“الحجّ ” في سنّة الفنّ التشكيلي أو في الرسم الأسود

لكلّ امرئ قِبلته المفضّلة. ولكلّ شعب مكان يحُجُّ إليه. بعضهم يحجّ إلى حجر وآخر إلى بقر وثالث إلى سماء مكتظّة بالنجوم. لكنّ الحجّ الذي خصّه فنّ الرسم بلوحة من نوع فريد هو حجّ في عنوانه مقدّس وفي مجازه مكتظّ بالحشود التائهة التي استحال عليها الهروب من العدم. مع فنّ الرسم قد يغيّر الحجّ من عنوانه وقد يُغيّر الحجّاج من وجهتهم .حتّى تراتيلهم لم نعد نسمعها من فرط كثرة الضجيج داخل اللون الأسود. انّهم لا يتكلّمون ولا يدعون أيّ أحد لأنّهم لا يتوسّلون ولا يتسوّلون الحياة من أحد. لكنّهم يرجمون بأفواهم الفاغرة شياطين الجوع والفقر والتهميش. هم لا يملكون حجرا أسود، لكنّهم يملكون اللون الأسود اليه يحجّون ومن داخله يرسمون أقدارهم المنسية. فتراهم باللوحة يتمسّكون وبفرشاة الرسّام عالقون. إنّهم أبطال تشكيليون تخييليون لا أحد يقدر على التحديق بهم دون أن يحُجّ الى حجّهم الوحيد: انّه الرسم الأسود .
هذه اللوحة لفرنسيسكو دي غويا وهو فنّان اسباني (1746-1828) اشتغل في بداية حياته رسّاما في القصر الملكي، لكنّ حدوث الثورة الفرنسية جعل الملك الاسباني ينزعج من أفكاره التحرّرية فوقع إبعاده. سنة 1792 أصيب فرنسيسكو دي غويا بفقدان السمع وانتقل إلى السنين السود وإلى الرسم الأسود وجعل رسوماته فضحا لمظاهر البؤس الناجمة عن فظاعة الحرب. والقدّيس ايزيدرو هو معلم ديني أمرت الامبراطورة ايزابال دي برتغال ببنائه قرب عين طبيعية تعتبرها العقلية الشعبية عينا مقدّسة، شافية للأمراض . ثمّ صار الحجّ الى سانت ايزيدرو احتفالا شعبيا يوم 15 ماي من كل سنة بمدينة مدريد الاسبانية يرقص فيه أهل المدينة و يأكلون الأكلات الشعبية ويرقصون. لكنّ ما نراه في اللوحة أمامنا ليس احتفالا بأيّ معنى.. بل هو ذعر وفزع من كارثة تحدق بالجميع..
لوحة الحجّ الى سانت ايزيدرو هي لوحة للحجّ الى العدم .

لا شيء ينبئ في اللوحة بأنّ ثمّة قدّيسا منقذا من الكارثة أو مهديا منتظرا.. لا شيء هم ينتظرون.. ولا شيء إليه ينظرون ..هم حشود متراصّة تكاد لا تعرف إن كانوا من الأحياء أم من الميّتين..هالة فزع على وجوه فقدت نظارتها منذ زمن بعيد.. لا شيء من المعاني غير الهلع.. لا شيء من الكلمات غير صراخ لا يتكلّم لأنّ اللغة لم تعد تتسع لأوجاعه.. هي لوحة عارية تماما من الكلام ..متحررة من كل أشكال الحذلقة و التزويق.. إنّه حجّ من نوع خاص جدّا.. لا أحد يعلم الى أين سيحجّ هؤلاء، الى أيّة جهة أو الى أيّ الاه.. حشود في العتمة تتماهى مع ظلام اللوحة كآخر توقيع لبؤس بشري شاهق.. قسوة الألوان القاتمة والهضاب الصخرية التي تحيط بها من كل مكان وتبتلع الحشود في عمق السواد.. حتى السماء تحجّرت.. وفي أعلى اللوحة صخور متفاوتة تزدحم على حجب الأفق.. فلا هي بالسحب المتبخّرة ولا هي بالصخور الثابتة ..
كل شيء يهمّ بالفرار الى مكان ما.. لكن هذا المكان نفسه لا وجود له.. لأنّ اللوحة محتشدة أو لأنّ الحشود يتلهّفون على الاستقرار على صدرها مخافة السقوط في الفراغ.. كل الشخوص تتدافع نحو نفس الاتجاه دون أن يكون الرسّام قد عيّن اتّجاها ما.. حالة من الهلع.. كل يحمل رعبه في عينيه.. كل يصمت عن آلامه بأفواه فاغرة.. لا أفق ولا فتحة انفراج ولا ضوء.. كل ما هنالك صيحات فزع مكتومة.. بقدر عدد الأفواه التي غصّت حناجرها عن أصواتها. هذه اللوحة هي لوحة “الحجّ” إلى كوارث الحرب ومظاهر البؤس والموت البشري.. حشود تتسابق نحو اقتسام السواد كآخر ما تبقّى من العالم فيهم .

أيّها المحدّق معنا إليهم، لكأنّك تشتهي أن تكون معهم داخل اللوحة من فرط واقعيتها العارية وماديّتها المفرطة وصلابتها. عناد الألوان يستهويك والحشود تناديك أن تكون صوتهم حيث انسحبت الأصوات من حناجرهم و لم يبق غير الفراغ الذي يُغريك بالكتابة على تخوم الصمت. ستكتبون ثمّ ستحجّون. لكن إلى أين ستحجّون في زمن صارت فيه مقدّساتكم مواقع للقتل وراية تحتها يختفي عشّاق الدماء؟؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق