء الذين يؤدون دور بابا نويل يخشون التحرك بالزي فى الشارع الملغوم تكفيرياً.

أخطر أعداء «بابا نويل» شيخ سلفي اسمه «محمود المصري»، الملقب بـ»أبي عمار». وهو أحد تلاميذ الشيخ السلفي الشهير «محمد حسان». والطريف أن المصري موصوف بأنه داعية أملس.. ناعم. لا يجرح. ولا يدمي، موصوف أيضا بالوسطية. وهذا مهم جدا ذكره قبل أن نذكر «تحريضات» محمود المصري على رأس السنة الميلادية.

ربما يضحك البعض أو يتبسم ضاحكاً من الاسم (محمود المصري)، فهو شخصية درامية شهيرة أداها الفنان محمود عبد العزيز في حلقات مسلسلة ناجحة قبل عشر سنوات، جسّد فيها قصة حياة ملياردير مصري في الخارج. أما «محمود المصري»، الداعية السلفي الذي نحن بصدد فتواه، فرجل محلي تماماً، يتوجه بخطابه دوماً إلى البسطاء من المصريين، وهذا هو مكمن الخطورة.

نشر «محمود المصري»، السلفي، فتواه الأخيرة عن الاحتفال برأس السنة الميلادية منذ سنوات، لكنها تتكرر وتتجدد ويضاف إليها مقاطع تكفيرية في كل عام. «الفتوى العمدة» تظهر تحديدا في النصف الثاني من ديسمبر /كانون الأول من كل عام، ويستند فيها إلى إمام الفقه الذي يأخذ عنه معظم السلفيين وهو ابن تيمية. يقول «المصري» في مقدمة فتواه نقلا عن ابن تيمية: «لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة. اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد الكفار والتشبه بهم فيها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والمالكية والحنابلة..».

ثم يذكر «المصري» مراجع شتى لابن تيمية يحيل قارئه عليها. ويتابع «المصري» فتواه قائلاً: «يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم لأن اللعنة تتنزل عليهم» ثم، مستنداً إلى ابن تيمية أيضا، يقطع المصري بتحريم تهنئتهم بأعيادهم، يقصد المسيحيين طبعا، ويقول : «إن من يهنئهم إن لم يسلم من «الكفر» لم يسلم من «المحرمات».. ويقطع «المصري» في نهاية فتواه بأن تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد: «حرام بالاتفاق». يقصد اتفاق كبار العلماء وأئمة الفقه على تحريمه.

ذهب «المصري» ساخرا حتى من عبارة المعايدة التي يقولها المصري المسلم للمصري المسيحي بقسوة فقال بغلاظة: «هابي نيو يير مش بتاعتنا»، أي أن عبارة «كل عام وأنتم بخير» التي بات المصريون يتداولونها كل عام في رأس السنة بصورة تلقائية، حرام شرعاً وليست للمسلمين، لا نصيب لهم فيها، فالعام عام المسيحيين وحدهم، أما المسلمون فلهم عامهم الهجري.

لم يبتعد «الشيخ» المصري كثيراً في فتواه، شكلاً وموضوعاً وعنفاً، عن فتوى الداعية السلفي «ياسر برهامي» نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر، مسموع الكلمة في الأوساط السلفية ولاسيما «حزب النور» المصري، الجناح السياسي للدعوة السلفية، إذ قال إنه لا يجوز تهنئة النصارى في أعيادهم الدينية، بما في ذلك عيد «الكريسماس«، لعدم وجوده في القرآن. وأضاف، في فيديو خلال لقاء له بقناة «الناس»: «المناسبات الاجتماعية يمكن التهنئة بها مثل الزواج، والولادة، وزيارة المريض، والعزاء في الوفاة».

قطب سلفي آخر هو الشيخ «أبو إسحاق الحويني» قال: «لا يجوز تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد، نعم أعدل معهم وأعاملهم بالقسطاس، لا أظلمهم ولا أجور عليهم، لكن المودة والبر لا يكونان إلا لأهل الإيمان فقط».

وقال الشيخ «مصطفى العدوي»، عضو مجلس شورى العلماء السلفي، عن «الكريسماس«: «الاحتفال به حرام، كما أن الاحتفال بعيد رأس السنة الهجرية لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أما عيد «الكريسماس« فهو ليس عيد أهل الإسلام بل عيد الكفار، ولا ينبغي المشاركة في هذا أو ذاك». ذهب «العدوي» بعيدا أكثر من «الحويني» و»برهامي»، ليتخذ مكانه بجدارة إلى جوار «المصري» وفتواه، وحرّم الاحتفال بالعيدين. الميلادي والهجري سواء بسواء.

مرور الكرام

فتاوى تحريم الاحتفاء برأس السنة الميلادية ليست جديدة، ربما بدت هذا العام أكثر قسوة من ذي قبل، لكن اللافت للنظر فيها هذا العام، اعتبار أنهما جديران بالدراسة من ناحية كونهما «ظاهرتين ثقافيتين».

فأما الأولى فهي أن تحريم الاحتفال بالكريسماس، بات أمراً معتاداً، يمكن القول – بأسف شديد – إن الأذن المصرية باتت تعتاده، وأن القلوب المصرية – في بعض الأحوال وليس في جميعها – باتت تتعاطى معه. فالإرهاب حين يضرب ضرباته، لا يريق الدماء فقط، وإنما يغتال العقول كذلك، لا يعطي التعليمات بالقتل أو الحرق أو التخريب وحده، بل يعطي الأوامر أيضا بتخريب مناخ الحياة ذاتها وتسميمها. فمصر فيها ملايين المسيحيين – لن نسقط هنا في تعداد كم مليونا من الأنفس، فتلك قضية أخرى – وحين تصدر فتاوى غير مسؤولة مثل هذه فثمة من ينتفض عقله خشية منها، يرى فيها إحراقاً للوطن، ناهيك بكونها عبثاً بالروح المصرية التي عرفت منذ قدم بالتعددية وقبول التعايش في يسر وبساطة مع الآخر المختلف في الدين أو اللون أو العرق. هذا مساس أساسي بها وعبث في صميمها. الخطير حقا أن قليلا من المثقفين المصريين هم من باتوا يهتمون بهذه الأمور، صارت من الثوابت المعتادة، بات عادياً أن يخرج هذا «الشيخ» أو ذاك ليكفّر أحدهم، أو يلعن الآخر، أو يحرّم مناسبة. بل بات معتاداً أن نسمع فتاوى بتحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي سيحل بعد الاحتفاء بالكريسماس بثلاثة أيام وحسب، يقول «محمود المصري» في ذلك إنه «بدعة» وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ويذهب غلاة آخرون إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي هو «كفر بواح «، مثلما يحرمون – بل يكفرون – الاحتفاء بشم النسيم أو عيد الربيع الذي يحتفي به المصريون منذ عصور الفراعنة من دون انقطاع. ألم نذكر – عرضاً – أنهم يحرمون حتى الاحتفاء برأس السنة الهجرية، تلك التي يحتفي بها ملوك وسلاطين وولاة وحكام مصر منذ العصور الوسطى إلى اليوم.

في الوقت ذاته الذي يحرم فيه هؤلاء المشايخ على المسلمين الاحتفاء بكل المناسبات الإسلامية والمسيحية – عدا عيدي الفطر والأضحى – يحللون أمورا لا يقبلها المصريون عادة، ولا يقبلها ذوو نفوس صحيحة، لكن المهم في كل هذه المحرمات أن المصريين – في غالبهم – باتوا يمرون بها مرور الكرام، من دون أن يتوقفوا أمامها كثيراً، بل يمر بها بعضهم من دون أن تستلفت انتباهه أو تغضبه أصلاً. أو تثير لديه مشاعر الخطورة بشأن ما يتجه إليه المجتمع.

اللافت أن مثل هؤلاء المشايخ السلفيين – والسلفيون ليسوا وحدهم من يمارسون هذا التحريم المطلق، فثمة من يمارسه من تيارات دينية أخرى – موجودون إعلامياً بغزارة، ولهم كلمة مسموعة في نفوس البسطاء من المصريين. ولا نعني بالبسطاء هنا غير المتعلمين بل نعني متعلمين أيضاً. فالصرعة الجديدة لدى هؤلاء الذين تلقوا تعليمهم في عصر مبارك هي الانصياع وراء الأفكار الدينية المتشددة، كثير منهم من الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والمعلمين المدرسيين والإعلاميين أيضاً.

يقضي هؤلاء البسطاء – فكراً – ليلة الكريسماس في بيوتهم، ليس من باب الفقر – شأن شرائح أخرى كالتي ذكرناها آنفاً – بل من باب «تحاشي السقوط في المحرمات»، فتتشابه الشوارع الخالية من المارة في أحياء الأثرياء كالزمالك (الجزيرة الأشهر في قلب النيل بالقاهرة) وفي المدن الجديدة حيث قصورهم في «التجمع الخامس» أو القاهرة الجديدة (أقصى شرق القاهرة) وشوارع العشوائيات مثل «بولاق الدكرور» غربي الجيزة – أو «إمبابة» في شمالها، تلك التي نشأت فيها في مطلع التسعينيات «جمهورية إمبابة» الإسلامية الإرهابية والتي كان الأمن المصري مضطراً إلى الدخول في معركة لتحريرها في تلك الأيام. الشوارع في جميع هذه الأحياء الراقية والشعبية والعشوائية تتشابه، تخلو من المارة، ليس لأنهم في النوادي أو الملاهي أو حتى المسارح ودور السينما، ولكن لأنهم في بيوتهم يغطون في نوم عميق، يبتعدون عما قاله لهم الشيخ «المصري» والشيخ «برهامي» والشيخ فلان والشيخ علان إنه حرام الاحتفال برأس السنة لأنه ليس من الإسلام في شيء.

ليلة حزينة

تلك ظاهرة ثقافية – بالمعنى الواسع والحقيقي للثقافة من حيث هي نمط حياة – نتجت عن سباق التكفير الذي يتتابع بانتظام على «يوتيوب» و»فيس بوك» أو عبر بعض ما تبثه الفضائيات الخاصة من برامج دينية، ولا يردعه ما يخرج عن دار الإفتاء المصرية أو مشيخة الأزهر الشريف من فتاوى تتسم بالتسامح واليسر، سواء بشأن رأس السنة الميلادية أو غيرها من المناسبات.

أما الظاهرة الثقافية الثانية فهي ما يمكن أن نسميه «الخلفية الفقهية للإرهاب المسلح». فتلك الفتاوى التي تكفر كل شيء – بشراً وحجراً وزماناً ومكاناً – تمثل زاداً فخيماً للقتل والعنف الدموي، يستمد منه الإرهابيون أفكارهم، ويتخذونه ذرائع مهلكة للقتل والتنكيل بالعباد.

حين صدرت فتاوى القتل بحق المفكر الراحل الدكتور فرج فودة تم قتله بعدها بأيام، وحين صدرت فتاوى تكفير شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ ورائعته الفريدة «أولاد حارتنا»، لم يتردد أحد الحمقى في أن يحاول ذبحه بالسكين، كان ذلك قبل عشرين عاماً. لكن اليوم صار الوضع أكثر خطورة وتعقيداً، فثمة من يتربّح بمثل هذه الفتاوى ويتاجر فيها سياسياً، ويمارس التكفير بمعناه الأشمل ليحيط به «الدولة المصرية» ذاتها. فالدولة يجب أن تكون «كافرة» في عيون العامة من الناس والبسطاء منهم، لأن هذا يعطي التكفيريين الغطاء الشعبي والمبرر الكافي لرفع السلاح في وجه الدولة، أي دولة. وهذه التجربة المرة تحديداً تكررت في غير موضع من الخارطة العربية ولا تزال تتكرر.

في هذا السياق، بات الخبر الأهم – في انتظار رأس السنة – هو أن الاستعدادات الأمنية على قدم وساق لتأمين الاحتفال برأس السنة، سواء تلك التي حلت بالفعل يوم 25 ديسمبر/ كانون أول قبل أيام وهي ذكرى رأس السنة لدى الكاثوليك والبروتستانت (يشكلان معا أقل من 10 بالمئة من جملة المسيحيين المصريين) أو الاحتفال برأس السنة ذاتها في 31 ديسمبر / كانون الأول، أو الاحتفال بعيد الميلاد المجيد للأكثرية المسيحية الأرثوذكسية (7 يناير /كانون الثاني) المقبل. لتتحول الأعياد إلى «فخاخ متوقعة» ينصبها الإرهاب للمصريين، وأيام يحبسون فيها أنفاسهم خوفاً من وقوع مكروه.

في هذا السياق، يتنافس الإرهابيون، من السهل – وغير المفاجئ – أن تقرأ على «فيس بوك» دعوة للتظاهر ضد الدولة من «الجماعة المحظورة» ليلة رأس السنة، أو أن تقرأ عن سقوط تنظيم إرهابي كان يخطط للعبث بالأمن – بل بالكنائس – ليلة رأس السنة. كل هذا أيضا دخل في «السياقات المعتادة» لحياة المصريين، لاسيما أن الأمن المصري اعتاد رفع درجة استعداده هذه منذ زمن في ليلة رأس السنة، منذ عشر سنوات على الأقل، أي قبل سقوط نظام مبارك بما يزيد على ست سنوات.

ما على الإرهابي في تلك الليلة سوى أن يعلن أن هذه المناسبة ترتكب فيها المحرمات، وأن شيوخ الإسلام حرموا الاحتفال بها، ومن هذا المنطلق ينفذ عمليته الإرهابية، التي غالبا تمنى بالفشل، لكنها تترك أثراً نفسياً عميقاً لدى المصريين، خصوصاً لدى المثقفين منهم.

طقوس «الكريسماس»

بين كل تلك الملامح الكئيبة لليلة «الكريسماس« في الشوارع المصرية، لا يمكن أن نغفل أن طبقات من المجتمع تتمكن من الاحتفاء به، سواء في القاهرة، أو في السواحل التي يذهب إليها المصريون شتاء غير مبالين بالبرودة القاسية للجو، سواء في الساحل الشمالي الغربي – منتجعات مارينا ذات الشهرة الكبرى – أو في شرم الشيخ ومنتجعاته العالمية على ساحل خليج العقبة بسيناء، أو في الغردقة على ساحل البحر الأحمر بما تضمه من قرى سياحية فخمة، ينفقون الكثير من الوقت والمال وراء هذه الاحتفاليات التي يتنافس فيها أشهر نجوم ونجمات الغناء فوق خشبة المسرح أو خشبات المسارح. هذا كله لا يلغي أن الرمز الأساسي للاحتفال برأس السنة الميلادية – بابا نويل – صار مذموماً مرفوضاً، على يد وبلسان كبار شيوخ التكفير، الذين حذروا هذا العام – مثل كل الأعوام السابقة – من اقتناء «أطفال المسلمين» حتى لدمى صغيرة تمثله. يقولون إنه رمز ديني مسيحي.

بعيداً تماماً عن فتاوى التكفير الداعشية فإن مذاق الأيام صار محايداً منذ سنين في مصر، وأن كثيراً من المصريين لا يحتفون بكثير من المناسبات التي تتزاحم أوراقا تحمل تواريخ على نتيجة السنة، تلك التي تدل – وحدها فقط – على وجود عام جديد، وبعيدا كذلك عن أن معظم المصريين ممن يستيقظون باكراً للتوجه في يوم عمل طويل وغالبا متعدد – إذ يعمل أكثرهم في غير وظيفة واحدة – تبدو مناسبة «رأس السنة الميلادية» التي تحل في 31 ديسمبر/ كانون الأول فريدة بعض الشيء، حتى لدى فقراء المصريين، الذين يحلمون كل عام بأن تحل عليهم السنة بصورة «أكثر إنسانية»، ولدى الطبقة الوسطى التي تتردد كثيراً وتخشى كثيراً وتفكر كثيراً حتى في جدوى الاحتفال نفسه بعام جديد، وإن امتلكت شرائح من هذه الطبقة إمكانات الاحتفال. أما الأثرياء فإنهم يغوصون وراء تفاصيل الاحتفال وربما ينفقون ملايين الدولارات، متمنين المزيد من الثروة، والسعادة، والنفوذ.

لكن هذه المشاهد التي تجد – تماما – ما يبررها اقتصادياً واجتماعياً، لاسيما أن مصر – الدولة – تخوض حرب تنمية صعبة وشاملة، ينتظر أن تؤتى ثمارها، تجري بجوارها، بالتوازي معها بالضبط، مشاهد تختلف كثيرا في الشكل والمضمون، مشاهد أبطالها ملتحون، والمتفرجون عليها ربما بعضهم ملتحٍ وآخرون منهم غير ذوي لحى من الأصل.

عادة ما يلقي البسطاء فتاوى تحريم الاحتفاء برأس السنة الميلادية خلف آذانهم، لأنهم أصلا لا يحتفلون، ربما لا يشعرون فى قعر بيوتهم أن عاماً جديداً قد أطل، لأنهم بالأساس لا ينتظرون بابا نويل كافرا او مؤمنا، مسيحيا أو مسلما، لن يزورهم بالاساس، ولا يقفون كثيرا على عتبة داره، ولا يأبهون بفتاوى تكفيره وحتى غض البصر عمن يطلقها من يسمون أنفسهم «شيوخاً«، ويضمرون في أنفسهم أن معظمهم ليس له من هذا اللقب نصيب حقيقي، لكنهم أصحاب شهرة وأصحاب جمهور.

ولكن لا ننكر أن بعض هذه الفتاوى نجح في بث الرعب في قلوب من يعتزمون الاحتفال، فيما استقبله منفتحون آخرون بفتور، فتلك عادة سنوية يمارسها هؤلاء الشيوخ، إن جاز استخدام لقب «الشيوخ« مع هؤلاء. لتخويف المصريين من طقوس «الكريسماس«. وهؤلاء الذين لم تؤثر فيهم فتاوى «تكفير الكريسماس» و»تقبيح بابا نويل» غالبا هم ممن لا يحتفلون بهذه المناسبة أساساً.

المتغير الجديد هو الإرهاب الذي يقف على أطراف أصابعه يتحيّن المناسبات ليضرب ضربات جديدة دموية في أي مكان من أرض مصر. كل هذا يدور في خلد المصريين هذه الأيام وهم يستقبلون العام 2015. القضية فى أعوام مضت كانت تكفير بابا نويل، الآن صارت تفخيج بابا نويل بقتبلة بدائية توضع خلسة فى هداياه، يحملها ليقتل بها أطفالا فى رأس السنة. عام جديد، يطل على المصريين، هؤلاء الذين يطلبون الكثير جدا من أجل حياة أفضل على صفحاته الثلاثمائة وخمس وستين. لكنهم ينسون وهم يطلبون هذه الأشياء، أنهم لا يحتفلون بهذه السنة، لأن مشايخ كثيرين أفتوا بتحريم الاحتفال بها، ولأن إرهابيين من هنا وهناك توعدوهم فيها آنفين.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق