هذا أوان إعادة بناء الفكر اللاهوتي في الإسلام (*)

يرى الفقيه غالب بن شيخ، أنّ الإعلان بصوت عالٍ أنّ هذه الجرائم لا علاقة لها بالإسلام، غير كافٍ. وأنّ الوقت قد حان للاعتراف بوجود مدوّنة عنفيّة في الموروث الإسلامي، وأنّه المرجعيّة الوحيدة للجهاديّين. وكي لا يُفسد الجزءُ المتعفّن الكلَّ السليم، فإنّه لا مناص من القطع معه تماماً وإعادة الوصل مع الإنسيّة العربيّة.
*****************************

 


ضرب الإرهاب الدنيء في قلب باريس. ونحن لا يمكننا الاكتفاء بشجب هذه الأعمال التي تُشعرنا بالاشمئزاز أو شجب فاعليها، دون تحفّظ، أو الخضوع في استكانة قاتمة لما يخبّئه الهجوم القادم…
ومن جهة أخرى، فإنّ الشجب إنّما يعني الإعلان الفوري بصوت عال وواضح أنّه ما من سبب، مهما كان شرعيّاً، يمكنه تبرير قتل الأبرياء، وما من قضيّة، مهما كانت نبيلة، تدفع إلى الترويع الأعمى. لقد أعدنا مراراً وتكراراً حدّ الإعياء ما نادينا به دائماً: لا يمكننا، ولا ينبغي علينا التذرّع بمثال ديني من أجل زرع الكراهيّة.

لقد قرّر بعض المتعصبّين المنضوين تحت لواء جماعات إسلامويّة جهاديّة إشعال حريق يأكل الأخضر واليابس على طول القوس الممتدّ من شمال نيجيريا إلى جزيرة جولو (الفليبين)، ولا مشاحة في مشاركة العنصر الإسلامي في ذلك بكلّ وضوح. وما ينقضي يوم من “أيّام الله”، إلاّ ويتمّ فيه حصد عشرات الأرواح في حرب تشنّ باسم فهْمٍ معيّن للإسلام وسط هذيانات منحطّة تغتصب مفرداته وتصادر حقله الدلالي، بصفة مثيرة للقلق. فالانتهاكات التي ترتكب تصدمنا وتنتهك ضمائرنا. وهو حريق لا يبدو محدوداً، بل على العكس، إذ تسعى ألسنة لهبه إلى أن تطالنا في أوروبّا وأن تحرقنا في ديارنا داخل فرنسا.

إنّ هذه الحرب تطالبنا نحن جميعاً، مهما كنّا، رجالاً ونساء من ذوي الإرادة الطيّبة، ولكن وبالخصوص نحن المواطنين المسلمين، بإطفاءها. وإنّه لمن مسؤوليّتنا أن نتحرّك وأن نعارض كلّ ما يؤجّجها ويغذّيها، لا انصياعاً لأمر، أو لأنّنا مدعوّون إلى “التفصّي” من الوحش الخسيس، بل لأنّنا مدفوعون بشرف حمل فكرة سامية عن الإنسانيّة وعن الإخاء.

لن نخضع أبداً للذُّهان. وهذا بيان من أجل المقاومة وعدم الانحناء في مواجهة الهمجيّة. بل هو أيضاَ تعبير عن ارتباطنا العضوي بالحياة والسلام والحرّية. لقد آن الأوان، بعد المحنة والخدر، للاعتراف بكلّ وضوح العقل والبصيرة بالتصدّعات الأخلاقيّة الخطيرة التي تميّز خطاباً دينيّاً متعصّباً، وبوجود انتهاكات لأخلاقيّات الغيريّة الطائفيّة متفشّية منذ عقود داخل جماعات مسلمة جاهلة ومفكّكة ومتشنّجة، ومتقوقعة.

فإلى جانب القراءات الإناسيّة والجيوسياسيّة، نحن ندرك أنّ المأساة تكمن في الخطاب القتالي المستوحى من أدبيّات الحرب في التراث الديني – المتوائم مع رؤية للعالم تجاوزها الزمن وخاصّة بزمن ولّى وانقضى – ولم يتمّ التخلّص من ألغامه ولا إماتته بعد. إنّه خطاب توجّهه المواعظ العقائدية من أجل “الدفاع” عن دين تشوّهه وتحطّ منه. وهو ليس باطلاً فحسب، بل إنّ الوقت قد حان لإعلان أنّه ضدّ الإنسانيّة.

إنّ المطلوب هو أكثر من مجرّد إصلاحات جزئيّة، أو ترميم على شاكلة من يستعين بساق خشبيّة. المطلوب هو إعادة صياغة الفكر اللاهوتي، وهذا ما لم أكفّ يوماً عن الدعوة إليه وقد بحّ صوتي في سبيله.

لقد أضحى القطع مع “العقل الديني” و“التفكير السحري” والتخلّص من ذريعة السلطة، وتحويل الاهتمام من المعتقد إلى إشكاليّات المعرفة، من باب الضرورة المطلقة ومسألة حياة أو موت. ولن يحتاج الأمر ضحكا على العقول ولا إثقال الضمائر بالذنوب.
وإنّه لتنتظرنا مهامّ جسام، وعلينا مباشرتها في الحين: التعدديّة، والدنيوة، والفصل بين السياسة والدين، والمساواة الأساسيّة بين البشر، وحرّية التعبير، وضمان حقّ تغيير المعتقد، ونزع القداسة عن العنف، وإرساء دولة القانون، وهي الأجوبة الضروريّة ولا ترياق غيرها لأمراضنا.
لم يعد يكفي الصراخ بأنّ هذه الجرائم لا علاقة لها بالإسلام. فالخطاب السحري لن يحلّ شيئاً، وخطاب الشتم لن يتقدّم بنا أبداً. ما عاد من الممكن الاستكانة إلى القول بأنّ الإسلام هو السلام، وهو الضيافة، وهو السماحة… لقد أضحى ذلك أمراً لا يُطاق، رغم أنّنا نعتقد ذلك في أعماقنا ونعرف مدى ما يدعو إليه الإسلام في نسخته النمطيّة من علوّ نفس ورحمة، حيث لا يُردّ على الإهانة بالاغتيال! لكنّنا نعرف أيضاً أنّ الفهم الظلامي الماضوي والمتخلّف لجزء من التراث المتكلّس هو سبب جميع عللنا، ولا مناص من القطع معه تماماً.

 

إنّنا لا نريد أن يُفسد الجزء المتعفّنُ الكلَّ السليمَ، وقد أدّى بنا الجمود الإيديولوجي إلى هذه المأساة المعمّمة، ولا بدّ لنا من كسر ذاك الجمود. وإنّ المسؤولية تحتّم علينا الاعتراف بتنازل العقل واستقالة الروح في غمغمة الترنيمة الإسلامويّة التي تبرّرها قراءة منحرفة لفهم إنساني تمّ تقديسه بضمانة “إلهيّة”.

وقد حان الوقت للخروج من السجون العقديّة والتحرّر من الأسيجة الدوغمائيّة. فتاريخيّة عدد من نصوص المدوّنة الدينيّة الإسلاميّة وعدم إمكانيّة تطبيقها هو بداهةً، واقعٌ موضوعي. وهذا ما نؤكدّه، ونتحمّل تبعاته. والرسوخ في الحداثة لا يمكن له أن يتمّ دون حداثة فكريّة قائمة على التفكير النقدي.

ويؤسفني أنّنا لم نقم بذلك في بلدنا فرنسا، حيث لم يتمّ عقد أيّ مؤتمر كبير، أو تنظيم أيّ ندوة معتبرة من أجل استيعاب العنف “المتأصّل” في الإسلام، أو تنشيط أيّ مؤتمر جادّ من أجل دحض الطروحات الراديكاليّة الإسلامويّة. لقد كنّا نعيش هزيمة الفكر وعُقم التفكير. صحيح أنّ جُبن “كهنتنا” وخورهم قد أصابنا بأضرار كبيرة، وجعلتنا لامبالاتهم العضويّة ننتظر، مشلولين، أن تحلّ بنا المأساة الموالية. إلاّ أنّه من الأفضل لنا، في مواجهة الهمجيّة، أن نعيش قليلاً واقفين بكرامة وفي تناغم مع القناعات الإنسيّة، من أن نعيش طويلاً خاملين ونحن متواطئون بتراخينا في مواجهة ما نندّد به.

فحتّى أيّامنا هذه، ما تزال في العديد من البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة، أنظمة سياسيّة شرسة ودون أيّ شرعيّة ديمقراطيّة، تحكم من خلال تدجين الدين وأدلجة الموروث، وهي تتلاعب بالوحي لأغراض أخرى غير الأغراض الروحيّة. فما هي المصداقيّة التي يمكن إضفاؤها على مشاركتها في التحالف الذي يقصف “الدولة الإسلاميّة” المزعومة في حين يقوم المجرمون من مجانين خلافة الرعب بتطبيق مذاهبها ودعم أطروحاتها؟ إنّ المسخ الأيديولوجي للدولة الإسلاميّة في العراق والشام المسمّى “داعش” ليس سوى الوهابيّة وهي تعمل ميدانيّاً، ولا شيء غير ذلك. داعش هي السلفيّة في الوقائع العينيّة المعاشة، مع جرعة زائدة من القسوة.

إنّا ما زلنا، في بعض البقاع نعيش “مناخاً” إسلاميّاً، ما زلنا في عهد تجريم الردّة، والعقاب البدني، وإذلال المرأة وحبس الضمائر والتمييز على أساس ديني. وهذا في القرن الحادي والعشرين بعد أن “أكلنا” عقداً ونصف عقد من عمره! إلاّ أنّنا لا نقيس درجة تقدّم أخلاقيّات مجتمع إلاّ بمدى ازدهار حالة الأقليّات داخله، حتّى وإن كنّا لا نعثر في نهاية المطاف على أغلبيّة و“أقليّة” في المجتمعات الحرّة، العلمانيّة والديمقراطيّة، إلاّ داخل البرلمان. ذلك أنّ المواطن يُعقل بصورة مجرّدة عن الانتماء الديني أو الخصائص النوعيّة الأخرى… فمتى المواطنة للجميع، مسيحيّين وإيزيديّين وبهائيّين ويهودا وملحدين؟

توجد مدوّنة احترابيّة شرسة في الموروث الإسلامي الكلاسيكي، وهي المرجع الصحيح والوحيد للجماعات الجهاديّة، ولا بدّ من استبعادها تماماً، إذ لم يعد يكفي القول بأنّه يجب علينا معرفة اندراج النصّ في سياقه الأصلي وعدم الاحتجاج به في سياق جديد، وعلينا مسؤوليّة وواجب الوقوف في وجه تنشيط كافّة العمليّات التي تجعل منه وصايا سماويّة، وعلى علماء الدين من أئمّة ومفتين وفقهاء أن يعلنوا، لا مخالفتها الفطرة فحسب، بل بأنّها مهينة للكرامة الإنسانيّة ومتعارضة مع تعاليم الحبّ والخير والرحمة التي يزخر بها الموروث الديني.

ثمّ إنّ علينا بالأخصّ إعادة الربط مع الإنسيّة العربيّة التي كانت سائدة في السياقات الإسلاميّة عبر التاريخ ومزجها بكلّ حكمة الإنسانيّة والمفاهيم الفلسفيّة المتنوّرة للتقدّم والحضارة. فمن المؤلم أن يتمّ طمس تلك الإنسيّة، وأن تُمحى من الذاكرة ويتمّ تغييبها تغييباً كاملاً. فأسماء أعلام أمثال الأصمعي والتوحيدي ومسكويه غير معروفة بسبب عرض هزيل ومشوّه للتّاريخ، والحال أنّهم هم وأتباعهم من أقام أسس حضارة إمبراطوريّة ذات هندسة بنائيّة تتحدّى الأزل. بل لعلّ ما يحزننا أكثر، في خضمّ الانحدار الرهيب الذي نعيشه، أن يتمّ تجاهل هذه الأسماء الكبيرة من قبل أحفادهم القريبين منهم والبعيدين.

علينا أن نُحسن كبح الموجة المتطرّفة، وترميم التلف الأخلاقي، وعلاج القلق الوجودي، والقضاء على الفقر الفكري والتصحّر الثقافي. علينا الانتقال إلى الكوني وعدم التشبّث بالخصوصيّات الضيّقة. هذه هي الرؤية البرنامجية للخروج من الحفرة التي نناضل من أجل الخروج منها. فالتطرّف هو العبادة بلا ثقافة، والأصوليّة هي الاعتقاد دون معرفة، والأصوليّة هي التديّن دون روحانيّة.

وإنّ التعليم والتهذيب واكتساب المعرفة والعلم والدراية هي معاً المفاتيح الأساسيّة لولوج الثقافة والانفتاح على العالم، مع حبّ الجمال والميل للقيم الجماليّة من أجل انعتاق الأرواح من سجنها والسموّ بالنّفوس وإمتاع الحواسّ وصقل القلوب وتطهيرها من كلّ بذور الحقد والكراهيّة.
ونحن نراهن أنّه ستكون عندنا في فرنسا، بعد هذه المأساة الرهيبة، صحوة حقيقيّة للضّمير تدرأ الظلال الشرّيرة للتعصّب ورفض البناء مع الآخر، لنكون أمّة موحّدة وأخويّة في التزام مشترك بخدمة العدالة والسلام.

وستعترف هذه الأمّة بجميع أبنائها دون أيّ إقصاء أو نبذ. ويمكن لنموذجنا في الحياة في مجتمع منفتح وحرّ وديمقراطي يحترم الاختيارات الماورئيّة ويضمن التوجّهات الروحيّة لأعضائه، أن يصدّر إلى أماكن أخرى، وعليه أن يكون أكثر إلهاماً للمجتمعات ذات الأغلبيّة المسلمة. وذلك خاصّة بشرط أن لا تتلطّخ العلاقات الدوليّة بسياسة الواقعيّة والانتقام الانتقائي، أو بسياسة غضّ النظر عن المستبدّين أو بسياسة التسويات والحلول الوسطى مع الدول “الأصوليّة”.
فلنجعل من هذا الحدث المأساوي حدثاً خصوصيّاً: لحظة تاريخيّة مدشّنة لعهد موعود من التفاهم والسلام بين الشعوب والأمم.

 

هوامش:

* – نشر المقال ملخّصاً بجريدة لوموند (Le monde) الفرنسيّة بتاريخ 20 جانفي 2015 تحت عنوان:
Il faut refonder la pensée théologique de l’islam.
ثمّ أعيد نشره كاملاً على موقع Slate الفرنسي بتاريخ 22 جانفي 2015 تحت عنوان:
Il est temps de refonder la pensée théologique de l’islam.
انظره على الرابط: http://www.slate.fr/story/97111/refonder-pensee-theologie-islam

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق