” العصور الوسطى ليست عصور ظلام : نموذج المذهب الاسمي وقلب الطاولة على أرسطو . “

يؤكد الدكتور يوسف كرم منذ بداية مؤلفه “الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط” أن هذا العصر الوسيط كان عكس ما نتصوره عنه الآن ، فنحن في كل حديثنا وتناولنا لهذا العصر نسلم بتلقائية أن هذه الفترة من تاريخ أوربا كانت مصبوغة باللون الأسود الحالك وأنها كانت حقبة ظلام وانحطاط بامتياز، يكفي لكي نضرب الأمثال بحالات التأخر الحضاري التي ليس لها مثيل أننا نهرع إلى استحضار نموذج القرون الوسطى الأوروبية، وهذا دليل على مدى ترسخ هذه الحقيقة الزائفة في وعينا وارتباطها بتصورنا لهذه الحقبة المحورية والأساسية في تكون ونشوء الحضارة الأوربية. فحقيقة الأمر أنه “من الظلم الواضح عد العصر الوسيط حقبة مظلمة مقفلة على نفسها . الحقيقة أن المدنية الحديثة منحدرة عنه، وأنه لا يمكن تفسير مذاهب الفلسفة الحديثة وفهم مصطلحاتها بغير الرجوع إلى المذاهب المدرسية…”.
 
نرتكب خطأً جسيما عندما نعتقد أن العصور الوسطى كانت عصور يخضع مفكروها وعلماؤها باستسلام كبير إلى هيمنة الكنيسة ووصاية أرسطو ، فالواقع أن هذه العصور عرفت على مستوى التعدد والإبداع الفكري طفرة قل نظيرها . فنحن نجد عند نخبة من هؤلاء المفكرين نزوعا صريحا، وتارة خفيا، إلى محاربة سلطة الكنيسة وانتقاد فكرها وانتقاد المعرفة الأرسطية ككل ثم الدعوة إلى تجاوزها والتخلص منها، فمن هؤلاء المفكرين من اشتغلوا بالعلم التجريبي وأقاموا علوم الفلك والفيزياء على أصول جديدة غير تلك التي كانت سابقا. فمهدوا انطلاقا من زمنهم لعصر النهضة ولأكبر الاكتشافات والثورات العلمية التي سيذكرها التاريخ .
 
وفي هذا المقال المتواضع سوف نعرض، بشكل مختصر ووجيز، جملة أراء ومواقف نظرية حاسمة لمفكرين مدرسيين كانا من أهم الأسماء التي لمع نجمها في سماء القرن الرابع عشر من خلال آرائهم وانتقاداتهم المناوئة للمعرفة السائدة في عصرهم والتي مثلت بداية انحلال الفكر المدرسي الكنسي، ونلمح هنا إلى من ينتمون إلى ما يطلق عليه بـ“المذهب الإسمي” الذي برز في هذا القرن. ومن خلالهم سوف نعيد النظر في بعض من تلك المغالطات والأحكام التي يتم تلفيقها زورا في حق هذه المرحلة الهامة من مراحل صناعة التمدن الأوروبي بشكل تعوزه الدراية اللازمة والتثبت الكافي. فمن خلال نموذج لأهم مبادئ فلسفة المذهب الاسمي سوف نقف على مدى جراءة أفكاره وجسارة التجديدات التي جاء بها رجال هذا المذهب قياسا إلى عصرهم ، وأيضا إن شئنا مقارنتهم بالثقافة العربية الإسلامية التي حتى في أزهى عصورها لا نجد أيا من علمائها ومفكريها من تمكن من بلورة مواقف جريئة تجاه الفكر الأرسطي واللاهوت عموما كما نجد عند “المذهب الإسمي” الذي هو موضوعنا وغيره من المذاهب والمفكرين الآخرين الذين كان نقدهم لروح عصرهم وارتيابهم الدائم تجاه ما يسلم به غيرهم محاولة وخطوة جبارة لرسمة قطيعة مع التراث الفلسفي الميتافيزيقي وإحداث فصلة مع اللاهوت المسيحي الذي يحايثه

I: ويليام أوف أوكام ( 1295م -1349م ).

يعد “ويليام أوف أوكام” واحدا من أبناء عصره الذين تحرروا من سلطة الفلسفة المدرسية وهيمنة أرسطو حيث كان مصدرا لأهم الانتقادات التي وجهت للفلسفة وأدت إلى الفصل بينها وبين الدين، وكانت انتقاداته التي وجهها للعلم الأرسطي تؤذن بظهور الملامح الجنينية للعلم الحديث، حيث يمكن اعتبار أوكام بحق مصدرا رئيسيا لمن جاء بعده في عصر النهضة كـ“دافيد هيوم” و“جون لوك” الذين أخذا عنه أهم مبادئه وأفكاره .
تتمحور نظريته في المعرفة حول محورين : معطيات الحواس من جهة والإدراكات العقلية من جهة ثانية ؛ فمعرفتنا الحسية هي معرفة تتطابق مع الواقع لأنها تعرفنا على ما في الخارج من موجودات وجزئيات محسوسة، ومعرفتنا العقلية من جانب تعرفنا على ظواهرنا الباطنية ومن جانب أخر فهي أيضا تعرفنا على الجزئيات الخارجية من حيث وجودها وعدمها، وبذلك يستطيع العقل أن يوفق ويربط بين القضايا العقلية والظواهر الحسية .

والمعرفة العقلية التجريدية هي معرفة واقعة على معان مجردة وعلى علاقات بين هذه المعاني. فأوكام يعتبر أن المعنى إدراك ناقص وغامض لأنه يمثل الجهة العامة للجزئيات والتي لا تفيد في التعرف عليها وتمييزها عن غيرها، ذلك أن الألفاظ التي تدل على معان فإنها تدل على أشياء معلومة بغموض بينما الألفاظ الدالة على الجزئيات فإنها تدل على أشياء معلومة بوضوح. مثال ذلك معنى الحيوان، فإنه ينشأ في عقلي حين يقع بصري على حصان، لكنني مع ذلك لا أتبين بوضوح معنى الحيوان ، لكنني إذا رأيت حصانا فإنني أسميه باسمه ، وهذا الاسم لا يدل على معنى الحيوان بل يدل على جزئي، أي الحصان، لذلك أتبينه بوضوح .

وتبعا لذلك فإن المعنى عند أوكام قائم في عقل العارف ولا مقابل له في الخارج من حيث هو كذلك، وكل محاولاتنا لتصوره متحققا في الواقع تقود إلى نتائج خاطئة ، فإذا كان المعنى في العقل فقط دون الواقع فإنه لن يبقى هناك محل لمسألة التشخص، بمعنى أنه لم يعد هناك ما يضمن حقيقة خارجية للعلاقات التي يقررها العقل بين المعاني ويراها ضرورية .

إن ما يريد أن يصل إليه أوكام ، ومن بعده الاسميون ، هو أن الاسم الذي يُدل به على المعاني هو الذي يجب أن يطلق على الجزئيات في الواقع وبالتالي فإن الاسم هو موضوع العلم باعتباره رمزا أو إشارة إلى الجزئيات وإلى المعاني التي هي مُتصورة فقط، ومن هنا يأتي أصل تسمية مذهب أوكام بالاسمية مع الإشارة إلى: “…أن بينه وبين إسمية القرن الحادي عشر فرق كبيرا، فإن أوكام لا يقول مثل روسلان إن المعنى ’صوت في الهواء’ بل يعترف له بمفهوم في العقل؛ وهذا يضع فرقا آخر بينه وبين المذهب الحسي الحديث الذي يرد المعنى إلى صورة خيالية. فمذهبه وسط بين المذهبين، وهو أحرى أن يدعى بالمعنوية conceptualisme وإن كان يمت إلى الاسمية بسبب”.

1 – نقد الفلسفة :

1-1 – نقد مقولة الجوهر:
إن نظرية المعرفة عند أوكام كانت الباعث الأساسي على نقده للفلسفة والعلم الأرسطيين، فبناء على قوله أنه “لا يوجد ما يضمن موضوعية العلاقات التي يضعها العقل بين المعاني”، فإن أوكام يقول عن الجوهر إنه لا يُعلم إلا بتعريفات عامة ( مثلا : إنه ما يتقوم بذاته / ما ليس في غيره / ما هو محل الأعراض ) وهذه التعريفات لا تمنحنا معرفة واضحة بما هو الجوهر في ذاته . إن التجربة لا تقع إلا على أعراض أو كيفيات الجوهر لأن معرفة شيء ما لا يمكن أن تؤخذ إلا من الشيء نفسه لا من شيء أخر، لذلك فإن أوكام يرفض القول بأن الأعراض هي معلولات الجوهر وأن معرفتها تؤدي إلى معرفته. وأما الأعراض من جهتها فليست مغايرة للجوهر، ولا تنفصل عنه. فالكم أو الامتداد قياسا إلى الجوهر، حسب أوكام، ليست أشياء مغايرة له بل مجرد أنحاء مختلفة للشيء ذاته وبالتالي يبطل التمييز بين الوجود والماهية فهما يدلان على شيء واحد، ومن هنا نقده للفلسفة الأرسطية .

1-2 – نقد مقولة العلة :
لقد كان ويليام أوف أوكام يمتلك نزوعا تجريبيا في سائر القضايا المتعلقة سواء بالفلسفة أو بالعلم، فهو لا يقتنع إلا بالبرهان التجريبي وبالنتائج التي تقررها التجربة، وبالتالي فإنه يؤكد أنه لا وجود لعلاقة بين العلة والمعلول سوى العلاقة التي يمكن إثباتها بواسطة التجربة، وأنه من دون التجربة لا يبقى هناك من سبيل إلى معرفة العلية التي تحدث المعلول والربط بينهما، ونتيجة لذلك فإن كل حجة تبرهن على ضرورة علة لا تدل عليها التجربة فهي حجة باطلة .

1-3- نقد المقولات المبرهنة على وجود الله :

 أما بخصوص مسألة وجود الله فإن أوكام يعمل على إبطال كل محاولة لإقامة البرهان على وجوده ، وذلك راجع أولا، إلى أنه يعتقد أن مسألة وجود الله هي موضوع إيمان وفقط. ثانيا، وعملا بمبدئه التجريبي فإن اعتقاده الدائم هو أن الوجود يدرك بالحدس الحدسي لا بالاستدلال، وإدراك الله بالاستدلال مسألة يرفضها أوكام .

أما برهان المحرك الأول، الذي أخذ به الفلاسفة واللاهوتيون اعتقادا منهم أن الشيء يعجز عن تحريك نفسه وإنه دائما محتاج إلى من يحركه، فمن أجل نقد هذا البرهان يرى أوكام أن الجسم الثقيل في سقوطه نحو الأرض يحرك نفسه بنفسه، وأن الملائكة بدورها تحرك نفسها بنفسها، وكذلك النفس الإنسانية.

برهان آخر ينتقده أوكام هو ذلك القائل بامتناع التسلسل إلى ما لا نهاية في سلسلة العلل المحركة، فيرى أن هناك من الحالات التي تحملنا على عدم التسليم به، فالواحد منا إذا ضرب بطرف عصا انتشرت الضربة شيئا فشيئا حتى الطرف الأخر، فيلزم تبعا لذلك، القول بوجود تسلسل لانهائي للعلل المحركة من حيث أن في المقدار عددا لا متناهيا من الأجزاء. لكن أوكام في الأخير يرجع فيقول إن تناهي العلل أكثر احتمالا من لا تناهيها ، ولو أن الاحتمالين كلاهما ممكنان لتفسير الظواهر .

1-4- نقد مقولات الصفات الإلهية :

وإذا نظرنا في الصفات الإلهية كما يتصورها أوكام فإنها تبقى في نظره مجرد وضعيات اصطلاحية، أي كونها فقط إضافات محتملة. فبنفس القدر الذي نعتقد به بوحدانية الله يمكن الاعتقاد أيضا بتعدديته، إذ ليس هناك ما يمنع تفسير العالم بعدة علل أولى تشترك في تدبيره كما نفسره بعلة أولى واحدة، لكن أوكام يفضل القول بالوحدانية. إن أوكام يناقش حجج اللاهوتيين في هذا الصدد لا ليؤكد وجود عدة آلهة أو عدة عوالم، بل ليثبت فقط أن دلائلهم عاجزة أن تكون أدلة يقينية .

وفيما يتعلق بقول رجال اللاهوت بلانهائية الله، أي أنه أعظم ما يمكن أن يوجد، فإن أوكام يصرح بأنه لا يوجد ما يلزمنا بإعطاء هذا الاسم (الله) مثل هذا المعنى (اللانهائية) لأنه لا يوجد ما يعطي قيمة موضوعية للعلاقات التي يربطها العقل بين المعاني والتسميات كما سبق وأن بيَنا، ثم إنه إذا كانت المعلولات متناهية فليست هناك حاجة سوى إلى علة متناهية .

لكن يبقى أن جميع الصفات الإلهية لا يمكن البرهنة عليها تجريبيا، فسائر هذه الصفات من الوحدانية إلى كلية القدرة ومطلق المعرفة الإلهية هي قضايا مؤكدة من جهة الإيمان فقط، أما العقل فقصارى جهده أن يؤيدها بأدلة احتمالية لا أكثر، لأنه من اللائق والمطلوب حسب الإيمان أن نضيف إلى الله كل ما نستطيع تصوره من عناصر وصفات الكمال. 

1-5- نقد مقولة النفس :

وأما النفس فإننا لا نصل بواسطة العقل إلى معرفة يقينية بها. فالحدس العقلي يدرك وجود الظواهر النفسية لكنه لا يصل إلى أبعد من ذلك، كما أن الاستدلال بأعراض النفس الظاهرة على جوهرها لا يصح حسب مذهب أوكام، ولا يبقى لنا إلا توسل طريق الوحي لإدراك طبيعة النفس الخالدة .

1-6- نقد مقولات الأخلاق :

إذا كان مذهب أوكام ينكر على المعنى أن يجسد ماهية ثابتة فإنه على ضوء هذا المذهب لن تكون القواعد الأخلاقية تدل على معاني ضرورية وثابتة ، وبالتالي فليس هناك خير وشر بالذات، لكن ما نعتبره كذلك قائم على إرادة الله التي أعلنت إلينا بالوحي. فالله بإمكانه أن يقرر قواعد أخلاقية أخرى معاكسة للقواعد الجاري بها العمل، حتى أنه في مقدور الله أن يجعل من الكفر وفعل الشر أفعالا تستحق الثواب، وستلقى من قبل البشر استحساناً وقبولا فقط لمحض أنها نابعة من الإرادة الإلهية .

 لاشك في أن موقفا من هذا القبيل لازال إلى يومنا هذا يثير في أغلبنا ما يثيره من التوجس والوجل ويبعث شعورا بعدم الاطمئنان ، ذلك أنه يذكر بفيلسوف إرادة القوة “فريديريك نيتشه” الذي عمل على الانفلات من أحابيل الميتافيزيقا المسيحية وقام بتقويض بنيانها وأعلن أفول قيم أخلاق الخير والشر التي وثنها التقليد فعمرت وترسخت. فكيف يمكن إذن تفسير هذه الروح النيتشوية المبكرة المنبعثة من أعماق العصور الوسطى الغميسة؟ ألسنا ملزمين بأن نحفل بمثل هذه المواقف العدمية الأولى التي هي بذور الآراء العدمية الكبرى المعاصرة التي ستحطم القيم وتسفه عوالم ما فوق الحس وسترد ما هو متعالي وضالع في المثالية إلى ما هو إنساني غرائزي

وحيواني ؟

2- نقد العلم :
إن ما يجب التوقف عنده باهتمام أكبر عند أوكام هو نقده لطبيعيات أرسطو. أولا لأن التجرؤ على مهاجمة العلم الأرسطي قد جر موجة من الانتقادات على الفلسفة الأرسطية ومن ثم بداية الانفصال والابتعاد عنها للتفكير في بدائل جديدة. ثانيا، لأن هذه الانتقادات سوف تمهد الطريق أمام نشوء العلم الحديث الذي يعتمد على التجربة والمنهج الرياضي مما سيحدث قطيعة مع الأسلوب الأرسطي الذي كان يقدم تفسيرات فلسفية تأملية للطبيعة لا تجد طريقها إلى التطبيق الواقعي .

2-1- نقد مقولة الهيولى :

إن أوكام يرفض بصفة قاطعة إمكانية الوجود بالقوة ، أي الوجود اللا متعين، لأن الإدراك الحسي لا يقع إلا على الموجود بالفعل وبالتالي فإن الوجود بالقوة لا يمكن حسب اعتقاده أن يوجد. وتبعا لذلك فإنه يرفض فكرة الهيولى ويتصور كبديل عنها مادة جسمية تكون موجودة بالفعل .

لقد كانت غاية أرسطو من افتراض وجود الهيولى هو أن: “يفسر التغير الجوهري؛ أما وقد استبعدت وحلت محلها مادة معينة، فقد ردت جميع التغيرات إلى التغير العرضي. لذلك فإن المذهب الإسمي والمذهب الآلي في الفيزياء يلتقيان من حيث كونهما يفسران الأجسام وتغيراتها بأجزاء من المادة لا وحدة لها، أجزاء تجتمع وتفترق .

2-2- نقد مقولة الحركة :

سبق وأن بينا في مسألة”وجود الله“كيف أن أوكام رفض الفكرة التي اعتمدها اللاهوتيون لإثبات وجود الله والتي تقول إن كل متحرك فهو متحرك بغيره، ولذلك فمن البديهي أن يرفض أوكام كذلك الآراء اللاحقة لفكرة المتحرك بغيره. وبخصوص رأي أرسطو في الحركة يمكن وصفه:” بأنه في غياب دفعات آتية من السماء تبقى العناصر الأرضية ساكنة في أماكنها الطبيعية ما لم تخرجها حركة عنيفة من سكونها.

لقد أصبحت نظرية العطالة التي بنى عليها أرسطو آراءه في الحركة وتصوره عن تناهي الكون تواجه صعوبات في تفسير بعض الظواهر الحركية كالحركة التي تستمر بعد انفصال المتحرك من المحرك، ويلوح كأن الجسم المتحرك لا محرك له في مراحله التالية ، مثلا الحجر عندما يغادر اليد التي قذفته لا يعود إلى الأرض ليسقط عليها بكفية عمودية بل يستمر في حركته في اتجاه النقطة التي ألقي نحوها حتى يجتازها ويبعد عنها. حاول أرسطو إصلاح هذا الخلل بافتراض أن الهواء هو من يدفع الجسم نحو الأمام. طبعا لقد عارض أوكام هذا التفسير وقال إن أوكد حل للمسألة هو أن المتحرك يتحرك وكفى، فلا داعي لافتراض محرك متمايز عن المتحرك، فلا حاجة لغير الحركة نفسها لتفسير استمرارها. على الرغم من أن رأي أوكام فيما يتعلق بالحركة لا يمكن معاضدته لا بالتجربة ولا بالنظر العقلي فإن من خلاله نبعت نظرية الاندفاع التي سيجهز أصحابها بشكل كلي على فيزياء وكوسمولوجيا أرسطو .

23- نقد مقولة مادة الأثير :

 كان لانتقادات أوكام الموجهة إلى طبيعيات أرسطو وآرائه في الحركة أن تؤدي إلى القول بنفي التمايز الذي أقامه أرسطو بين عالمي الأرض وما فوق القمر. لذلك فإن أوكام يضع مادة واحدة للأجسام كلها سواء السفلية أو العلوية وينفي وجود عنصر خامس أو مادة أثيرية. لكن أوكام مع ذلك لازال يعتقد أن أجسام عالم ما فوق القمر أجسام غير فاسدة، ليس ذلك لأنها تتكون من الأثير أو من عنصر خامس، بل لأنها لا تخضع للعلل والكيفيات الأربع للمادة من يبوسة، رطوبة، سخونة وبرودة أي علل الكون والفساد.

2-4- نقد مقولة العالم :

لا يمكن الفصل بسهولة بين الفيزياء و الفلك الأرسطيين لأن هناك انعكاس مزدوج بين الاثنين . فتصور أرسطو الكوسمولوجي للعالم الموسوم بالتناهي لا يستقيم إلا بتأكيد نظريته في حركة الأجسام القائلة بمبدإ “القصور الذاتي”، لأنه لا يمكن تصور حركة مستمرة إلى غير نهاية في عالم ممتلئ لا يعرف الخلاء، فامتلاء العالم يشكل عائقا أمام أي حركة نتصورها مستمرة:
فالأجسام المتحركة في عالم ما تحت القمر تلقى مقاومة من طرف الوسط التي تتحرك فيه. لذلك فإن أوكام بعد أن قوض آراء أرسطو في الحركة لم يعد يرى أن هناك برهان يقيني على تناهي العالم في المكان أو برهان على وحدانية العالم، ثم فإن هذه الافتراضات تتعارض مع إيمانه بقدرة الله في الزيادة من مقدار العالم وحجمه .

III – جـان بـوريدان :

لقد كان بوريدان من مدرسيي باريس في القرن14، درس بجامعة باريس ثم صار مديرا عليها. كل أعماله ومؤلفاته تقتصر فقط على العلم والفلسفة وإهماله للدراسات اللاهوتية دال على طبيعة مذهبه. وباشتغاله في العلم على مسألة الحركة بالضبط سبب إحراجات للفلك الأرسطي ولمجموعة من نظرياته وترتبت عن هذه الإحراجات أكبر النظريات العلمية في عصر النهضة. ونقد بوريدان للعلم القديم لم ينحصر فقط في مجرد امتحان البراهين الأرسطية بل تعدى ذلك إلى إدخال تحويلات جديدة على التقليد العلمي الأرسطي خصوصا في دراسة الحركة وظاهرة سقوط الأجسام وهذا ما يعرف عند بوريدان بنظرية الاندفاع التي ارتبطت باسمه .

1- نظرية الاندفاع :

لقد أدخل السكولائيون ، ومن أبرزهم بوريدان ، تحولات وتغيرات جديدة على دراسة الحركة وظاهرة سقوط الأجسام. لأن نظريات أرسطو لم تعد تتلاءم مع الواقع وفقدت قدرتها على شرح وتفسير عدد من الظواهر الفيزيائية وأهمها مسألة الحركة، لأنه سرعان ما وجه فلكيو العصر السكولائي أصابع الاتهام نحو نظرية العطالة عند أرسطو التي عجزت عن إعطاء تفسير مناسب لمسألة الحركة واستمرارها كما أنف وبينا في الفقرة المتعلقة بتصور العالم عند ويليام أوف أوكام .

لقد بنى بوريدان على أنقاض نظرية السكون الأرسطية نظريته الجديدة التي تقول بالاندفاع . فنظرية الاندفاع تقول إن اليد أو الآلة عندما تقذف بالحجرة على سبيل المثال تنشر فيها قوة وإندفاعا يجعلان الجسم/الحجرة تستمر في الحركة والاندفاع بعد الانفصال عن اليد/الآلة التي قذفته حتى تتغلب عليها مقاومة الهواء والثقل (عكس ما قاله أرسطو) ولولاهما لاستمرت الحركة إلى غير نهاية .

وإذا افترضنا أن الله وضع في الأفلاك والأجرام السماوية قوة دافعة وأن الله يحفظ لها حركتها وأن هذه الأجرام لا تلقى مقاومة داخلية أو خارجية لم يعد هناك من مبرر لادعاء وجود عقول محركة مفارقة أو لمادة الأثير المكونة لعالم ما فوق القمر. سبق أن قلنا إن فلك أرسطو وفيزيائه يرتبطان ارتباطا عضويا ويجمعهما انعكاس متبادل، لذلك فانطلاقا من نفي بوريدان لنظرية العطالة الأرسطية وتأكيده لنظرية الاندفاع تحطم التمايز الذي أقامه أرسطو بين العالم الفوقي والسفلي، والمواد الأزلية والمواد الفاسدة .

يتجلى فضل بوريدا والمذهب الاسمي أجمع في أنه مهد الطريق لتجاوز المعرفة الأرسطية. فمدرسة الاندفاع قدمت أجوبة في مسألة الحركة لم يستطع كوبرنيك نفسه الإجابة عنها، فهذا الأخير لم يتوقف على تفسير حركة الأفلاك بل اكتفى بوصفها رياضيا. ويرى توماس كون أن الديناميكا النيوتونية تدين بالكثير لمدرسة الاندفاع فهي تستلهم منها جملة من آرائها فيما يتعلق بمبدإ الحركة الدائمة للأجسام.

لقد شكل القرن الرابع عشر في الفكر الأوروبي انعطافا حادا لمسار القرن السابق الذي اهتم مفكروه بشكل كبير بمسألة التركيب والجمع بين العقل والدين. فالقرن الرابع عشر كان متميزا عن القرون السابقة حيث أنه شهد حملة نقد عنيفة للعقل وكذلك للعلم وتشكيكا في قدرته وإمكاناته انتهت بفك ارتباط الفلسفة عن الدين والقطع مع الفلسفات الدينية التي شيدت خلال القرون السابقة. لكن العقل لم يخرج منهزما خائبا من الباب الضيق للقرن الرابع عشر، بل خرج مظفرا عالي الرأس ومزهوا بمآله الجديد، ذلك أن مهمة تخليص الفلسفة من الدين بعض النظر عن خلفية من تقلدوها وإلى أي طرف يميلون ( الفلسفة أم الدين )، لا يمكن أن تعود على الفلسفة إلا بالنفع، فتعيد لها هيبتها كما كانت في عهد اليونان لتتأمل موضوعاتها باستقلال عن أية وصاية ولتخطو خطوات واثقة في مسار بناء العالم الحديث والتأسيس لأفكاره الكبرى.

يذهب الدكتور سالم يفوت (رحمه الله) إلى أنه إن كان الاتجاه الطاغي على مؤرخي العلم والفلسفة هو الذهاب إلى أن العصر الوسيط كان عصر جمود وظلام يفتقد إلى لمسات الإبداع وروح الابتكار فإن الدراسات الجديدة حول العصر الوسيط صارت تؤكد العكس. فمن خلال ما حاولنا بيانه عن حقيقة القرون الوسطى يتضح لنا أنها كانت ساخنة فكريا تضج بالأفكار المختلفة والمتصارعة، يتجلى لنا هذا في كون المفكرين الوسيطيين لم يقفوا موقفا سلبيا من العلم القديم (في نسخته الأرسطية والبطلمية) بل وجهوا له انتقادات لاذعة وأدخلوا عليه إصلاحات غيرت هيئة ملامحه الأصلية بشكل يضعهم في مرتبة متقدمة على سابقيهم من العلماء العرب والمسلمين الذين عاملوا أرسطو وبطليموس بوقار وتنزيه كبيرين باعتبارهما ممثلين لحكمة عليا واحدة، وحتى إنهم لما أدركوا بعض الاختلالات في هيئتي أرسطو وبطليموس فإنهم لم يستطيعوا تجاوزها، وفي أحسن الأحوال كانوا ينهالون بالتقريع على هيأة بطليموس كونها أخلت بالصورة الأصلية للفلك الأرسطي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق