الأسطرلاب: أســــواط الدّعــــاة وصوتُ رائف بدوي / عبد الحليم المسعودي

(1)

«رأى الإمام أبوحنيفة طفلاً يلعب بالطين فقال له: إياك والسقوط في الطين ، فقال الغلام الصغير : إياك أنت من السّقوط، لأن سقوط العالِم سقوط للعالًم»… ما كان لرائف بدوي وهو يستشهد في إحدى مقالاته «المنّ والسّلوى في إشكالات الفتوى» المنشورة في شهر مارس من عام 2012 في موقع الحوار المتمدن ويذكر ما حدث لإمام أبي حنيفة النعمان أنه سيلقى نفس النصيب من الجلد والتسويط هذه الأيام في الساحة المجاورة لمسجد الحفّالي في مدينة جدة السعودية تنفيذا للحكم الصادر ضده والذي بدأ تنفيذه في 09 جانفي من هذا العام والممثل في جلده ألف جلدة علاوة على سجنه عشر سنوات , وعقوبة جلده ستتواصل كل أسبوع كفرجة عمومية طوال التسعة عشرة أسبوع قادمة . رائف بدوي صاحب الجسد النحيف الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاما الناشط الحقوقي والإعلامي ومؤسس شبكة الليبرالية السّعودية الحرة يجد نفسه متهما بارتداد عن الإسلام والسخرية من العلماء في فتاواهم العجيبة الغريبة وانتقاد أعمال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المسلطة على رقاب الناس … ما كان لرائف بدوي أن يدور في خلده أن يواجه وحده جبروت الحاكم والفقيه وحتى الأب والشقيق وكذلك صمت الضمائر في العالم العربي والإسلامي وهو يقدم لحمه للسياط من أجل الكرامة الإنسانية في التفكير الحر و في استعمال العقل, تلك «الكرامة الإنسانية» التي تعلمها النهضاويون الإيطاليون في القرون الماضية وفي مقدمتهم بيكودي لاميرودولا Pico de la Mirandole من كتب العرب المسلمين أنفسهم أي من جوهر الرسالة المحمدية التي يدعو رائف بدوي نفسه لتصفيتها من هرطقات وتجديفات الفقهاء و الدعاة أنفسهم.

(2)

إن كل جلدة يتلقاها رائف بدوي على جسده هي جلدة للضمير الإنساني والضمير الأخلاقي والضمير الإسلامي. ومشكلة رائف ليست مشكلة خروج عن الإسلام وليست زندقة أو كفرا أو ردّة تستوجب القتل. إنها مشكلة فكر وتفكير تحرري وإصلاحي هو في صلب مبدإ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»… أجل لقد نهى رائف بدوي عن المنكر الذي يتسبب فيه الدّعاة والمتمثل في الكذب على الناس والتشريع للكذب على لسان الداعي للهيمنة المطلقة على سامعيه, وانتقد هو وغيره عمل مؤسسة الحسبة التي تحولت إلى حارسة للضمير الإيماني والتفتيش في العقول والسرائر والتدخل في شؤون الناس كبيرها وصغيرها من خلال حرسها الذي يستمد شرعيته من سلطان السراطية الوهابية التي ترى نفسها الإسلام نفسه ضاربة كل إختلاف في الرأي أوفي المذهب أو الإجتهاد أوالتأويل أو النقد أو التفسير. مؤسسة الحسبة تلك التي يقف وراءها العلماء والأيمة والدعاة الوهابيون والتي من مهامها حراسة الأرتودكسية Orthodoxie العقدية والأرتوبراكسية Orthopraxie العبادتية وذلك في تحالفها التاريخي مع الملكية من نشأة الدولة السعودية تحولت إلى جسد وجهاز رسمي للمقدس لا يمكن مواجهته إذ يستمد شرعيته من السلطة السياسية سواء من خلال علاقة الحسبة بدورها الخادم لهذه السلطة أومن خلال ابتزاز الحسبة لهذه السلطة نفسها. ولقد تجلى ذلك في تكالب الدعاة على رائف بدوي بإسم الدفاع عن الإسلام وعلى رأسهم الداعية محمد العريفي الذي شهر برائف من على منبر إحدى المساجد في صلاة الجمعة وأخرجه من الملة ودعا من على المنبر السلطات السعودية أو أولياء الأمر بتطبيق الحدود على هذا المرتد وإن لم تقم بذلك فلقد توعد السلطات بما لا يحمد عقباه.

(3)

انتقد رائف بدوي بشدة في إحدى مقالته ممارسات الدعاة في سيطرتهم على عقول الناس واستعمال الكذب كتكنيك للإقناع مشيرا إلى ما يقوم به الداعية محمد العريفي في خطبه ودعواته للناس على المنابر في المساجد وفي المجالس والبرامج التلفزيونية والتغريدات الإلكترونية كنموذج لهذا الإسفاف والتخريف واختلاق الأقاصيص الكاذبة والضحك على ذقون الناس البسطاء وقد أشار في هذا السياق إلى ما يقوم به الداعي محمد العريفي من إختلاقات للأكاذيب والخرافات التي يرويها على أسماع الناس في خطبه, كما هو حال قصة مضيفة الطيران التي تركت وظيفتها لمجرد أن أهداها أحد الوعاظ كتيبا من الكتيبات الدعوية الرخيصة التي تصدرها الجمعيات الدعوية أو حكاية إحدى مضيفات الطيران العاملة على خطوط إحدى الشركات الخليجية والتي قامت بفتح صدرها وتعريته لأحد الوعاظ ليقرأ عليها وينفث فيه، كما يدعي العريفي بعد أن تأثرت ببكاء شخص كان يقرأ عليه هذا الواعظ . يدرك رائف بدوي أن الوعاض والدعاة في بلاده قد ساهموا أيما إسهام في تخريب عقول الناس بالأكاذيب والخرافات والتخاريف حتى يظل هؤلاء الناس مجرد تابعين لأقوالهم الخرقاء يتبعونهم كالخرفان متخلين عن ملكة العقل التي منحها الله لهم لتدبير شؤونهم .

(4)

أنه العريفي ذاته الذي نعرفه في تونس حين استقدموه في زمن حكم النهضة ليلقي دروسا من على منبر الجامعات التونسية والذي حث التونسيين على تحجيب البنات التونسيات الصغيرات درءا للفتنة وتحصينا لها , وهو ذات الداعية الذي أفتى بعدم اختلاء الفتاة بأبيها وعدم الجلوس معه في غرفة لوحدهما وبوجوب حضور أمها أوأحد أخوانها إلي أن ييسر الله لها وتتزوج , وهو ذات العريفي المتحمس في دفع الشباب السعودي والشباب المسلم في أتون المعركة في سوريا باسم الجهاد في حين يستمتع هو بأوقاته في لندن, وهو نفس العريفي المدافع الشرس عن وجوب جهاد النكاح . إن مصير رائف بدوي يتحمل فيه الداعية العريفي المسؤولية الكبرى في تجييش السلط السعودية والناس عليه. ولا غرابة أن يتكرر الأمر كل مرة في ديار الإسلام أن يهدر دم متفكر أومفكر في الشأن الديني بسبب تحريض فقيه أو داعية عليه وشيطنته كما حدث سابقا حين ساهم حسن الترابي مساهمة فعالة في الدفع بالمفكر الإسلامي السوداني محمود محمد طه إلى حبل المشنقة والأمثلة في ذلك كثيرة .

(5)

معركة رائف بدوي الحقيقية هو التصدي لمثل هذا النسق من التفكير البالي باسم الإسلام, والتصدي لجمهرة هذه الفتاوى وثقافتها المنتشرة بين الناس حتى في أتفه الأمور . وأصحاب هذه الفتاوى هم في الحقيقة أصحاب بازارات دعوية واسعة للكسب والتمعش من بساطة عقول الجموع المؤمنة التي تبحث عن خلاص, وهي بازارات مفتوحة في كل الفضاءات العامة و الفضاءات السمعية البصرية والافتراضية تحاصر المؤمن المسكين المرهق أصلا في حياته والباحث عن تعويض الإحساس بالكرامة الضائع في جنة الإيمان والصبر, وهي ثقافة مليئة بالشذوذ والإساءة للمجتمع وتحقيره وترسيخ فكر الوساطة بين المسلم وربه وهذا ما يناقضه الإسلام نفسه الذي دعا للتفكر والتدبر ولم يجعل بين الرب وبين عباده أيَّ وسطاء كما يؤكد رائف بدوي ويكرر ذلك في مقالاته . إن معركة رائف بدوي في واقع الحال معركة خاسرة وغير متكافئة أمام خصم عتيد هو جمهرة الفقهاء والوعاظ والدعاة والمحتسبين وأمام جمهور المسلمين الذين حولتهم هذه الجمهرة نفسها إلى قطيع من الخرفان الطيعة لأوامرهم وتعليماتهم . لكن معركة رائف بدوي معركة رابحة لا محالة على المدى المتوسط والبعيد , وعلى جسده المجلود كل أسبوع يتم تغيير الخارطة الذهنية والعقلية للأجيال السعودية الناظرة للحرية والكرامة , ونعتقد أن لمحنة رائف بدوي الدور المستقبلي في تغيير الأمور في السعودية على مستوى الحقوق والحريات الفكرية والسياسية , ومحنته مساهمة في التراكم الحاصل لمحن سابقة تعرضت لها النخب السعودية في ذات المعركة مع السراطية المغلقة المتحكمة في مصائر الناس وضمائرهم .

(6)

يشير الباحث العراقي الهادي علوي في كتابه» من تاريخ التعذيب في الإسلام «في مادة الضرب والجلد» أما الضرب بالسوط فهو الجلد, وينفذ في المضروب واقفا أو مبطوحا, وقد يقنطر أو يضرب, وهو ما أختاره والي المدينة لجلد مالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي… وتم ذلك برفعه من يديه ورجليه بعد أن قلبوه على وجهه وأخذوا بجلده على الظهر. وليس للأسواط مقدار معلوم إلا في العقوبات الشرعية التي تضمنت حدا أعلى هو مائة جلدة لجريمة الزنا . لكن التحديد الشرعي لم يعمل به. وكان المقدار يتحدد تبعا لرغبة الآمر وربما استمر حتى الموت كما حدث لبشار بن برد… وعادة ما يتم الجلد دفعة واحدة ولكن يحدث أن يقسط على دفعات, ومن أمثلته جلد أبو حنيفة , مؤسس المذهب الحنفي مائة سوط, وقد نفذ الحكم بالتقسيط كل يوم عشرة أسواط . وكان الهدف من التقسيط إعطاءه فرصة للتراجع وقبول المنصب الذي عرض عليه». إن الناظر في بطون كتب التاريخ العربي الإسلامي سيذهل من حجم العنف والقتل والتعذيب, ويبدو أن هذا التاريخ العربي الإسلامي يواصل مراكمته لهذا التراث العنيف باسم المقدس, ويبدو أن العقل العربي الإسلامي مطالب دائما بتقديم ضريبة الدم. ولرائف بدوي الشرف في أن يساهم في هذه المراكمة ومواصلة سلسلة المجلودين من أجل حرية الفكر والتفكر إذ قد يغلب الصوت السوط دائما ضمن هذه المراكمة, مراكمة المحن … أعود لأذكر باستشهاد رائف بدوي بهذه الحكاية في إحدى مقالته : «رأى الإمام أبو حنيفة طفلاً يلعب بالطين فقال له : إياك والسقوط في الطين ، فقال الغلام الصغير : إياك أنت من السّقوط، لأن سقوط العالِم سقوط للعالًم» … وأني لأرى ذلك الطفل الذي يرد على الإمام أبي حنيفة هو رائف بدوي نفسه الساقط في طين جهل الفقهاء وظلامهم الدامس, وأني لا أرى لكي لا يسقط العالم لابد من إسقاط سلطة هؤلاء «العلماء» الذين كمموا الإسلام ونطقوا باسمه … لكن الصوت يغلب دائما السوط.

عن جريدة الشروق

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق