قراءة في مصير جيل ثورة “25 يناير”

 فشل الجيل المحصور عمريًا بين (25- 35 سنة)، في أن يمتلك ناصية الأمور ويغير الدفة صوب الاتجاه الصحيح، مع ضياع فرصته في 25 يناير 2011، بعدما كان يفترض أن تكون معركته نهاية كل الحروب، فخسر الحرب في معركة واحدة، لم يُكتب لنهج الثورة أنْ ينتصر، لم يفلح التغيير اللحظي العميق، أخفق قبل أن تتاح له فرصة التجريب، اختنق كطفل في المهد هجرته أمه، لينتصر نهج الإصلاح طويل المدى بما يحمله من إمكانية تعثر.


الجيل الحالم بالتغيير سرعان ما انقسم، فولد الحلم وئيدًا، الأسباب عدة لكن الجيل تلقى أكثر الطعنات قسوة من أجيال سبقته، يتساوى الثوري مع مدعي الثورية مع المعادي لها، هي أجيال لوثت الأرض وأهملتها ودخلت في معارك وهمية دونكيشوتية، لإخفاء خواء الأيام والتجارب، ألقوا علينا بأسئلة معلقة في سماء اللاجواب منذ عقود، طلبنا استشارة ممن يُفترض به معرفة، فوجدنا الناس حيارى وسكارى الندم وضياع الحلم، في فضاء تغريب بلا تحفظ وتسلف بلا تعقل.
من خاضوا المعارك كانوا فرادى، وسط مناخ عام ابتلعهم وهمش تأثيرهم، وسرعان ما تنكر لهم، خسروا معاركهم بشرف، كانوا مشاعل النور لجيلنا، أخفوا نظرة الألم مع بعض الحقائق، لأنهم لم يشاؤوا أن يكشفوا لنا مدى قسوة الواقع، وتمكن الفساد من جسد المجتمع، أدهشتهم اللحظة في يناير، تمسكوا بالأمل، شاركونا البكاء على أطلال ثورة وضياع فرصة.


الجيل الذي نتحدث عنه هنا، ونحتفي بفشله اللحظي في عيد الثورة الرابع، من أبناء الطبقة الوسطى، كان المحرك الأساسي وقلب “25 يناير” النابض، هو التعبير الحقيقي عنها؛ باعتباره الجيل القادر ببراءته على منهج للتغيير السريع، يقطع مع الماضي بلا ترو، ويبني تجربة تعانق المستقبل، هذا النهج فشل -ولا رغبة لديّ في مناقشة تداعياته- النتيجة النهائية هي الأهم لنبني عليها المستقبل.
الفشل لا يعني النهاية بل بداية جديدة، على جيلنا الآن إعادة البناء وتهيئة المناخ للأجيال القادمة، لتخوض معركتها على أرض أكثر استقرارًا، لدينا نحو 25 مليون مصري تحت سن العشرين، ربما يكون الأفضل لهم – ولنا- لو بدأنا من الآن في تحديد المصطلحات ووصف الأشياء بأوصافها الحقيقية، أن نُوضح لهم ما هم مقدمين عليه.
ربما يكون مصير جيلنا أن يخوض في الوحل، ليجفف المستنقعات، ينزل الأرض عاري اليدين لنزع الشوك وتهيئة الأرض للزرع الجديد، أن نتحول لدرع تتلقى طعنات خلفية لأجيال محنطة فاسدة مُفسدة، الغرض منح الأجيال القادمة فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق، والأهم تحديد الأهداف بدقة، كل ذلك بلا انتظار لاعتراف بالجميل من الأجيال الناشئة، هم لا يعرفون تلك الفضيلة، ورثوا هذه العادة من جيلنا، لكن المدى الطويل للتاريخ سيقيم التجربة، ويعطي لكل منا حقه.
من يعتمد على حكم الكبار والأجيال السابقة واهم، هم فشلوا ويكابرون، ولم يعترفوا ويستمرون، نظرة إلى أيّة فضائية لن تجد إلا شيوخًا هرمة وعجائز متصابية، تدعي حكمة بأثر رجعي، تسترجع بطولات شخصية، كأن الهدف إبراء الذمة وكفى بها نعمة، المعارك الحقيقية لا تُخاض، لأن شبكة المصالح متشعبة، لا تعرف من قد يصادفك إذا فتحت ملفًا ما، ربما تصطدم بصديق من “الشلة”، أو ذي جاه ربما تحتاج يوما لـ“قفاه”، قرروا أن يعيشوا اللحظة، ويمارسوا الجهاد في الجلسات الخاصة أو الندوات المغلقة، أو عبر كتابة مشفرة.


هل جيلنا بلا أساتذة؟! بعض أبناء هذا الجيل سيتسرعون بالإجابة بـ“نعم”، هذا غير صحيح، لكن الوضع ملتبس، عَلِم هذا الجيل الأجيال السابقة أسرار التكنولوجيا الحديثة، لا يزال يقود من هم أكبر منه كمن يقود الأعمى، يظن أن هذا وحده يكفي لعكس علاقات الأستاذية والتلمذة، هل هذا سبب الغرور؟! أم أنها عقدة أوديب الفرويدية تطل بوجهها؟ أم أن السبب تعري الأجيال وتساقط الأصنام وظهور العورات أمامنا؟ هل هذه كلمات لتكريس هزيمة مبكرة لجيل أم ملاسنة بين الأجيال؟ أم هي محاولة لتهيئة الأرض لما هو قادم في المستقبل القريب؟ ربما هي كل هذا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق