إيران وحزب الله يقوّضان أسس التشيع / محمد أمير ناشر النعم

حمل التشيع منذ فجر انطلاقته الأولى لواء المعارضة التي تنزع للوقوف في صفّ المبادئ والقيم والأخلاق والمثل، ضدّ السياسة والمال والمصلحة، المعارضة التي تعاند سلطة القوة نصرةً للحق وللشرعية، والتي تضحي في سبيل الإنسان المستضعف لاستنقاذه من قاهريه ومستغليه والمتسلطين عليه.

وقرناً بعد قرن مضى الشيعة يحملون هذا الإرث المسطّر بتصرفات الأئمة ومواقفهم وتضحياتهم التي نحوا فيها منحىً مثالياً عزّ نظيره في تاريخ الإنسانية قاطبة، غير أنه بعد القرن الخامس الهجري بدأ التشيع يفقد روحه وتألقه، بتحوّله إلى مجرد طقوس مرادة لذاتها تؤدى بلا هدف ولا غاية، ثم مع تبني السلاطين الصفويين التشيع قاموا بتفريغه من محتواه التوحيدي الثوري المطالب بالعدالة والكرامة والحرية، وبملء طقوسه بمظاهر الغلو والشرك والانتظار والاستكانة، كما شرح ذلك الدكتور علي شريعتي في كتابه الشهير “التشيع العلوي والتشيع الصفوي”، لكن رغم ذلك ظل هنالك خيط نوراني رفيع من إرث الأئمة الحقيقي يتابع سيره وتغلغله،وظلت كلمات الإمام الحسين ومواقفه المتمردة على معادلات القوة والضعف المادية نبراساً لكل مقهور ومستضعف ومظلوم، من كل المشارب والتيارات، إلى درجة أن تم الجمع بين علي وأبي ذر والحسين ولوممبا وجيفارا وماركس.

وكم كانت فرحة العالم الإسلامي غامرة يوم انتصرت ثورة الشعب الإيراني المسلم الذي استحضر في معارضته وثورته على الشاه كل هذا الإرث المثالي الآنف الذكر، وكم كانت خيبة رجائه وأمله سريعة يوم بدأت هذه الثورة بالانحراف عن مثلها ومبادئها وقيمها! وتوّجت هذا الانحراف بالموقف من الشعب السوري في انتفاضته ضد الحكم الشاهنشاهي الأسدي…. هذا الموقف الذي أجزم بأن ارتداداته لن تقتصر على النظام الإيراني فحسب، بل ستطال التشيع نفسه باعتباره موقفاً أخلاقياً وإنسانياً قبل أن يكون مذهباً فقهياً وعقدياً. فالنظام الإيراني اليوم يدوس بنعله، وبمرتزقته من حزب الله والكتائب العراقية والأفغانية، وبسلاحه، وبأمواله، وبإعلامه، كل الأسس الأخلاقية التي قام عليها التشيع، من دون أن يرف له جفن، ويغالط نفسه وشعبه وشعوب المنطقة كلها، بتجييشه كل مقولات التراث الشيعي الطاهر ومبادئه وقيمه ورموزه، ويهريقها في البالوعة القذرة لبيت الأسد، وكأن لسان حاله يقول: لا تصدقوا كل هذه المقولات والمبادئ والرموز التي سرت في شرايين التشيع وأعطته قوامه ومظهره فهي كذبة من كذبات التاريخ، ووهم من أوهامه.

في 17/4/2012 صرّح الأمين العام لحزب الله في مقابلة أجراها مع أسانج مؤسس موقع وكيلكس أنه صديق للنظام السوري، وليس أجيراً عنده، ونحن صدّقناه في هذا الادعاء لأنه يستحيل عليه، كما يقول السيد المسيح، أن يكون أجيراً وخادماً عند سيدين: (إيران وسورية)، ولأنه كان يدّعي تمثّل القيم الإسلامية وتمثيلها فقد تنجّز السوريون حزب الله أن ينصر أخاه وصديقه النظام السوري بالأخذ على يده، وبتخفيف جماحه، وبشد لجامه، ولكن بدلاً من ذلك انطلقت من حناجر عناصره وعناصر الباسيج الإيرانية، وكتائب أبي الفضل العباس العراقية شعارات: “لن يُقتل الحسين مرتين… لن ينتصر يزيد مرتين… لن تُسبى زينب مرتين”، وأعطت هذه الكتائب الأجنبية نظام بشار الأسد مقام الحسين، ووصمت معارضيه بلقب يزيد، من دون أدنى مسوّغ عقلي أو ديني أو أخلاقي!

كانت مباركة الإمام المهدي هي الوقود الذري الذي يحرّك ويدفع اللبناني والعراقي والإيراني والأفغاني من الشيعة ليقاتلوا إلى جانب النظام الأسدي، ذلك أن للولي الفقيه اتصالاً لدنّياً من نوع خاص بالإمام الحجة، وهو مسدّد من قبله في كل قراراته وأفعاله ومواقفه، يعلم ذلك كل من له احتكاك مباشر بجمهور المؤمنين المقلدين للولي الفقيه. وروّج لهذا جيش من المبلّغين والمشايخ، الذين قاموا بتخدير مقاتليهم بكمٍ هائل من المرويات المتعلقة بالفتن والملاحم وعصر ظهور الإمام الغائب، مع تعديل هذه التأويلات، واستبدال هذه المرويات والأخبار ونسخها بغيرها بما هو أكثر ملاءمة وموافقة أولاً بأول بناءً على حركة الواقع المتغيرة، من دون أن يفكروا بما يعكسه هذا التبديل والتغيير المتكرر من هدم لإيمان هؤلاء المقاتلين الذين يرون بأم أعينهم فوضى هذه التأويلات وكذب هذه الروايات علماً أنه يُفترض بهم أن يقدموا أرواحهم في سبيل تأييدها وتحقيقها، فيتحول مع مرور الأيام من يظنون أنفسهم مجاهدين إلى مرتزقة سفاحين، ولن تنفع عندئذ أن تتوالى رسائل الولي الفقيه لهم بأنهم حماة التشيع وأنصار الدين، وأنهم في عين الإمام الحجة وفي رعايته وحماه، كما توالت من قبل على نظرائهم في حرب السنوات الثمانية مع النظام العراقي، حيث وضع النظام الإيراني رأس هرمه الإمام الخميني في مقام الحسين الثائر الطاهر، ناصر المستضعفين، وحامي حمى الدين، ووضع الرئيس صدام حسين الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي القائد للدولة والمجتمع في مقام يزيد الفاجر الغادر الظالم المغتصب لحق الأمة، المتسلط على رؤوس الناس، الفاقد للشرعية، والمتربّع على عرش حزب علماني ديكتاتوري أرعن موغل في دماء الشعب تقتيلاً وتهجيراً وقصفاً بكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوي.

واليوم هل يفكر النظام الإيراني وحزب الله في النتائج الرهيبة لاندفاعتهم القاتلة ولتمثيلاتهم الرمزية المخفقة؟

فأي دين يحمى، وأي تشيع يُنصر اليوم؟

كيف يتعامون عن حقيقة كون الجيش العربي السوري لم يسمع في حياته بالحسين ولا بزينب ولا بيزيد، فهو لم يعرف في تاريخه سوى الثلاثي: “حافظ وباسل وبشار”؟

وكيف يتناسون أن المعارضة خليط واسع شاسع متنوع ومختلف من جميع الأطياف والطوائف والمشارب، ناهيك عن عموم الشعب البريء الأعزل الذي نادى بملء صوته برحيل النظام وبإسقاطه ففُجع بأبنائه وأقربائه وأصدقائه ومعارفه؟

ما الفارق بين كيماوي صدام حسين في حلبجة وكيماوي بشار الأسد في الغوطة؟

ما الفارق بين حزب البعث العربي في العراق الذي تصفونه بأنه مجرم خائن علماني كافر، وبين حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية؟

ما الفارق بين صدام حسين القادم بانقلاب إلى الحكم، وبين حافظ الأسد القادم بالطريقة نفسها؟

ما الفارق بين تولي يزيد للسلطة وبين تولي بشار لها؟

ما الفارق بين الجيش العراقي المعتدي على جيرانه، وبين الجيش السوري الذي غزا لبنان مدة ثلاثين سنة ثم خرج منه صاغراً ذليلاً؟

ما الفارق بين قتلى العراق من قبل النظام البعثي العراقي الذين كنتم وكنا ندعوهم شهداء، وبين قتلى سورية من قبل النظام الأسدي، والذين تدعونهم فطايس؟

وإذا كان النظام السوري ممانعاً ألم يكن النظام العراقي كذلك؟ بل إن النظام العراقي وجّه صواريخ السكود إلى إسرائيل في حين وجّهها النظام السوري إلى حلب وشمال سورية!

أليس جيش بشار الأسد اليوم الذي يقتل شعبه أخبث مقتل، ويعلن قائلاً: “الأسد أو نحرق البلد”، وقد حرقه واقعاً، هو نظير جيش يزيد الذي قال بحاله وفعله: “يزيد أو نقتل ابن بنت رسول الله”، وقد قتله فعلاً.

نعم تتوالى المجازر الوحشية بالسلاح الأبيض (مجزرة الحولة مثالاً)، وتتواتر البراميل، وصواريخ السكود، وقذائف الكيماوي، والقنابل، والصواريخ الفراغية التي لا تفرق بين مسلح ومدني، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ذكر وأنثى، وتكذّب ادعاء السيد حسن نصر الله بأن لدى بشار الأسد، ولدى حزب الله، ولدى إيران خطوطاً حمراء في التقتيل والإبادة والتهجير، ويستبين بجلاء قطعي أن مصلحتهم في التمدد والتوسع لشاطئ البحر المتوسط هي دينهم وربهم ومعبودهم، وأن مراعاتهم لـ (الجيو سياسي) و(الجيو إستراتيجي)، و(الممانعة) و(المقاومة) ما هي إلا مجرد تسويغات وادعاءات، بل محض كذب وخداع تمحقه وتذهب به أشلاء الطفولة والبراءة والكرامة والحرية والدين والأخلاق والقيم التي يعيث فيها النظام السوري بما لا يمكن تصويره ولا تصوّره.

وحتى هذه اللحظة ما زال النظام الإيراني، وكذلك حزب الله ينقضان بأيديهما كل الغزل الذي غزلاه، ويهدمان كل إنجاز أنجزاه، فهما لا يكتفيان بدور الشيطان الأخرس الذي يغضي على جريمة الأسد وآله، بل يصران على أن يكونا الشيطان الفصيح الصائح الذي يشيط بدماء السوريين، ويعمل على هلاكهم، ويشارك في الجريمة نفسها ويساندها ويدعمها.

عن موقع مسارات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق