صادق الكلمة، صديق الحكمة اسماعيل مهنانة عبر كتابه «العرب ومسألة الاختلاف»

يضم هذا الكتاب في حوالي 160 صفحة عُصارة فكر، إعصار فكرة، بؤرة حدس، لما كان عليه، لما هو عليه، لما يمكن أن يكون عليه ما نسميه جزافاً أو تهوراً “الفكر” العربي الإسلامي؛ حتى وإن كان صاحب «العرب ومسألة الاختلاف: مآزق الهوية والأصل والنسيان» (منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، دار الأمان، 2014)
يرى أن منطوق “الفكر الإسلامي” (مثلاً) عبارة عن أكسيمور (oxymoron) مثلما نقول “جرح لذيذ” أو “شمس مظلمة”، لأن الفكر والاعتقاد لا يجتمعان في منظوره، فأبى إلا أن يرفع من شأن الفكر، ولكن ليقول في نهاية المطاف، أن “الفكر” موجود في الكلمة، مفقود في الدراسة، ممنوع في الاعتقاد، ممنوح في الخيال، مسموح في الهذيان، مسموع على الألسنة والأصوات؛ اللغة أضحت “صوتاً” ولم تعد “لساناً”.
ليس على الطريقة الكلاسيكية أو الأكاديمية دوّن اسماعيل مهنانة هذا الكتاب، ولا على الطريقة الصحفية، ولا حتى جُملة خواطر أو تأملات؛ بل من ألفه إلى يائه، نرى ونلمس ما سماه “الفكر السؤول” على وزن “الفكر المسؤول”، ذلك الذي يعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، مسؤولية السؤال، مسؤولية الصدق في طرح السؤال، مسؤولية صداقة الحكمة التي ينعطف عليها السؤال. السؤال المسؤول والسؤول، في تقاطع فينومينولوجي (chiasme) بين السائل والمسؤول، يأتيه هذا البرزخ المسمى “السؤول” الذي يسأل ويُسأل، لأنه يفجّر النواة الصلبة للفكر ويكشف عن نوايا الفكر (هل هو صادق حقاً في طرح السؤال؟)، ويترك الآخر أيضاً أن يسأله سؤال المسؤولية التربوية لا المساءلة القضائية: إنه، قبل كل شيء، مسألة أخلاقية. أين أنتَ مع السؤال؟ كيف البحث عن “الفكر السؤول” في البينية (بين-بين) على عتبة السائل
والمسؤول معاً؟


هذا الكتاب لوحة عامة، رؤية شاملة، لأهم المحطات التاريخية والفلسفية، غربية أو عربية إسلامية، بين التقاطع الضروري والتجافي التاريخي. المرجعيات متنوّعة ومنتقاة بشكل صارم: نيتشه، هيدغر، عبد الله العروي، محمد أركون، عبد الكبير الخطيبي، إدوارد سعيد، فتحي بن سلامة، فتحي المسكيني… أراد مهنانة لكتابه جوقة أسماء من الذوق الرفيع، بالعيار الثقيل، لأداء ماهر؛ لأنه أراد أن يُعطي لتأملاته سنداً قوياً بالمرجعيات الصريحة هذه، وكذلك بالمرجعيات الضمنية التي تندرج عُنوةً أو بلا دراية، لأنها تنظّم، من وراء الكلمات الموزَّعة في أشكال الوثبة والإحالة، الدلالات التي لا يمكن الوقوف فيها على شُبهة انغلاق أو إغلاق. الفكر السؤول يبدأ من هنا: الدفع بالحدود المرسومة نحو آمادها غير المعلومة.
بجانب المرجعيات الصريحة أو الضمنية ثمة مجموعة من المباحث المؤرقة/المحرقة (التي يعترف صاحب الكتاب بوقعها الحاسم/الصارم/القاصم على الوعي العربي الإسلامي خلال التراكمات التاريخية والمزايدات الإيديولوجية والإغلاقات السياسية والدينية) مثل الهوية والأصل والذاكرة/النسيان والوحي والقرآن والحضارة والصراع والعنف. لم يكتب مهنانة الكثير حول هذه المفاهيم الفضفاضة في بعض المجالات المهترئة في مجالات أخرى، ولكن طبّق عليها ما سماه “الفكر السؤول”، “السائل” عن أصولياتها الأسطورية/التاريخية ومفقوداتها الحضارية/العراكية، “المسؤول” عن الكيفية التي درس وفحص بها هذه المفاهيم. حول كشكول المفاهيم المطروحة من طرف اسماعيل مهنانة، بودّي أن أساير هذا الكتاب السؤول ببعض المفاهيم التي أقرأ بها أيضاً فلاسفة عدّة ممن أقرأ لهم مواظباً على أسلوبهم وأفكارهم، وأبدأ بالثنائية الأيقونة/الأيدولة كرؤية، وأنتهي بالسعادة/الحرية كإطار. قبل ذلك كيف يقدّم مهنانة نظام أو انتظام مؤلفه «العرب ومسألة الاختلاف»؟


1- في النهج المضاد للمنهج

يقدّم في التوطئة بعض المفاتيح الضرورية لقراءة مضامين الكتاب. لا يتعلّق بمنهج واضح المعالم، ولكن فقط بنهج ينبغي السير وُفقه ومتابعة خيوطه وأليافه، أي الكيفية التي نسج بها مهنانة نصه وحبكة قصته. المفاتيح التي يوفّرها للقارئ معروفة: الفكر السؤول، التجاوز المعرفي، الفهم والوضوح، اليقظة، المقاومة. ثلاث طرق لم تقنع الكاتب في مقاربة المسألة الدينية ولخصها في:
1- القراءة العلمانية التقليدية التي تحاول، بالعلم الوضعي، مجاوزة الظاهرة الدينية الموضوعة في سلّة المهملات الميتافيزيقية والسحرية والخرافي
2- القراءة الأنثروبولوجية التي ترى الظاهرة الدينية من وجهة شروطها الموضوعية (التاريخية، الاقتصادية، الاجتماعية..) وتتسلّح بالنقد في دراسة هذه الشروط وحيثيات اشتغالها
3- القراءة الهيرمينوطيقية التي ينعتها بالصبورة لأنها تأخذ الوقت الكافي والوافي في قراءة النصوص لولا ولوجها في التفاصيل وتقهقرها اللانهائي في اصطياد التأويلات المتصارعة/المتواطئة.
بالفكر السؤول الذي يرتضيه بديلاً عن المناهج المطروحة سابقاً، يحاول تبيان الكيفية التي انسحب فيها الدين لصالح التديُّن؛ وكيف أن التديُّن أصبح مفروغاً من الشحنات الروحية والمتعالية لصالح أفعال روبوطية وميكانيكية هي من قبيل «يجب!»: لزومية الفرائض ونوافلها. يضع لهذا التديُّن إطاراً نفسياً هو الشعور بالانهيار الذاتي الذي يتطلّب، على الطريقة الرواقية، الفرار نحو الانغلاق بدلاً من ابتغاء الآفاق؛ الهروب نحو اللذات النرجسية (أمجاد الماضي، صفاء الأصول..) بدلاً من تكوين الذوات الجريّة؛ معاداة العالم (الآخر صانع الحاضر) بالارتماء نحو القبيلة (الأمة، جماعة الإيمان والاعتقاد..) أو الارتطام بالقُبالة (أسمي الآخر أو الغير “القُبالة”، فهو ما يُقابل في تضاد أو افتتان) على سبيل الترهيب والترويع. إن الدوافع نحو التديُّن بهجر الدين كثيرة وأشكالها متنوّعة، تصبّ في مجملها في هذا الفرار اللاوعي من ثِقل الواقع وعداوة العالم، لأن بقدر ما يحيا الغرب “الحقيقة” كانكشاف (الكل “منكشف” في تاريخه ونمط وجوده: العراء في الفن والسينما والموضة، الشفافية والديمقراطية في السياسة، الرحلة والسفر بالإسفار عن نتائج جوب الأجواء وركوب البحار..)، بقدر ما يحيا العرب “الحقيقة” كانحجاب (الكل “منحجب” في اللباس وفي الالتباس: الغموض النظري، المكر السياسي، التحجُّب بالثياب، الإطباق بالصمت والهالة..).


هذا الاختلاف بين الدين والتديُّن هو عَصَب المشكلة عند الكاتب لأن عليه تنبني الكثير من الحقائق المزوَّرة والمحجوبة في لفائف النزاع والإكراه، في السياسة كما في الدين، ويقترح «إعادة قراءة النصوص وتبديد الإشكاليات القديمة ووضعها في سياقها التاريخي واللغوي». قراءة النصوص معناها التمييز في لفيف المفاهيم (الدين/التديُّن، الوحي/القرآن/المصحف، الدولة/الأمة/المجتمع، إلخ) عن عنجهية الإرادات القسرية/القهرية والحدود المحروسة أو المطموسة. يريد الكاتب أن يُقحم في قلب هذا التراكم النظري والتاريخي نيران الفكر السؤول لتذويب الطابع الحديدي الذي تصلّب به والنزوع الفولاذي الذي تربّى عليه: «إن أقصى ما يحققه الفكر في الواقع التاريخي هو الفهم والوضوح، وهي القوة الإيديولوجية العليا للفكر السؤول، والتي لا ينازعه فيها أي شكل من أشكال الوعي الأخرى. نقصد بالفهم والوضوح تلك القدرة على تقريب أسئلة التراث إلى الوعي المعاصر، وتفكيك عرى السُلط التي أوجدتها، وإزاحة التراكمات التاريخية التي لحقت بها. ولهذا ففي كل اختبار لحضور التراث في الوعي المعاصر، نجد أن ما يسم هذا الحضور هو الغموض وسوء الفهم، بسبب هيمنة القناعة وغياب الفكر الحق: حيثما تسود القناعات يغيب التفكير» (ص15).
لم يتوانَ الكاتب في ترداد هذه البديهة: سيادة القناعة هو غياب التفكير؛ شيوع الاعتقاد الراسخ هو انسحاب الفكر؛ النفاق والتصنّع في المسائل الجوهرية والمصيرية مضاد للفكر السؤول الذي يريد أن يكون صادقاً مع نفسه، صديقاً لغيره، وقد امتُحنت مصداقيته بالاختبار الصارم: «لا يمكن لأي مفكّر أن يُخرج أسئلته على وجهة وجيهة إذا لم يكابد القضية بصدق ونزاهة» (ص16)؛ وكأنه يساير هنا ما كتبه رشيد بوطيب حول كثرة المؤلفين وقلة المفكرين (رشيد بوطيب، «مؤلفون لا مفكرون»، صحيفة “التقرير”، 13 يناير 2015). الفكر السؤول الذي يرتضيه كنهج في مقابل المناهج يحدّده في الكلمات التالية والتي سنرى مفاعيلها بين صفحات الكتاب: «الاعتقاد هو العدو اللدود للفكر، واليقظة هي ماهية الفكر. الفكر إذن هو حساسية أصيلة إزاء الوجود. فإما أن تفكّر أو تعتقد ولا يمكنك الجمع بين الاثنين في اللحظة الواحدة» (ص20 و28).


يَبرز مهنانة هنا في وجهه الهيدغري بجعل الفكر يقظة: انتباه في الوجود، انتباه إزاء الاشتباه، فضح وفصح. الفكر بوصفه حرية لأنه لا يتقيّد بقبيلة أو عشيرة، لا يتلوّث بإيديولوجيا أو شعيرة؛ ولكن فقط بالطريقة الحرة في المحاولة والمساءلة. يأبى الفكر أن ينغلق في أي سجن ولو كان قفصاً من ذهب. الفكر إما أن يكون حراً أو لا يكون: أن يكون الفكر حراً هو أن يمارس رغبته في السفر والكشف، عُدّته في القراءة والبحث، صبره في النظر والنقد. لا يعترف بالحواجز و“شرطة النوايا”، وإلا تنكّر لماهيته القائمة على التحرّر من الإكراهات الذاتية والموضوعية. كانت هنالك، في التاريخ (وبدءً من أفلاطون وأرسطو)، بعض الحواجز الموضوعة (الأكاديمية، المجلس، الرواق..) في غربلة المشاغب القادم من غياهب الشعر والتأمل السابق على سقراط: ارتدّ الفكر إلى موعظة، وببروز الأديان التوحيدية، تحوّل الفكر إلى اعتقاد. قد يفكّر، لكن دائماً في إطار الاعتبار الذي يخوّله له النص (الرُشدية هي أيضاً امتداد للفكر وقد مال نحو الموعظة الحسنة).
إذن، التفكير بلا حواجز أو جوازات السفر، التفكير بلا عشائر الموالاة. الفكر هو جدال بين صديق وصديق، كلاهما يمارس الصدق في السؤال والحرية في السجال: «إذا كانت هذه هي الصداقة الحقة، فما طبيعة العلاقات الحميمية التي تقام الآن بين البشر؟ سأجيبكم متسرعاً قبل أن نعود: إن علاقاتنا كلها مَرَضية، وأننا نتطبب بعضنا ببعض ونبحث عن ترياق ما في أصدقائنا، أو ربما مجرد مخدّر» (ص21). إن العلاقات “مَرَضية” (فتح الميم)، غير “مُرضية” (ضم الميم)، لأنها تبحث عن فخامة للنفس، عزّة للذات، ولو من باب التملق والنفاق (لا صدق إذن ولا صداقة). نعرف ذلك القول المأثور لأرسطو بشأن أستاذه أفلاطون: «أفلاطون عزيز عليّ، لكن الحقيقة أعزّ»؛ وفي رواية أخرى «أفلاطون صديق والحق صديق، لكن الحق أولى من أفلاطون». يبدو هذا القول اليوم مسخرة بعدما كان بالأمس، في عز التفكير الحر، مفخرة، لأن الداء الذي يتحدث عنه مهنانة تمكّن من النفوس العليلة الباحثة، بأي ثمن أو تضحية، عن عزة في غير موضعها، شهرة في غير موسمها، مزية في غير أوانها.
انسحب التفكير، الحي بن اليقظان، أمام مقولات معلّبة وقابلة للاستهلاك السريع والجاهز، مصنوعة بمركّبات اليقينية ومطبوخة بعطور البداهة والسلاسة. يكفي فتح الأفواه لاستلام الجرعات وبث الأصوات. أن نفكّر هو أن ننظّم اللغة برؤية غائرة، هي من الغور ما تقول عُمق الكلوم وأفق الكلمات؛ لكن بانسحاب التفكير الحي اليقظ، ارتدت اللغة إلى صوت، والجدال إلى ثرثرة، والحقيقة إلى إشاعة: «أن تفكّر هو أولاً أن تعلّق الحكم المسبق حول كل ما ترثه داخل عصرك من أحكام مسبقة وعقائد جاهزة» (ص22) ويستطرد مهنانة متسائلاً: «فهل نسمي إعادة تركيب مجموعة من الاعتقادات تفكيراً؟» (ص23). الاعتقاد هو تفكير وقد لحقه الصدأ من فرط الاحتفاظ والمتحفة أو الدخول إلى متحف الذاكرة من أجل التأمّل والإجلال. التفكير لا يُتحِف ولا يدخل المتحف. لم يُجعل لغاية جمالية وإنما لضرورة براغماتية، عملية، استعمالية. الفكر هو الفعل.
العلاقة الضدية بين الاعتقاد والتفكير هي كالعلاقة العكسية بين “التأمل” (contemplation) والفعل (action). إذا لم يكن الفكر فعلاً (فعل التفكير) ودافعاً نحو الفعل والعمل والتحفيز والتغيير، فهو يتحوّل إذن إلى تُحفة فنية لإشباع مُتعة العين وشهوة النظر (scopophilie): رؤية “المثال” الأفلاطوني تنعقد بموجبه قناعة الركون إلى الأثيري والخالص والسكوني والبديهي: «فالفكر في ماهيته “حرية” أي فاعلية اختيارية ونظر في ممكنات الفعل الإنساني، وهو بدءً حركة اختلاف، وفعل الانعتاق البسيط من سلطة الأحكام المسبقة وإلا سيسقط بسهولة بالغة في الاعتقاد […] إن ما نسميه بالعقائد هو نسيان الفكر لمساراته الزمنية/التاريخية. فالنسيان هو مصدر الهشاشة في الفكر. وما إن ينسى الفكر مساراته في الزمن حتى تتحوّل هذه المسارات إلى مذاهب ونزعات وملل وديانات» (ص23).
أن يكون الفكر فعلاً وحريةً معنى ذلك أنه وشيج الارتباط بالحركة والتحوّل: الزمن، التاريخ، السياق، البيئة، الشرط الموضوعي، إلخ. إنه مقاومة: لا يكتفي بالتفسير العلي كما يفعل العلم («العلم لا يفكر» في محاكاة مهنانية لنبرة هيدغرية)، ولكن يبتغي التغيير الجذري في الشروط الموضوعية والمتعالية للذات وللهوية. الفكر والتقنية خطان متوازيان لا يلتقيان، ولا نأخذ هنا “التقنية” بالمعنى الصريح لتكنولوجيا الإعلام والاتصال والتصنيع، ولكن بالمعنى المتواري في كل نزعة تجعل من القولبة والتصنيف والفبركة إحدى أهم المصطلحات في معجمها. التقنية هي “تكنولوجيا” في جعل الكلمة أو المفهوم عبارة عن شكل جمالي للإتحاف والاستمتاع أو لقمة سائغة للاستهلاك: بين هذا (الإستيطيقا) وذاك (الدغمائية)، يكتسب الفكر “صنمية” هو في غنى عنها. كما أن للفكر “أعداء” (الاعتقاد، الوثوقية، البداهة، اليقينية..)، له أيضاً “أصدقاء مزيّفين” (الكتابة، التأليف، النقد..). الأصدقاء المزيّفون (faux-amis) يختلفون عن الأعداء في الدرجة: الإيهام بالتفكير من أجل تحطيم الفكر: «كان هذا قدراً: أن يؤجَّل الفكر لصالح المهمة العاجلة للكتابة: النقد» (ص25).
لربما كانت الكتابة والتأليف والنقد هي العتبة المبدئية المؤدية نحو الفكر، لكن ثمة عوائق (أحكام مسبقة، إيديولوجيا، اعتقاد..) تؤجّل باستمرار تفتّق هذا الفكر من رُحم المشاريع النقدية. لربما هي هندسات متقنة التركيب والجمالية، لكن تفتقر إلى “شيء” يقطنها ويهبها الحركة والدينامية، وهذا الشيء هو المجاز أو الاستعارة أو الشعر أو الأسلوب وكل ما من شأنه أن يهب للتفكير أدوات الغور والغوص ولا يبقى على عتبة التركيبات المنطقية والبدائل في العلامات: «إننا نسمي هذه الحادثة الخطابية بانفراط الذات، أي طغيان التراث/الذات على الفكر المتفلسف إلى درجة غياب الهدف الأصلي للمشروع، وذوبان الفكر في مقولات الذات/التراث» (ص26). بل أصبحت هذه المفاهيم (الذات، التراث، الهوية، الأصل..) عبارة عن ثوابت للإتحاف والتأمّل، لأن بالأمس كانت متحركة بحركة اللغة والتاريخ والاجتماع البشري، وأضحت اليوم أوثاناً ثابتة في متاحف الذاكرة والاعتقاد: بدلاً من “صراع التأويلات” نشهد “صدام الأيدولات”. 


2- في الأيقونة والأيدولة
أقول باختصار، لكي تكون الأمور واضحة وضوح الغرض الذي ابتغاه مهنانة لكتابه، أن “الأيقونة” هي ما يحيل إلى شيء آخر غيره، وأن “الأيدولة” هي ما يحيل إلى ذاته في محض صنميته. كل أيقونة هي رمز على مرموز، كل أيدولة هي علامة بلا إحالة. عندما نقرأ جوانب سياسية ودينية من التاريخ العربي الإسلامي، نجد أن الأيدولة كانت أقوى من الأيقونة، لأن الغرض (في المصلحة أو الهيمنة) كان هو تعطيل الأصل للحلول محله؛ استنساخ الأصل لتلبّس قميصه. عندما نصل إلى حدّ الإرهاب والعبثية والعدمية، إننا في قلب الأيدولة؛ لأن من يريد الافتكاك بالأقاليم والأعراض والأرواح يوهم بتطبيق نموذج أصلي في الأرض، لكن لا يفعل سوى بتبيان حقيقة السيمولاكر الذي يتجسّد فيه، حقيقة الأيدولة التي يتطبّع بها: “إنه ولا سواه” (ارتحال التوحيد من الألوهية إلى الإنسانية المتألهة). النص (texte) هو ذريعة (prétexte)، لأن سقف المطلب (ونهاية التاريخ) هو “حرفية” هذا النص؛ والراعي على “حرفيته” بلا احترافية يقتضيها التفكير هو من له الهيمنة الآنية والقبضة الحديدية الصادمة.


كانت الجوانب “الأيدولية” بارزة في التاريخ العربي الإسلامي كما يوضّح مهنانة بعض معالمها ومنها اختراق السياسي والديني لكل المجالات الحيوية والوجودية للاجتماع البشري: يراعي “السياسي” وحدة الإقليم (الدولة والأمة) وينافح “الديني” عن وحدة الاعتقاد (الألوهية والرسالة). كلاهما يؤدي أدوار الآخر في تبادل الأقنعة والقناعات: “متحفة الدين” بالنسبة للسياسي في جلب مصلحة وشرعية؛ “سياسة الضمير” بالنسبة للديني في درء نقد أو اكتساب شهرة ومزية. لقد كانت محطات الأيدولة (كتابة النص المقدس) في التاريخ الإسلامي قوية بالمقارنة مع الأيقونة (الوحي)، لأن الأولى تجسّدت في الكتابة وتجمّدت في الشرائع (النابعة منها) التي تحوّلت إلى مقولات ثابتة بلا نقاش رغم أنها سليلة حركة التاريخ وضرورية الاجتهاد وإعمال العقل؛ والثانية فورية وحصرية، تجربة قوية بحمولة رمزية بارزة، جاءت لتدل على حقيقة متعالية وتنمحي أمام زخم التأويلات والقراءات.
فيما قامت التأويلات في التاريخ الإسلامي بإحداث قطيعة بين اللحظة الإسلامية (بدء مطلق) والخزان التاريخي الذي كانت تنتمي إليه أصلاً (الهليني، اليهودي، المسيحي..)، فإن رأب الصَدَع مهمة الفكر اليوم لمعرفة جدل التأثير والتأثّر في هذا الخزان التاريخي: «ربما قد آن الأوان لكي نتوقف، كعرب، أن نضع الإسلام كـ“شرق مطلق” في مواجهة “الغرب المطلق”. لم يتوقف الإسلام يوماً عن تقاسم نفس المعين الأنطولوجي والتاريخي مع ما سيسمى بـ“الغرب” (المسيحي-اليهودي). كان الحدث القرآني بدءً نداءً ودعوةً لتجديد “العهد” مع الإبراهيمية. وبعدها مباشرة اتجه الحدث الإسلامي إلى استيعاب/تبيئة وحوار تاريخي فريد من نوعه مع اليونان (مهد الغرب الحديث)» (ص38). جاء الإسلام أساساً كرد فعل للكدر الذي أصاب المعين التاريخي (الانهيارات التاريخية في العصر الهلينستي، سقوط روما سنة 410م، تحوّلات القوى في الحوض المتوسط، إلخ)، في رؤية توحيدية للعالم، تختلف في الدرجة لا في الطبيعة عما سبقتها من الرؤى الأخرى (اليونانية، المسيحية، اليهودية..). 
يجد مهنانة تحليل أصداء هذه القطيعة في قراءة العروي للظاهرة الإسلامية في كتابه «السُنة والإصلاح» (المركز الثقافي العربي، 2008)، بين سُنة أصبحت النموذج والثقاف، وإسلام أضحى متوارياً في التأويلات المتصارعة على إرثه وطريقة الحديث باسمه: «يكشف العروي أيضاً عن عمل “القطيعة التاريخية” المؤسسة للإسلام التاريخي، القطيعة بين السنة والإسلام: فالسنة جبّت الإسلام وحلت محله. وهي القطيعة المؤسسة لتاريخ الدولة الإسلامية، حسبه، والشرخ الذي بقي التاريخ العربي يعاني من ارتداداته إلى اليوم» (ص51). تبدّى النزوع الأيدولي عندما أصبح للسياسي قيمة أرقى من الأنطولوجي، بانتصار المديني على المكي، وطغيان “الشريعة” على حساب “العقيدة”، وكثافة “العبادات” على حساب “المعاملات”، وانكماش الروح لصالح التقديس الآلي.
كان الفعل (بناء الدولة، الجهاد، تقنين السلوك) في علاقة ضدّية مع التفكير (التأمل الأنطولوجي، الموقع-في-العالم، الموقف-من-العالم..)، لأن الفعل جاء هنا لوضع سند اجتماع بشري (الدولة، المدينة..): «تشكلت “السُنة” كرؤية للعالم متكاملة، على أنقاض هذا الجدل التاريخي بين قرآن مكة وقرآن المدينة، السنة انتصار للقرآن المديني على المكي، لسبب بسيط وهو أن السنة تقوم على تأويل فقهي وسياسي للقرآن» (ص58). وتضخّم هذا التأويل بالتقويل على أقوال وأفعال النبي أخباراً مزركشة ووقائع خارقة وأحداثاً في السيرة لا يميّز فيها القارئ بين الحقيقي والزائف أو بين التاريخي والأسطوري. تحوّل هذا الكم الهائل من السيرة إلى “أيدولة” تمحو أساساً الأصل الذي تستمدّ منه شرعيتها وعلة وجودها. تُخفي هذه الظواهر بواطن استنجد فيها مهنانة بالتحليل النفسي قصد تبيان المحتجب في السيرة والمرضي في السرد والعُصابي في الجماعة، وكيف أن هذه الآليات تبتغي شيئاً جوهرياً بالنسبة إليها وهي التماهي مع الأصل واستحضار هذا الأصل: «إن عصرنا بقدر ما يعلن تمرّده وانفصاله عن كل أشكال السلط التقليدية بقدر ما يرتكس نحو حنين مَرَضي إلى الأصول» (ص64)، والعودة إلى الأصول تقود دوماً إلى الهمجية كما نبّه نيتشه.


لم تكن العلاقة بهذا الأصل “أيقونية” تكشف فيه عن إمكانات وجودية قابلة للترجمة في وقائع تاريخية أو هياكل سياسية، بل كانت العلاقة “أيدولية” سعت بشكل لاشعوري إلى طمس الأصل للحلول محله. لم تكن هنالك فقط صراعات تأويلية من أجل أفضل تفسير للنص أو أجدر فهم للمقاصد، بقدر ما كانت صدامات أيدولية: من هو الأجدر، بالحميّة والأنفة، أن يجسّد الأصل في الآن؟ إذا كان هذا الأصل هو “المحرّك الذي لا يتحرّك” بالمفهوم الأرسطي العريق، فإن النزوع الأيدولي يقوّض من أساسه هذا المفهوم، لأن المتحرّك وحده يستقطب في ذات جِماع القوة والتنظيم. ما يعتبره الأصل (المقدس، السُنة..) ما هو سوى “الذريعة” لا الغاية. إنه النموذج الذي يُستنسَخ في ألف طبعة منقَّحة، لكن سرعان ما ينمحي أمام أيدولة غيورة على شوكتها وإرادتها في الهيمنة. تجسّد هذه الأيدولة ما سماه نيتشه “القوة الارتكاسية”، تلك التي لا تفرض ذاتها بمحض هيبتها العلمية والحضارية وإشعاعها الثقافي والفكري، ولكن بالترويع والإرهاب، بحرق الأراضي وزهق الأرواح؛ لأن لا شيء لها تتحجّج به نظرياً أو حضارياً سوى الأصل (أو ما تبقى منه في شكل بقايا أو حطام reliques) الذي تحمله على عاتقها وتدعو إلى الإذعان إليه بالقوة والسيف.
يبقى السؤال في كيفية درأ مخاطر الأيدولة للعودة إلى الأيقونة: حتى وإن كانت الأيقونة تستمد من الأصل بعض شرعيتها أو علة وجودها وانتظامها، فهي لا تختزل الأصل في شعار تموّه به ولا تحتكره أو تتعنّت به، ولكن تقدّمه كإمكان وجودي وعملي. يُعد محمد أركون من بين الذين يحملون في طيات مشاريعهم هذه الأيقونية التي تفضح صدام الأيدولات وتحرّر الأصل من أوهام القبض أو التماهي أو الامتلاك، لأنه أصل فتق إمكانات وفتح آفاقاً ورهانات، فلا يمكن التماهي معه أو التباهي به سوى بخطورة الانزلاق في الأيدولية؛ لأنه الحدث الفريد النادر الفذ الذي لا يتكرّر، وما يتكرّر هو تجارب جديدة، صناعات متجدّدة، أنظمة في النظر والعمل متولّدة. لذا تبقى الحداثة هي أهم المحطات الأيقونية في درء غواية الانغلاق والصنمية. لكن، كما يعترف مهنانة في معرض قراءته لمشروع أركون، نبقى في عتبة التحديث المادي والتقني ولم نلج بعدُ في الحداثة، لأن التحديث جُعل بالإنسان ولم يُجعل من أجل الإنسان.


وحدها الحداثة تؤدي إلى الإنسانية، وهذه الإنسانية مفقودة اليوم في طيات الأقوال ودبيب الأفعال (الإقحام الميكانيكي واللاشعوري للإله في تدابير البشر إلى درجة تعطيل المسؤولية الفردية والجماعية، اكتساح التقنيات التعبّدية على حساب أخلاقيات المعاملة، تبخيس الحياة الإنسانية من أجل فكرة صنمية أو إيديولوجيا عاتية، إلخ). تعيد الحداثة تفجير إمكانات الحدث الأصلي (بينهما مناسبة لغوية وتاريخية: حدث/حداثة)، لأن الحداثة الغربية كانت أصلاً عبارة عن تحرير الأصل باشتقاق إمكانات وجودية وعملية أعطت الإصلاح الديني في المسيحية (بالترجمة والتأويل) والتكوين العلمي والفلسفي (فلسفات الطبيعة والتاريخ) والذوق الفني والأدبي (الرومانسية، الفن الكلاسيكي والباروكي). عندما عاد الغرب إلى أصوله العتيدة القومية (اليونانية/الرومانية) والدينية (اليهودية/المسيحية)، فإن عودته كانت أيقونية اكتشفت في الأصول إمكانات لتحرير القول والفعل من أجل الابتكار، ولم تكن أيدولية بالنسخ الميكانيكي والتطبيق الجاف والفظ في اللحظة الراهنة.
3- في السعادة والحرية
أكثر ما يتجلى النزوع الأيدولي ففي الهوية التي خصص لها مهنانة مساحة واسعة من كتابه، لأنها تشكل من أول فقرة إلى آخر كلمة الإطار العام والدافع الخفي لكل اجتماع بشري، ويخصّص العرب في ذلك بقوله: «لا تزال مشكلة الهوية من أعوص مشاكل الثقافة العربية على الإطلاق، ويعيش الفرد العربي تمزقات نفسية واجتماعية وسياسية كارثية، فقط بسبب الميراث الهووي؛ ولم يقدّم له المثقف العربي أي مخرج لأنه هو الآخر واقع في شراكه، أكثر من الآخرين، والمشكلة بالطبع ليست في الميراث في حد ذاته، ولكن في الوعي الذي يجدر تنميته إزاء أي ميراث» (ص104). الهوية هي إذن علة العلل وموطن الداء إذا ما تم النظر إليها من أقانيم الانتماء والقداسة بعيداً عن أقاليم البحث والدراسة. وبالفعل، تحوّلت الهوية إلى شُحنة تعبوية بالكمية الحشدية، السياسية أو الدينية، في البكاء على الأطلال أو استحضار المفاخر والأبطال. لقد أضحت الهوية “بورصة” قائمة بذاتها في بنوك التبادل الرمزي والتجارة اللامادية بالأصول والنصوص. إنها الرأسمال المربح والمنتج لصفقات جديدة من الوثوقية والإذعان.
كان السجال الحديث بين يوهان هردر وإيمانويل كانط صداماً بين مفهومين يفتتن أحدهما الآخر: سعادة أم حرية؟ من الرواقية إلى هردر، كان التوكيد على السعادة أكبر؛ من كانط إلى حنه أرندت كان التأكيد على الحرية أرفع، لأن السعادة تنعطف على الخصوصية القومية والدينية (أن تكون سعيداً هو أن تضحّي بحريتك من أجل ما هو أعز وأجلّ وأرقى: الهوية، الأمة، الرمز)؛ والحرية تبتغي الآفاق الكونية (أن تكون حراً هو أن تتجاوز ذاتك نحو القيم العالمية التي يشترك فيها البشر). عندما نتأمّل، مع مهنانة وفي نهجه الأسلوبي والنظري، نجد أن الغرب آثر “الحرية” بأي ثمن، وجعلها القداسة المعاصرة والقدّاس التي يغترف من معينه (بما في ذلك السخرية من القداسات: الكاريكاتير مثلاً)؛ وآثر العرب “السعادة” بأية تضحية: الانزواء في خصوصية مغلقة أسعد من المغامرة في تجربة وعرة. السعادة في التزام البيت بتهيئة الذات للسبات والنوم على حنين الأصول؛ الحرية هي الخروج من البيت نحو كشف/اكتشاف العالم. ألم ينقشع بعدُ أمام أعيينا ضباب أن الغرب يهوى الانكشاف بحكم “الحقيقة” (“كشف” بالمعنى اليوناني العريق: “أليثيا”) الملتحمة بجسد شعوره ولاشعوره: من “التجسيد المسيحي” (آلام اليسوع) إلى “المادية الحضارية” (الاقتصاد، المالية، التصنيع) وأن العرب تهوى الانحجاب بحكم “الحقيقة” التي علمتها الفرار نحو الكوامن الذاتية شعراً أو نثراً: من “التوحيد اللاهوتي” إلى “الوحدة الهووية” (اللغة، الإقليم، السياسة).


لقد آثر العرب “السعادة” (مجازاً) لأنهم يحيون “الشقاوة” (حقيقةً)، ولأن في صُلب شقاوتهم الوجودية يلتمسون السعادة الأصلية، لأنها تضمن لهم ذلك الوعد الأزلي بالفرار نحو دار القرار. إن هذا، على ما يبدو، الدرس الجلي الذي تعلّمنا إياه الهوية: ابتغاء السعادة ولو تحت حكم جائر، التماس السعادة في الأعماق الباطنية، في الخصوصية الذاتية، في المتعاليات السرمدية. لهذا كانت مطالب الهوية ضدّ الغزوات البرانية (ما سُمي في فترة معينة بالغزو الثقافي مثلاً)، ولكن تعكس، في الواقع، وهن الذات وعجزها عن مجاوزة شرطها الوجودي والموضوعي: «والملاحظ سوسيولوجياً أن مطالب الهوية ترتفع أكثر في أوقات الأزمات والضعف والوهن؛ حيث الذات تكون في أشد الحاجة للاعتراف والتعضيد، وهنا تمنح الفرصة للسياسة للمتاجرة بالهوية» (ص106).
الهوية مرآوية. لا بدّ للذات من أن تخرج من ذاتها نحو الغير طلباً للاعتراف بالافتتان أو القوة. لهذا الغرض، ومن غياهب الهو في دهاليز الذات، تنبع الإرادة في اللقاء بالآخر عرفاناً أو عدواناً. أشكال العرفان، الافتتان، العدوان متنوّعة: من السبر العلمي عبر الاستشراق إلى الاحتلال الإقليمي عبر الاستعمار أو التعدّي الإرهابي عبر الجهاد، إلخ. الهوية مرآوية ولكنها محمومة باندفاعات الهو من أغوار الأنا: لقاء الأنا بأناه في مرآة ما بناه. لذا كانت العلاقات بين الذات والآخر في مجملها مسألة صناعة تمثّلية: ما نراه من ذواتنا في مرآة الآخر (شرقاً أو غرباً لا يهم، لأن الإواليات هي نفسها: نفي الآخر الماثل بالتمثّل المثالي). إذا كانت العلاقة بالآخر مستعصية الفك والدرس، فإن العلاقة الهووية بالذات هي الأخرى ملتبسة المداخل والمخارج. كان مهنانة قد بيّن غزوات السياسي على الأقاليم المجاورة أو المحاذية كالدين أو المجتمع. والحقيقة أن منذ استقلال الدول العربية وتبني نموذج “الأمة-الدولة-الحزب”، فإن هذا النموذج تعرّض إلى تعديلات حاسمة أجهزت حتى على مسار ومصير هذه الدول.
لكي نعرف كيف اندلعت الثورات مثلاً، لنُرجع الفيلم السينمائي إلى الوراء ونرى كيف تمت ممارسة هذا النموذج. كانت المرجعيات السياسية للدول العربية مستعارة بنسخ النموذج اليعقوبي (الدولة المركزية). لكن الأمر الذي جعل الديمقراطية مستحيلة والثقافة السياسية شبه منعدمة هو أن الحد الأخير من النموذج وهو “الحزب” احتكر أدوات “الدولة” (الأمن والعدالة) من أجل بسط الهيمنة على “المجتمع” جاعلاً من “الأمة” رمزاً متعالياً من أجل التجارة السياسية في المحافل الهووية أو الدولية. صعوبة السياسة العربية المنعطفة على الهوية كما بيّنها مهنانة (لكن بالقدر غير الكافي وغير الوافي) هي أن الحزب نهم (vampiriser) الأسس التي قامت عليها الدولة وهي عيالة المجتمع وإيالة الذاكرة (البطولات) والقوام الرمزي (الدستور). قام الحزب باحتكار الدولة من أجل جعل المجتمع تحت وصايته: السعادة أولى من الحرية. ومبرّرات هذا الاحتكار هي التذرّع بقصور الشعب (minorité) وأنه لم يبلغ الرُشد العقلي (majorité) لكي يسوس ذاته بذاته. لكنها حجة واهية، لأن أدوات التربية والتوعية أضحت وسائل الترويع والتعبئة الشعبوية: الحيلولة دون بلوغ الرُشد السياسي.
بهذا الاحتكار الذي تصلّب إلى حد ما لا يُطاق، انفجرت الشعوب في الأقاليم العربية بسقوط آخر القلاع المحصّنة للنموذج: انهيار الحزب الحاكم وبروز التعددية. غير أن بداهة السعادة في مواجهة الحرية جعلت الدولة تستنجد مرة أخرى بالنموذج المتآكل: إما السعادة تحت الاستقرار والاستبداد، وإما الفوضى والإرهاب. تجد الهوية مرة أخرى نفسها ضحية المساومات السافلة، فقط لأن “الثقاف” الذي تسير عليه المخيّلة العربية هو تحبيذ السعادة على حساب الحرية، أي التضحية بالرُشد العقلي من أجل العيش في كنف الوصاية، مع التلويح بين الفينة والأخرى بفزاعة أو غول “الإرهاب” إذا ما طالب المجتمع بالحرية. حرية مستحيلة؟ لنقل بأن بداهة السعادة تجعل كل مكوّنات الذهنية العربية تدور في فلكها: القصور العقلي، الأبوية، الذكورية، الجلفية أو الفظاظة، التطرف، القمع. لا حرية في ظل ذهنية تخشى أساساً من مفعول الإخصاء الرمزي. لأن السعادة تنعطف أساساً على لاشعور العبودية والقصور العقلي، عندما تكون الحرية هي عنوان الفردانية والرُشد العقلي بالاستقلال في الحكم والفعل عن كل القوى والسلطات. 
أخلص في الأخير إلى أن جرأة الدكتور اسماعيل مهنانة مثيرة للاهتمام والإشادة، لأنها جرأة معرفية تجافي النزوع الإيديولوجي والماهوي الغالب في أدبياتنا الفكرية والنظرية؛ جرأة تقطع صلتها مع نزعتين عقيمتين: التبجيل أو التدجيل، المدح أو القدح. منطلقاً من الإرث الهيدغري في خصوصه والفينومينولوجي في عمومه، حاول الكاتب الالتفات إلى “الشيء نفسه”، إلى الظاهرة أو الحدث كما يتبدى للوعي بمعزل عن الزوائد البلاغية المطنبة أو الرؤى الطوباوية المجحفة. لكن، من باب أن الحق صديق ومهنانة صديق بلا شك، لم ألمس بشكل بارز خريطة الكاتب الخاصة. لقد فتح جبهات ومعارك ضد الفكر الكسول بالفكر السؤول، لكنه كان يتقدّم بمتاريس غيره، ويضع في واجهة المعركة نُخبة من الأسماء، مكتفياً الاختفاء وراءها للاقتباس منها. هذا لا يعني أنه لم يطرح شيئاً أصيلاً ومثيراً للاهتمام، لكنه لم يجسّد همّه الفكري بشكل بارز، تاركاً لهيدغر أو أركون أو إدوارد سعيد عناية الحديث في مكانه بالقوة النظرية التي كانت تميّز كتاباتهم وهمومهم الفكرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق