سيرة حياة طلقة : قراءة في رواية دم على المئذنة



يخوض جان دوست في هذه الرواية مغامرة الكتابة عن التاريخ والأدب مازجاً الحقيقة بالخيال، وموفقاً بين ما تقتضيه الكتابة التاريخية من حقيقة والكتابة السردية من خيال. وهو إذ يستنجد بالخيال لا يفسد الحقيقة بل ينميها، فكلما كان الخيال أوسع كلما كان الاقتراب من الحقيقة أكثر.
صدرت الرواية عن دار مقام للنشر والتوزيع (2014)، وتدور حول “مجزرة عامودا”، في يونيو 2013، التي قُتل فيها ستة مواطنين علي أيدي الميليشيات الكردية الموالية لنظام دمشق. يتخذ المؤلف من هذه المجزرة دافعاً لكتابة سيرتين: سيرة المكان الذي تعاقب عليه القتلة عبر التاريخ، تتداخل معه سيرة المؤلف (جان) – باسمه المستعار “صالح” ـ وهو يعزف لحناً طويلاً حزيناً عن الدم الكردي المراق على مقام كُرد.

وظف السارد تقنية المونتاج فعمل على تقطيع الزمن بين الماضي والحاضر، من ثورة عامودا 2013 إلى ثور الخلافة التركي المريض في عشرينيات القرن العشرين، ثم إلى عامودا 2013 وانتقالاً إلى عامودا 1937. من الجد الملا عبداللطيف إلى الأبناء والأحفاد، من المستعمر الفرنسي إلى المستعمر السوري والكردي – وبتعبير البردوني “ومن مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمرٍ وطني” – تجمعهم مهنة واحدة هي القتل. وهكذا يتنقل الإيقاع السردي من فصل إلى آخر ومن عنوان إلى عنوان في رواية يختمها الروائي “صالح” بأمل يطارد فيه الدم قتلته لينتقم منهم. بينما يُبقي (جان) النهاية مفتوحة لأن الثورة لم تنتهِ أو أن الثورة الحقيقية لم تبدأ بعد.
اتسمت الرواية بالكثير من الملامح الفنية منها أنسنة الجماد Personification في “سيرة حياة طلقة”. فقد منح السارد الطلقة صوتاً لتحكي ومشاعر لتشعر بالسأم والوحدة والملل، وأذناً لتسمع فواجع الإنسان، وعيناً لتراقب و“تخترق حجب الظلام”. أنسنة الطلقة على هذا النحو تعطي دلالة عن الفرق الشاسع بينها وبين “الإنسان” الذي أطلقها بدم بارد، ومن جهة أخرى تعقد مقارنة بينها وبين الضحية حين يجمعهما حلم واحد هو الحرية.

“سيرة حياة طلقة” قصة مرتبطة بنسيج الرواية لكنها تتميز بإمكانية انتزاعها لتصبح قصة مستقلة، وهذه ميزة اتسمت بها معظم العناوين في فصول الرواية السبعة. القصة ذات طابع فانتازي، وتحكي عن طلقة الدوشكا: أوصافها الخارجية، عمرها، مكان ولادتها (1984)، وحتى وفاتها في رأس الفتى سعد (2013). ومن خلال سيرة حياة الطلقة يستعرض ومضات من تاريخ سوريا تحت الاحتلال الفرنسي، ثم الاستقلال، والوحدة السورية المصرية، والصراع العربي (السوري) الإسرائيلي والصراع الكردي الكردي (1991 – 1992) وتاريخ الأكراد الموزع بين سوريا وتركيا وإيران. طلقة صُنعت لتموت في جوف دبابة أو مجنزرة أو طيارة عدو مغتصب لكنها تلقى نفسها، بعد صبر طويل وممل، في رأس شاب صغير جريمته الحرية!

اتسمت الرواية بخطاب تأملي من خلال فلسفة الحدث، وسأكتفي بمثال توضيحي في هذه الفقرة:
“يمكن للمادة أن تتناقص حتى تصبح صفرا، أي تفنى وتدخل دائرة العدم تماما كالأرقام: تبدأ من اللانهاية وتتناقص حتى تصل إلى الصفر أما الزمن فلا يتناهى إلى العدم مهما تجزأ إلى وحدات زمنية أصغر لأنه لو تناهى إلى العدم لما كان هناك وقت أصلا. فحاصل جمع عدم إلى عدم لا ينتج عنه إلا عدم، لكن الفاصل بين ضغط رامي الدوشكا ذي العينين الذاهلتين على الزناد مرة أخرى ثم تحرر الطلقة من سجنها المعدني وبين محاولة سعد أن يدخل إلى الشارع الجانبي الضيق ليغيب عن مرمى الطلقات كان فاصلا زمنيا قريبا جدا من العدم لم يشعر به لا رامي الدوشكا ولا سعد الذي سمع صوت خروج الطلقة من السبطانة العمياء مترافقا في نفس اللحظة بوخزة مؤلمة في مؤخرة قحفه الذي كان يملؤه دماغ فتي يعج بالذكريات”.
وفي عجالة أتوقف عند دلالة الوحدة في مشهد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا 1958 ومشهد استعانة الملا عبداللطيف بثلاثة من الأرمن لبناء منبره. وحدة سياسية بين العرب ووحدة اجتماعية بين الكرد والأرمن بعد المجزرة التي تعرضوا لها. وحدتان لم يكتب لهما النجاح لأنهما حصيلة إرادة فردية لم تتآلف معهما القلوب ولم تستوعبهما العقول التي لم تتقبل الآخر. وتعليق الملا، مخاطباً الحرفيين، يدل على وعيه باستحالة صمود الوحدة السياسية وإمكانية صمود الوحدة الاجتماعية لو أنها تأسست على البناء والتعاون:
“أقسم بالله إن منبركم الجميل هذا سيصمد أكثر من وحدة هذا الرئيس الأسمر التي أعلنوها قبل أيام.”

اتسمت الشخصيات بفرادتها وتنوعها (مسينو الأهبل، أوسي شارو، الشاعر) وغيرها من الشخصيات التي تعلق في الذاكرة. والوقوف عند الشخصيات وجماليات لغة الوصف يحتاج إلى دراسة مطولة، وسأكتفي بمثال عن الوصف والحوار في المقطع التالي:
“وصل (الدم) في تلك اللحظة إلى الأرض وأخذ يسيل في أربعة خطوط رفيعة كأوتار كمان على الشارع الفاصل بين بيت الله و بيت عبده التسعيني إمام الجامع الكبير. اقترب الثلاثة من الحشد الحائر وتقدموا حتى بلغوا باب المسجد وهم يطأون أوتار الدم لا مبالين بتحذيرات الآخرين الذين تحاشى كل واحد منهم وطء الدم المنساب على الشارع.
– الأوغاد. إنهم يعزفون على الدم .
قال مسينو الأهبل، الذي دأب على اقتباس كلامه من عبارات الشاعر النحيل حتى بات الناس لا يفرقون بين كلامه وكلام الشاعر. ثم مد رقبته الطويلة من جديد فوق رأس الروائي الحائر وأردف مستفهما منه :
– أستاذ صالح أتعرف أي مقام هذا؟
– إنه مقام الحيرة يا رئيس .
– لست أسألك عن التصوف يا فيلسوف عصره. أي مقام موسيقي هذا الذي يعزفه الثلاثة المدججون؟
– لا يهم. إنه نشاز على كل حال .
– أما أنا فأعتقد أنه مقام كُرد”

في روايات جان دوست، بدءا من (وطن من ضباب 2008) وحتى (دم على المئذنة 2014) يمكن العثور على نموذج للفرق بين “الحياة” و “الواقع”. وهو فرق كان قد أكد عليه د. هـ. لورنس في مقاله “الرواية والخلق”، فهناك الكثير من الواقع في كثير من الروايات، واقع روائي قد يكون مطابقاً للوقائع على الأرض لكنه يفتقر إلى الحياة. فمهمة الروائي، خلافاً لمهمة المؤرخ، هي أن ينقل روح الحياة قبل وقائعها. والصدق شرط لمنح الواقع الروائي صفة الحياة، وبه يتحدد الفرق بين الكتابة والخَلق. بين من يكتب بالحبر ومن يكتب بالدم والدمع، مع أن الفارق بسيط كالفرق بين القصّاص والقنّاص. وجان “قصّاصٌ قنّاصٌ”، يقتنص الحكايات وينفخ فيها الروح، فهو القائل في روايته “عشيق المترجم” إن “الحكايات طرائد فخاخها القراطيس”.

يقول جان دوست أن “الكتابةُ، جريمة تقتل مرتكبها”. وهو هنا يرتكب جريمة مزدوجة في حقه وحق القارئ. لكنها جريمة تحيي ولا تقتل حين توقظ ضمائر على وشك الموت. رواية وضع فيها روحه وقال عنها أنها دمه، مقتفياً بذلك مقولة المسيح التي سبق وأن وظفها بدر شاكر السياب شعراً: “دمي ذلك الماء لو تشربونه ولحمي هو الخبز لو تأكلونه”. لكن الماء والخمر في هذه الرواية يتحولان إلى دم والخبز إلى ورق، فهي مكتوبة بحبر من دم ودمع، تغوي وتدمي من أول عبارة دم إلى آخر نقطة دمع.

هي رواية واقعية بأسمائها ومجريات أحداثها لكن كاتبها ينظر كعادته من ثقب الواقع إلى جنة الخيال، ليمنح واقع الرواية الروح، خلافاً لمن ينظر من ثقب الخيال إلى جحيم الواقع فيظفر بالواقع ويفقد الحياة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق