لسنا بالضرورة شارلي ولكنّا ضحايا الإرهاب جميعا في حتمية المقاومة الكونيّة للإرهاب

بات من الواضح أن الذين ارتكبوا الجريمة الإرهابية الشنيعة في باريس، ينتمون إلى الفضاء الثقافي الإسلامي ويدّعون الحديث باسم ذلك الانتماء والدفاع عنه. فكل منتم إلى هذه الثقافة الإسلامية يجد نفسه في موقع الاتهام محاولا أن يوضح الصورة للعالم: الإرهابيون يحملون شعارات إسلامية لكن أحدا لم يكلفهم بذلك، وإنما اندفعوا من تلقاء أنفسهم يتكلمون باسم المقدسات ويقدمون أنفسهم ممثلين لملايين المسلمين في العالم. لكن ليس كل مسلم أو منتم إلى الثقافة الإسلامية شريكا لهم فيما يعتقدون وإنّما هو ضحية لعنفهم وإرهابهم بنفس القدر مع من سقط من ضحاياهم. أليس الضحايا بشرا يشترك معهم في الإنسانية؟ ألا تجعله الجريمة من حيث هو إنسان ضحية لعنف الإرهابي؟ إنّه كذلك، وفي الوقت نفسه هو ضحية لعنف رمزي عندما يجد نفسه في موضع المتهّم رغما عنه حتى وإن كانت الخطابات السياسية تميّز بين الإسلام والمسلمين والإسلامويين. فالمنتمي للفضاء الثقافي الإسلامي شريك في الشعور بالصدمة من الجريمة وبشاعتها ولكنه وحده يواجه التأثيم والحرج والشعور بالدونية.
في هذا الوضع الصادم يقف المنتمي إلى الثقافة الإسلامية مواجها ما يحدث على المستوى الكوني من عنف وإرهاب وأصابع الاتهام تتجه إليه وهو يجد نفسه بين موقفين إما موقف الخجل المتبرئ مما يحصل أو موقف الفرح الشاعر بشرعية الانتقام من وجهة نظره. ويجد المنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية نفسه في ظل واقع سياسي مضطرب في المنطقة العربية تستعر فيه قضايا الهويّة والمشروع المجتمعي ويقترن فيه النفط وأمواله بأنظمة هي الأكثر تقليدية على امتداد الخارطة الدولية.

يقف هذا المنتمي إلى الثقافة الإسلامية متأملا فإذا هو أمام ثقافة لم تستوعب بعد معنى العلمانية التي هي السبيل لحماية المقدس والمعتقد دون المس من حرية التعبير، ثقافة يهاجر بعض أهلها إلى الماضي زمانا ويرحلون في المكان ووراءهم عبء تاريخي يثقل ظهورهم ويمنعهم من التعايش لأن نموذج الدولة عندهم نموذج ماضوي راسخ فيه الدين والسياسة أمر واحد. ويجد أنه متهم وإن خالفهم الرأي ورفض ما يفعلون وآمن أن العلمانية سبيل للتعايش في عصر العولمة.
يحتاج الإنسان المنتمي إلى الثقافة الإسلامية إلى مساندة مطلقة لأنه يشترك مع ضحايا الإرهاب في كل أنحاء العالم في الرهبة والخوف. فهؤلاء القتلة بإسم الثقافة التي ينتمي إليها يجعلونه ضحية لعنف رمزي وإرهاب يعادل الإرهاب الذي تعيشه المجتمعات التي يقع فيها الضحايا. وتتمثل المساندة التي ينبغي أن يحظى بها المنتمي إلى الثقافة الإسلامية في دفع العلمانية داخل المجتمع الذي ينتمي إليه على شاكلة ما كان يدعو إليه جاك دريدا Jacques Derrida من ضرورة دعم القوى العلمانية في العالم الإسلامي بشكل يعجّل بجعل هذه المجتمعات قادرة على التعايش مع الآخر
يحتاج المثقف المنتمي إلى الفضاء الثقافي الإسلامي إلى أن يخرج من وضع الشعور بالحرج والصدمة إلى الفعل وتقديم نفسه على انه هو أيضا يحتاج إلى المساندة تماما كما هو الحال بالنسبة إلى مجتمعات الضحايا الذين سقطوا. يحتاج الأمر تضامنا مع ضحايا الإرهاب ودعوة صريحة إلى نبذه ودعوة صريحة إلى مقاومته لا من منطلق المتضامن ولكن من منطلق الشريك الذي يكتوي بنار الإرهاب وفعله ماديا ومعنويا. فالإرهابيون يقتلون من يشاركونهم الانتماء الثقافي تماما كما يقتلون المختلفين ثقافيا ودينيا وربما كان ضحاياهم في أوطاننا أكثر وهم إن قتلوا في الغرب فإننا نتحمل وزر ما فعلوا عنفا رمزيا وهو ما يجعلنا ضحايا في كل ما يفعلون.

إن دعوات الحوار بين الثقافات التي ترفع في مثل هذه الحالات مجرّد شعارات تبقى شعارات جوفاء فهي مؤتمرات تعقد من اجل المختصين يتحاورون فيما بينهم لينتهي الأمر برفع توصيات تبقى مجرد حبر على ورق ولا تهم إلا بعض من شاركوا في ذلك المؤتمر أو تلك الندوة. لا يحتاج الأمر عقد ندوات عن حوار الحضارات أو حوار الأديان لأنه لا معنى لذلك وفق ما عبره عنه ريجيس دوبرييه Régis Debray الذي كان ثاقب النظرة حين اعتبر أن حوار الحضارات أسطورة معاصرة. نحن في حضارة واحدة في مركب واحد ينبغي إنقاذه هو مركب الإنسانية التي يجرها الإرهاب نحو القاع نحو العنف والتقاتل ويحاول إعادتها إلى فضاء ما قبل حداثي. لا يحتاج الأمر حوارا بين ثقافات وإنما يحتاج تضامنا إنسانيا فالإرهابي ليس منا إلا بقدر ما هو إنسان غلب تطرفه على انتمائه للإنسانية. الإرهابي ليس وليد ثقافة ما وليس من هناك بل هو من هنا في كل مكان من العالم وخير دليل على ذلك أن بعض هؤلاء نشأ وتربي في عمق المدن الغربية وشوارعها وتلقى تعليمها.
من هنا إذا كان ثمّة من فشل فينبغي أن تتحمله الإنسانية بأكملها وإذا كان من حرج فينبغي أن تشعر بها الإنسانية جمعاء, هذه الإنسانية التي فشلت في الحفاظ على قيم الحداثة والتنوير ولم تفلح في جعل القيم الإنسانية تسود في كل الأذهان. وليس من ذنب للمنتمي إلى الفضاء الإسلامي أن هؤلاء الذين يقتلون يبررون جرائمهم باسم الإسلام. ألم يكن هتلر يبرر ما فعل باسم الحداثة طورا وباسم المسيحية طورا آخر وقد تحملت الإنسانية كلها وزر الحرب العالمية الثانية وسقط الضحايا من كل أنحاء العالم دفاعا عن الإنسانية وقيم التنوير.

إن رد الفعل التلقائي المتضامن مع الضحية وإبداء التعاطف الكلي أمر محمود بل هو واجب كل إنسان حر ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون من منطلق منطق الحرج ورفعه. ينبغي أن يكون التضامن على أساس الشراكة في الإنسانية والإيمان بالقيم الإنسانية الكونية التي يعتدى عليها في فرنسا واعتدى عليه يوم اغتيل شكري بلعيد أو البراهمي أو ناجي العلي واعتدي عليها في سجن أبي غريب. وينبغي أن يتألم الضمير الإنساني لكل هذه الاعتداءات ويتضامن مع من أصيبوا بها بقطع النظر عن الانتماءات العرقية أو الجغرافية أو الدينية أو الإيديولوجية.
لا يمكن الخلاص من العنف والإرهاب على مستوى مجموعة ثقافية معينة إنها مهمة كونية يسهم فيها الجميع إنتاجا ومقاومة. ليس الإرهابي وليد ثقافة معينة وإنما هو نتاج تفاعل هذا المنتمي إلى ثقافة معينة مع تطورات علمية ومعرفية وثورة اتصالية جارفة تحدث على مستوى كوني. وأكبر دليل على هذا أن ليس كل المنتمين إلى تلك الثقافة إرهابيين, ومن هنا لا بد أن تتحول العلمانية إلى مفهوم كوني ومشروع إنساني على شاكلة ما يدعو إليه جاك دريدا في كتابه عن المروق والمارقين. إن الإرهابي هو نتاج ثقافة كونية لها هوامشها التي تنتج الإرهاب والعنف, ولا يمكن التخلص من الصورة النمطية لهذا الإرهابي إلا بمزيد من العلمانية على المستوى الكوني ونشر قيم التنوير وهي مهمة ينبغي أن يسهم فيها الجميع.
ليس المنتمي للثقافة الإسلامية طرفا في الجريمة ولا متهما وإنما هو جزء من الإنسانية التي تتألم بفعل العنف والإرهاب وتتلمس السبيل إلى الخلاص منه. ليست الجريمة إلا شرخا في جدار الإنسانية جمعاء واعتداء على القيم الكونية التي ينبغي أن تدافع عنها الإنسانية كلها في كل مكان. وقد تذكي الجريمة شعارات حوار الحضارات مرة أخرى كما يمكن أن تذكي بالمقابل أطروحات صدام الحضارات عند المتطرفين في كل الجبهات وهم دعاة العنف المستفيدون منه المنظرون له.

لا فرق بين الإرهابي الذي يحمل سلاحا ويهاجم مواطنين عزل بكل وحشية وبين صاحب ربطة العنق الباحث في مركز دراسات الذي ينظر للصدام الحضاري ويعتمده أداة للتحليل. كلاهما يريد أن يقسم الإنسانية على أساس انتماءات ضيقة ويريد أن يجعل التصنيف على أساس المعتقد سبيلا لتصنيف البشر حسب قانون من ليس معي فهو ضدي. وهو تقسيم لا يولد إلا العنف ولا يؤجج إلا الإرهاب. فتقسيم البشر على أسس دينية وتصنيفهم على ذلك الأساس يشترك فيه كل ذوي النزعات الشوفينية المتطرفة. وهو ما يجعل الإرهابي هنا حليفا موضوعيا للشوفيني هناك فكلاهما يجعل العنف والإقصاء أساسا لكل تعامل مع الآخر وغايته تقسيم الإنسانية وفق مقاييس ومعايير تخدم رغباته في ممارسة العنف على المختلف. ولعلّ هذا التحالف يصل حدّ التطابق في قراءة النصوص وتأويلها فبعض المستشرقين من آباء نظرية صدام الحضارات يقرؤون القرآن قراءة تقترب حد التطابق مع قراءة بعض التيارات الأشد تطرفا في الفضاء الإسلامي. ويكفي هنا الإشارة فحسب إلى كتاب لبرنار لويس يقدم فيه قراءة للخطاب السياسي في الإسلام فإذا قراءته تلتقي مع قراءة أشد التيارات تطرفا وهو أمر يمكن أن يفهم على أساس أن تلك القراءة تبرر له اتهام الفضاء الثقافي الإسلامي ككل بأنه فضاء عنيف.
إن الإرهاب والعنف الذي يكتوي به العالم اليوم ليس وليد أصولية واحدة إنه وليد تحالف الأصوليات التي تتشكل في رحم الثقافة الكونية. فإذا كانت الأصولية الإسلامية مولدة للعنف فهي ليست إلا شكلا من أشكال الأصولية التي تمارس العنف والإرهاب على الإنسانية جمعاء دون تمييز فالأصولية الإسلامية لها من الضحايا من المسلمين أكثر من ضحاياها من غير المسلمين. غير أن الأصوليات تستفيد من بعضها البعض فالعنف والإرهاب الذي تمارسه أصولية ما تستفيد منه الأصوليات الأخرى من خلال ممارسة عنف رمزي يتم من خلال تعميم الحكم على الآخر واعتبار الإرهاب سمة ملازمة له. من هنا فإن المستفيد الأكبر مما يحصل في فرنسا يمثل حجة قوى لليمين لكي يمارس أطروحاته الأشد شوفينية ضد المسلمين.

قد يقول قائل من الطبيعي أن يكون رد الفعل في المجتمعات الغربية تجاه المسلمين سلبيا بعد ما حصل من إرهاب وعنف تمت ممارسته بإسم الدين الإسلامي. وهنا ينبغي التمسك بقاعدة أساسية من قواعد حقوق الإنسان وهي أنه من حق أي كان أن يتمتع بكل حقوقه بقطع النظر عن معتقده أو لونه أو جنسه. من هنا نفهم أن الرهان يكمن في كونية حقوق الإنسان التي يحاول الكثيرون ضربها وتسعى كل الأصوليات إلى التخلص منها ومن قيودها من أجل ممارسة العنف على الآخر. لذلك يجد الأصوليون في كل الثقافات في الإرهاب الذي تمارسه أصولية أخرى مجالا لانتقاد التسامح الذي تبديه حقوق الإنسان تجاه الآخر. إن أول مرحلة ينبغي أن تتضامن فيها الإنسانية هي الدفاع عن حقوق الإنسان وكونيتها وتكريسها حقيقة تحظى بها كل الإنسانية لأن ذاك يجرد الأصوليين من كل الذرائع التي يتحججون بها في مقاومتهم لحقوق الإنسان واعتدائهم عليها حين يعتبرون أن الآخر يعتدي عليها.
إن السبيل إلى مقاومة الإرهاب يكمن في بناء ثقافة كونية ذات أبعاد إنسانية تراعي حقوق الإنسان في كونيتها وتسعى إلى جعل العلمانية قيمة كونية. أما على مستوى العالم الإسلامي فمن المفروض بناء الثقافة على الشراكة في الإنسانية والخروج من وضعية المتهم إلى وضعية الشريك فالاعتداء على الإنسانية يطال الجميع والانخراط في إدانته واجب, غير أن الخروج على العالم بوضعية المعتذر يؤكد الإدانة الجماعية لكل المنتمين إلى الفضاء الثقافي الإسلامي ويصنع عقدة الشعور بالإثم التي تمهد للتنازل على الشراكة في الإنسانية وطلب العون ضد العنف والإرهاب الذي ضرب الفضاء الإسلامي قبل غيره من الفضاءات.
إن الفضاء الإسلامي يحتاج إلى شيء من العدل في مقاومة الإرهاب الذي يتم توظيفه أحيانا داخل البلاد الإسلامية من القوى السياسية المسنودة غربيا والأنظمة السياسية الأكثر تيوقراطية في العالم التي يتم حمايتها وإدامة عمرها . إن تعاطف المواطن البسيط مع الإرهابي ظاهرة مخيفة في الفضاء الإسلامي واحتفال البعض بالإرهاب يكشف عن أزمة حقيقة تطال التعليم والثقافة وبنى المجتمع والعلاقة مع الآخر وشعور سائد بالظلم. وهو ما يؤكد أن العالم الإسلامي في حاجة إلى الحرية والعدالة على حد تعبير برنار لويس ويحتاج إلى أن يساعده الجميع على التخلص من البني الثقافية والفكرية والسياسية المولدة للإرهاب. لكن على عكس ما يراه برنار لويس لا يمكن أن تكون إسرائيل هي النموذج الذي يتعلم منه العرب الديمقراطية والحرية والحقوق الإنسانية. فهذا النموذج بالذات وممارسته هي ما يجعل الكثير من البسطاء في الفضاء الثقافي الإسلامي يكفرون بالديمقراطية وحقوق الإنسان. كيف للعربي أن يتعلم حقوق الإنسان ويؤمن بالعلمانية والنموذج الذي يدعوه برنار لويس للتعلم منه يطالب بيهودية دولة إسرائيل ويسعى إلى تكريس ذلك الأمر واقعا مع مساندة بعض من يدعون إلى العلمانية له.
إن العالم اليوم يحتاج إلى جعل حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية مفاهيم كونية يشعر الجميع بأثرها العملي في حياته. إن ضحايا شارلي هيبدو قتلوا بأيد تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. نعم قتلهم متعصبون منتمون إلى الثقافة الإسلامية لكنهم في الأصل ضحايا التعصب في الثقافة الإنسانية ككل. ففي كل الثقافات أصوات تعلي من شأن الدين وتعتبره مقياسا في التعامل مع الآخر وتتباهي بأنها الأمة التي تمثل الإيمان والطهر . الطهريون في كل الثقافات ودعاة الحفاظ على الخصوصيات وإقصاء الآخر وممارسة العنف عليه سواء أكان العنف ماديا أم رمزيا هم المسئولون عن ضحايا الإرهاب في كل مكان. والمسؤولية بهذا المعنى جماعية لا يتحملها فضاء ثقافي دون آخر. والعنف والإرهاب له ضحايا عند الآخر بقدر ما له من الضحايا في داخل الفضاء الذي ينتمي إليه الإرهابيون وربما كانوا أكثر.

وخلاصة القول أن رمي ثقافة ما بأنها منتجة للعنف والإرهاب وخروج أهلها في صورة المعتذر المدان بالإرهاب لا يمكن إلا أن تولد مزيدا من العنف والإرهاب. إرهاب مادي ورمزي سيطال الجميع وسيغرق البعض في الشعور بالدونية المولدة للرغبة في الانتقام ويجعل البعض الآخر يتقصى من أي مسؤولية في إنتاج العنف والإرهاب مهما كان مصدره. من هنا إذا كان الإرهاب مشكلة كونية يعانيها الجميع ويشترك الجميع في إنتاجها فإن التصدي لها يتطلب أن تتحمل الإنسانية جميعها مسؤولية المقاومة وممارسة الجميع للنقد الذاتي دون تحميل طرف مسؤولية وتبرئة طرف آخر. فالإرهاب يحارب القيم الإنسانية الكونية التي تسعى إليها الإنسانية جمعاء ولذلك ينبغي أن يكون الجميع حريصين على هذه القيم. والحفاظ على القيم الكونية يتطلب مقاومة كونية. وهو ما يعني أنه لسنا كلنا شارلي بالضرورة ولكننا جميعا ضحايا ينبغي أن نكون موحدين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق