الرد على الشبهات، منطق الانغلاق الفكري

إن كان يمكن تلخيص مشكلة المجتمعات العربية بعنوان واحد فسيكون “غياب التفكير النقدي” اختياري، وهو عنوان يبرز حقيقة أن المشكلة الأم المولدة لباقي المشكلات الاجتماعية والحضارية مشكلة فكرية؛ تتمثل في غياب المعايير العلمية من أسلوب التفكير الجمعي، فالواقع ما هو إلا انعكاس للأفكار المهيمنة على العقول، فإذا كان واقعنا يسيطر عليه الخراب والدمار، فكيف لا نزال ندافع عن الأفكار المؤسسة له!

وغياب التفكير النقدي الذي نتحدث عنه هنا ما هو إلا حرمان العقل من السؤال، ومصادرة الآفاق الناتجة عنه، بجعل السؤال شرًا يقود إلى بلاء الله وغضبه، كمقولة “السؤال عنه بدعة”، أو باتخاذ موقف مسبق من السؤال وتوابعه، باعتباره “شبهة” تستوجب “الرد” لا “سؤالا” يلزمه “التفكير”، وهكذا كثيرا ما نستقبل الأسئلة بعقلية محافظة تتجهز للرد وتحضّر له، لا بعقلية منفتحة تقلب أوجه الكلام وتدرس دعائمه.

ونقصد بأسلوب “الرد على الشبهات” ذلك المزيج من التقنيات اللغوية، والمغالطات المنطقية، والمجادلات الكلامية، وتكتيكات أخرى، لنأخذ مثلا “شبهة دخول الجنة”، وهو سؤال يطرحه عادة من يرى تناقض بعض النصوص الدينية التي تخبر المؤمن بأهمية العمل الصالح لدخول الجنة، مع نصوص أخرى تنفي ذلك صراحةً، فماذا يقول المجيب هنا:
“الأعمال سبب في دخول الجنة وليست ثمناً لها، ودخول الجنة فضل من الله ورحمة وليس عوضاً عن الأعمال وبدلا عنها، فلا ينال العبد الجنة بمجرد العمل، بل العمل سبب، والله يتفضل على من حصَّله بالجنة إن شاء، ولو حرمه منها لم يكن ظالماً له، فالباء في قوله”بعمله“باء المقابلة والعوض”.
هذا النمط من الردود معروف لدى القارئ المسلم ، ويشكل له نمطا من المنطق المقنع، والردود المحكمة، لكن استخدام الأسلوب عينه للرد عن “شبهات وهمية” تتعلق بالكتاب المقدس في المسيحية سيقابل باستسخاف ذات القارئ.

ما نريد توضيحه هنا أنه عند استخدام أسلوب “الرد على الشبهات” تعود لتتساوى جميع الأطروحات، إذ يمكن اتباع هذا الأسلوب لإثبات القضية ونقيضها، ولن تطول الفرحة على أوجه حافظي الردود الجاهزة والمعلبة على “الشبهات الوهمية”، عندما يجدون الأسلوب عينه مستخدم لبرهنة صواب ما يعتبرونه باطلًا.
يعرض موقع انتهى الصمت المسيحي (على سبيل المثال) قائمة طويلة يفند بها “الشبهات الوهمية” المتعلقة بالكتاب المقدس (وهي ليست أطول من القائمة الإسلامية بكل الأحوال)، لنأخذ مثالا سريعا، فتحت عنوان “هل تعب الله ليستريح؟”، يقتبس الموقع من النصّ الإنجيلي قوله “وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ”.
ثم يشرع المجيب بالرد على شبهة تعب الله، فيبدأ بقوله أن الله ليس له جسد حتى يتعب فضلا عن أن يستريح، كما تذكر ذلك مواضع أخرى يستشهد بأحدها: “إِلَهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا”، ثم ينتقل ليقول “أن كلمة استراح تحمل 3 معاني”، أولها إتمام العمل، وثانيها الكف عن العمل، وثالثها السرور من العمل! ولإثبات ذلك يسوق أدلة واقتباسات كثيرة ومطولة، وهكذا لا ينتهي الجواب حتى يبدو فعلا أن سؤال “هل تعب الله ليستريح” إنما هو شبهة وهمية لا أصل لها.
ومع تتالي المقالات وتفنيد شبهات الأسفار سيأخذ القارئ فكرة أن ما يشاع عن المسيحية من تحريف وضلالات، إنما هو محض افتراءات تفتقد التدقيق والتمحيص.

وهكذا لن يعدم الباحث عن الحقيقة موقعًا دينيا، إلا ويعرض فيه أصحابه المطولات في الرد على الشبهات التي تثار عن ذلك الدين، دون أن ينتبه أن هذه الردود لا تقنع عادة إلا المنتمين لهذا الدين، فالردود على الشبهات المسيحية يراها القارئ المسيحي أمثولة في المنطق، بينما يستسخفها القارئ المسلم مثلا، على الرغم من أنها تتبع ذات المنهج الذي يرد فيه على الأسئلة الموجهة إليه عادة عن متعلقات في العقيدة الإسلامية أو غيرها.

على العقل العربي أن يمتلك الشجاعة أولًا، والمنطق العلميّ ثانيًا، ليواجه الأسئلة – أيًا تكن – بعقل منفتح، يبحث عن الحقيقة، لا بمحفوظات تجتهد في إثبات صدق الموروث، بمثل هذه الخطوة يمكننا الانتقال للعيش بعصر تأخرنا عنه ألف سنة أو يزيد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق