درس الفلسفة بين : ” الأستاذ – الطبيب ” و ” الأستاذ – الكُناشي “

 

يميز ابن رشد، بالاستناد إلى تقليد قديم في ميدان التصنيف الطبي، في مؤلفه “الكليات في الطب” بين الطبيب وبين “أصحاب الكنانيش”، وهو نفس التمييز الذي يتبناه ابن أبى أصيبعة لتصنيف في مؤلفه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”. هذا التدقيق يفيد في التفريق بين “الطبيب” الذي يستحق هذا الاسم وبين “الكناشي” الذي يتخصص في تدوين الجزئيات الطبية في مدوناته، كراساته ووصفاته الجاهزة. فالطبيب بالمعنى الحقيقي والواسع هو العارف بأصول مهنة الطب، تشخيصا للأمراض وأنواع السقام مع ضبطه لأسباب العلاج والمداواة السليمة، وبين صاحب الكنانيش الذي هو متفرغ للجزئيات، انه يسلك “الطريق الكناشي” في عمله، أي يعرف الأمراض ويسرد أدويتها، فهو يغرف من لائحة الوصفات الطبية التي تخص هذا المرض أو ذاك، وهي لائحة معدة سلفا، إنه ينقل من كنانيش الأطباء الوصفات الجزئية.
يقول ابن رشد: “وبالجملة من تحصل له ما كتبناه من الأقاويل الكلية أمكنه أن يقف على الصواب والخطأ من مداواة أصحاب الكنانيش في تفسير العلاج والتركيب”. أما الطبيب الذي يهتم بالكليات فهو يتناول بالدرس الأصول النظرية الكلية لعلم الطب، تاركاً الدخول في الجزئيات والأمور التفصيلية لغيره من المصنفين في هذا العلم، والذين يطلق عليهم »أصحاب الكنانيش« الذين يؤلفون في »الأمور الجزئية«. والمقصود بهذه الأخيرة الاهتمام بالأدوية والعلاجات الخاصة بكل مرض على حدة يصيب عضواً ما من الأعضاء. وإذا كان الطبيب يسلك » الطريق الكلي«، بنفس الطريق الذي انتهجه ابن رشد في “كتاب الكليات”، فإن نسبة هذا “الطريق الكلي” إلى »الطريق الكناشي« كنسبة علم الأصول إلى علم الفروع.


يمكن، بمقتضى علاقة المشابهة، أن نقول إننا مازلنا اليوم نعيش نفس الواقعة، فعندنا الطبيب العارف بأصول المهنة ومقاصدها ووسائلها، هذا الذي نسميه “البروفسور”، وبين الطبيب الكناشي الذي تنحصر مهمته في إملاء وصفات طبية داخل دكان للتطبيب يسميه “عيادة”، هذا الدكان الصحي – المرضي، هاجسه هو الربح والمزيد من الربح. ولا يتوقف التشابه عند مجال علاج الأبدان ومداواة النفوس، بل يمكن أن نوسع المجالات التي تنطبق عليها هذه الخصائص والمميزات. ففي الكثير من المهن والصنائع نصادف نفس الواقع، هنا يكثر هواة “الطريق الكناشي” ويلمع بريق “أصحاب الكنانيش”. لا يخلو مجال السياسة والقضاء والصحافة والتعليم من هذه الظاهرة. فتجد المحسوبين على المرافعات القضائية يكنشون الاحكام، انهم مولعون بسرد الفصول والمواد بأرقامها، جديتهم تنحصر في تدقيق أرقام الفصول. إنهم أشبه بالطبيب الكناشي الذي يقترح الوصفة التي يعتقد أنها العلاج للمرض الموصوف. لا يختلف الأمر عند هواة السياسة الذين يقصرون نظرهم على الجزئيات ويرددون مسكوكات لغوية مستهلكة ومستعارة من قاموس السياسة. أغلبهم يمضغ قشور مفاهيم سياسة دون أن يعرف أصولها وموطنها ومقاصدها. ويمكن أن يصدق هذا الحكم على أهل الصحافة الذي يمطروننا بإخبارهم الجزئية مع ذهولهم عن مقاصدها ودون تمحيصها.
إذا كانت هذه الملاحظات تسري على الكثير من مجالات الحياة والمعرفة، فإن تحصيل المعرفة وتعليمها يشهد بامتياز على صواب هذا الرأي. ففي مجال التعليم والتكوين نصادف أساتذة – أطباء، وهم قلة، وأساتذة – أصحاب كنانيش – وهم يشكلون السواد الأعظم.
الظاهر أن الكثيرون من مهنيي وممتهني التدريس ينتدبون حياتهم للنقل الديداكتيكي، أي الاجتهاد في تحويل المعرفة العالمة إلى المعرفة المتعلمة. انهم يستنسخون المعلومات والمعارف وينقلونها إلى المعلمين. فمن المراتب الدنيا في التعليم، كالتعليم الأولى، إلى التعليم العالي، نجد أن المدرس الكناشي يملي الدروس على المتعلمين بنفس الطريقة التي يقدم بها الطبيب الكناشي الوصفات إلى مرضاه. ولقد زاد التقدم التكنولوجي في ابتلاء المنظومة التعليمية بظاهرة أصحاب الكنانيش، حيث أن آليتي النسخ والنقل ساهمتا في انتعاش الظاهرة.

المدرس الكناشي لا يقرأ، وحتى إذا قرأ، فهو يقتات فقط من الملخصات والمدونات. إن معين معرفته هي الكتب المدرسية أو ما يوافقها. إنه لا يعرف مصادر المعرفة التي يتغدى منها. همه الوحيد هو ضبطها وإملائها والحفاظ على أمانتها وحفظها وصيانتها من الضياع. والسبيل إلى ذلك هو تدوينها في كناش المتعلم. فالمدرس الكناشي يسترزق بالتعليم فقط، ولا يهمه غير ذلك. هذا ما عبر عنه طه حسين، في “مستقبل الثقافة في مصر”، بقوله : 
“وكثيرا ما كنت أضيق باختلاء المدرسين إلى القهوات والأندية وإضاعتهم الوقت في هذه الأحاديث الفارغة عن الدرجات والمرتبات وعن المفتشين وكبار الموظفين، ولكني مضطر بعد أن داخلتهم وبلوت أمورهم إلى أن أرحمهم واعتذر عنهم وألوم الدولة التي تضطرهم إلى هذا الجمود. ومهما يكن اللوم في ذلك فالمحقق هم أن المدرسين لا يقرؤون، ومن أجل ذلك لا يتوقفون عند ما حصلوه في المدارس حين كانوا طلابا فحسب، بل ينسون أكثر ويقفون عند المناهج والبرامج التي يكلفون بتعليمها في المدارس، ويرددونها إذا أمسوا حتى يصبحون مناهج وبرامج تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، تذهب إلى المدارس وجه النهار والى الأندية والقهوات في الليل. فكيف تريد من المدرس الذي لا يقرأ أن يدفع التلميذ إلى القراءة ويرغبه فيها ويزينها في قلبه”.


ليس الغرض من هذه الملاحظة هو النظر في أنماط التعليم بصفة عامة، ولكن مقصدنا هو تركيز القول على تدريس الفلسفة. وملخص دعوانا في هذا المقام هو أن درس الفلسفة بالمجتمعات العربية ابتلي بظاهرة أصحاب الكنانيش ضدا على ما ينتظره المجتمع من مدرس الفلسفة، ومن درس الفلسفة. فما هي ملامح هذا الدرس؟ وما هي آثار هذه الظاهرة على درس الفلسفة ؟
قبل مقاربة هذه التساؤلات، نستحضر المفهوم الجديد للفيلسوف عند نيتشه. فالمعلوم أن هذا الأخير يميز بين الفيلسوف من جهة والفيلسوف الموظف من جهة أخري، بين الفيلسوف الفنان وبين مدرس الفلسفة. هذا المدرس الذي يجعل من الفلسفة موردا للاسترزاق، للخبز. إن موظف الفلسفة هو من “أشباه المثقفين” الذين يظنون أنهم تملكوا الفلسفة. والحال أنهم مجرد محترفي الفلسفة. إن الفيلسوف ذو العقل الحر هو الفيلسوف الطبيب الذي أشار له نيتشه بقوله: “مازلت بانتظار الفيلسوف الطبيب الذي تتحدد مهمته في البحث عن الصحة الكبرى للفرد، والشعب والمجتمع، والذي سيعمل بطريقته على الدفع بأفكاري إلى ابعد مدى”.

ولما كان الفيلسوف الحقيقي هو طبيب للمجتمع، حيث أن مهمة هذا الفيلسوف الطبيب تقتضي أولا محاربة أنواع العلاجات الفاسدة والساذجة التي يعتمدها القساوسة والكهنة كوسائل لتدجين الإنسان ومحاربة كل أشكال القوة الطبيعية التي تميز حيوانيته ولما كان الكهنة، ومن يدور في فلكهم، قد جعلوا الإنسان أكثر مرضا وأكثر حقدا تجاه ذاته واتجاه العالم . فإن مهمة الطبيب الفيلسوف يجب أن تعمل على تشخيص أمراض الإنسان، والبحث جينيالوجيا لها عن أصل المرض. كل ذلك بقصد محاربة السموم التي أطلقها لعاب الكاهن في جسم الحياة بدعوى خلق القيم : الخير والشر ، الحسن والقبيح ..


يمكن، بنفس القياس، أن تفرق بين الأستاذ الطبيب والأستاذ المستخدم – الموظف -، هذا الذي لن يكون سوى أستاذ الفلسفة، صاحب “الكنانيش الفلسفية”. فأستاذ الفلسفة – الطبيب – يكرس حياته للحفاظ على “محبة الحكمة”، لجعل الفلسفة محبوبة عند المتعلم، بل يجعل الفلسفة أسلوبا للحياة، خلافا لموظف الفلسفة الذي لا تهمه الفلسفة ألا باعتبارها مهنة.
الأستاذ – الطبيب للفلسفة هو الذي يعتمد المعنى الجديد- القديم للفلسفة، الفلسفة كما نحيا بها، وكل ذلك يتطلب إعادة النظر في تعريف الفلسفة ذاتها، وفي نعث الفيلسوف. فالفلسفة عنده هي السعي لمحبة الحكمة لا إلى امتلاكها، ليست هي مجرد آراء وتصورات ومواقف مترجمة في خطابات مجردة، ولا هي تعليقات على خطابات، أي خطاب حول الخطاب، وإذا كان هم درس الفلسفات النظرية هو صياغة خطاب تأملي حول كل ضروب الخطاب الإنساني، علميا كان أم تقنيا، أم سياسيا، أم شعريا، أم فلسفيا، بحيث تنحصر مهمة الأستاذ في إنتاج الخطاب ووصف الخطابات، فإن الفلسفة عند الأستاذ – الطبيب هي أسلوب في الحياة وللحياة. ولذا فليس أستاذ الفلسفة هو من ينتج أنساقا من الكلمات والأفكار، ولا من يصوغ مفاهيم، ولا من يدلل ويقدم على أطروحات، دعما أو إبطالا لها. بل من يعيش حياة فلسفية في القول والفعل، ويدفع الآخر، خاصة المتعلم إلى أن يحيا فلسفيا في التفكير والنظر والتدليل والحجاج….فهل يتحقق ذلك في درس الفلسفة ؟ للنظر في هذا الموضوع نستحضر التجربة المغربية في تدريس الفلسفة، خاصة في التعليم الثانوي.


فالملاحظ أن المغرب عرف مزيدا من الإقبال على تدريس الفلسفة على نطاق واسع منذ 2003. حيث أن مشروع إصلاح منظومة التربية والتكوين استوجب تعميم تدريس الفلسفة على مختلف مراحل التعليم الثانوي، مع فتح مسالك للتدريس بعدة جامعات. ولفهم هذه الظاهرة نستحضر قولة ابيقورية قديمة مفادها، إنه “لا يجب أن نتظاهر بالتفلسف، بل أن تفلسف فعليا, فنحن مضطرين لا إلي الظهور في صحة جيدة، ولكن أن نكون فعلا في صحة جيدة”، وانطلاقا من هذا القول تعاد صياغة التساؤل السابق كما يلي : هل المغرب يدرس فعلا الفلسفة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تظاهر بالتفلسف ؟ وما هي القيمة المضافة التي أضافتها المؤسسة للفلسفة

؟ والى أي حد يخدم هذا التعميم الإنسان وقيمه الإيجابية ؟

صحيح أن التوجيهات التربوية-2007- المنظمة لتدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي تشير إلى أنها تنتظر من هذا التدريس أن“يعمل على تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل، وعلى التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات …فتعليم الفلسفة هو تكوين وتربية مشروع مواطن كوني متحرر ومستقل ومسؤول، يرتقي بشخصيته وبتاريخه الخاص المحدودين في الزمان والمكان إلى مرتبة الكرامة الإنسانية” .
وسعيا منها لبلورة هذا التصور تم توظيف ما استجد في السوق البيداغوجبة – الفرنسية خاصة – من معارف كالمقاربة بالكفايات وبيداغوجيا الإدماج وتوظيف تقنية الوضعية المشكلة …كما تم التنويع في اختيار المجزوءات والمفاهيم. كل ذلك بهدف تحقيق مبادئ اختيار المنهاج . فإلى أي حد تحقق هذا الطموح ؟


يكفي لمعرفة مآل الدرس الفلسفي أن نفحص بجدية مصير المنهاج الدراسي للفلسفة بعد نهاية التعليم الثانوي. وبمجرد ما تسال المتعلم المتخرج من هذه المنظومة عن انعكاسات التعليم الفلسفي على شخصيته حتى تصطدم بواقع معاكس لما يدعيه القائمون على تدريس الفلسفة. هنا نلاحظ أن الدوغما والدوكسا مازالت حاضرة. ويكفي لتسال المتعلم عن ماهية الحرية أو الواجب … حتى تواجه بمسكوكات جاهزة تبين ما قاله هذا الفيلسوف وكيف عارضه آخر. وفي أحسن الحالات يمكن للمتعلم أن يسرد عليك حجج هذا الفيلسوف في تعارض مع آخر. وهذه كلها معارف تنمحي من الذاكرة بفعل عامل الزمن وبحكم استحالة إعمالها في الحياة اليومية . ولذا تكون نتيجة هذا التعليم الفلسفي كمن ينفخ في غير فحم أو كمن يخط على الماء . فلا أثر ولا مفعول لدرس الفلسفة في هذا الواقع، بل إن الدرس يقع في تكريس الوثوقية وبادئ الرأي رغم ادعائه محاربتهما .فما سبب ذلك؟


إذا كان يظهر أن عناوين المفاهيم والمحاور المعتمدة في تدريس الفلسفة لها علاقة براهن المتعلم الإنسان وبحياته، فان مضامين الدرس الفلسفي تبقى في عمقها بعيدة عن تحقيق ذلك. إنها تقارب القضايا الفلسفية من زوايا نظرية محضة ومجردة .
ربما سيعترض علينا بأن الدرس الفلسفي يعتمد في مقارباته الديداكتيكية لكل مفهوم على تقنيات الوضعية المشكلة باعتبارها عوالم معيشية مفترضة. بل إن درس الفلسفة يعتمد بيداغوجية الإدماج، حيث يتم إكساب المتعلم مجموعة من الكفايات الأساسية : الاستدلال،الاستشكال،التواصل،التفكير… من أجل توظيفها في وضعيات جديدة. في الحياة العملية المستقبلية للمتعلم . ولرفع هذا الاعتراض نشير إلى هذا الطموح يصح على مستوى النظر. أما اعتماد الوضعية المشكل فلا ضرورة له. فالفلسفة كلها إشكاليات ووضعيات مشاكل . فلا داعي للتكلف لخلق وضعيات وهمية ومتخيلة. وهذا لا يتأتى إلا بتغيير النظرة لعلاقة الفلسفة بالإنسان . بتغيير تعريفنا للفلسفة ذاتها. بتجاوز الفلسفة النظرية واعتماد فلسفة تطبيقية. فالفلسفة كما تعاش، الفلسفة كما نحياها هي ما يجب أن يستند له تدريس الفلسفة. وعوض تركيز اهتمامنا على تدريب المتعلم على اجترار مواقف فلسفية مقطوعة الوصال، ندفعه أن يفكر ويفعل انطلاقا من القضايا المعيشة، المسائل الراهنة. وهنا سيظهر فضل اعتماد مقتضيات الفلسفة التطبيقية . وهنا ستظهر حاجتنا إليها. والمجتمعات العربية ما أحوجها للفلسفة التي بها نحيا.


هذا لن يتحقق إلا بتجاوز “الطريق الكناشي” في تدريس الفلسفة، وتجاوز مفهوم الأستاذ “صاحب الكنانيش” نحو الأستاذ – الطبيب الذي يدفع المتعلمين إلى محبة الحكمة، لا إلى كره الفلسفة والنفور منها. ربما كره المتعلم للفلسفة يرجع إلى “أستاذ الفلسفة صاحب الكنانيش”!!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق