تراث «طبائع الاستبداد» النهضوي والمتنور واللفظي (2) / وضاح شرارة

لا يكاد عبد الرحمن الكواكبي، في «طبائع الاستبداد«، أن يحمل الانظمة السياسية في حالي الاستبداد وخلافه أو نقيضه أي «الحكومة العادلة«، وهي على خلاف الحكومة الظالمة على المنازعة بين الحكومة وبين الأمة، حتى يُحل المنازعة أو يذيبها في قطبين متباينين هما «جهالة الامة« و«الجنود المنظمة« (عطفاً على مقال سابق: تراث «طبائع الاستبداد« النهضوي والمتنور واللفظي، «المستقبل« «نوافذ«، 11/1/2015). وإذا قامت اليقظة نظير الجهالة لم يقم شيء، يسميه الكاتب، نظير «الجنود المنظمة«. وهو لا يفترض حكومة منزوعة السلاح ولا يقترح هكذا حكومة محل الحكومة المسلحة والقاهرة. ولا يرى القارئ موضع حكومة غير مسلحة على خريطة «المرادفات والمقابلات« التي يرسمها صاحب «الطبائع«، ويوزع تعريفاته على مربعاتها وخاناتها. و«الحكومة المدنية«، على ما يصف مادحاً حكومة «حضرة الملكة فيكتوريا« البريطانية المعاصرة، لا تلغي القوات العسكرية، ولكنها تمضي على مدنيتها غير مختارة. وتكرهها على مدنيتها، وهي خلاف عسكريتها واستبدادها معاً، «يقظة الانكليز«. وهذه اليقظة، على رغم اشتمالها على تقديم «أمة الانكليز« على الملكة وحماية الجيش، ليست من «استلامها« (من استلام أو سيطرة الملكة على الجيش) وسيطرتها عليه، ليست هيئات وأبنية وأحوالاً، أو اجتماعاً سياسياً ينقاد للوصف والتأريخ. فهي سور معنوي ولفظي في مقابلة الجهالة والغفلة، ومرادف من مرادفت القيام على الاستبدد وحكومته.

وبعض الحكومات أو أنظمة الحكم، شأن «الحكومات البدوية« في عهود ملوك تبع وحمير وغسان وما قبلها وما بعدها، ليس الاستبداد، «طبعاً«، في متناوله. وذلك لأن رعيتها من العشائر تنزل البوادي والصحارى. فإذا أرادت الحكومات، وهي طبقة الرؤساء والمشايخ في هذا المعرض، سياسة الناس، أو عامة العشائر والقبائل، بـ«الضيم« والظلم، و«مست حريتهم«، لم يقوموا عليها ولم يخلعوها ويحلوا محلها حكومة حرية، على ما ينبغي لغةً وخطابةً، واقتصروا على «الرحيل والتفرق«. وهذا في طبائع العمران البدوي، محلاً ومعاشاً واجتماعاً. ولا يشكل على الموظف العثماني السابق إدخال «حرية« البداوة ويقظة الانكليز والمراقبة والمحاسبة الشديدتين على المشرِّعين وعلى المنفذين، في باب مشترك وواحد. فالقاسم المعنوي واللفظي المشترك يفي بالغرض من كتابة «الطبائع« أو «تحريره«، وهو التنبيه الى حقيقة داء الشرق ودوائه، على ما مر، و«وصف الاستبداد… بجمل بليغة تصور في الاذهان شقاء الانسان، كأنها تقول له هذا عدوك فانظر ماذا تصنع«.

كتابة «الأدب« وإخراجها

وعلى مقتضى هذا، ما على المنبِّه المبلِّغ والمذكر إلا تدوين مختارات من الجمل البليغة، ومحاكاة تصاوير شقاء الانسان المريض بالغفلة والاستبداد، وتمثيل المستبد والمستعبد لـ«ناظر« رعيته الغافلة والجاهلة. ويقرن الكاتب داعي القول بالقول الذي يدعو إليه ويحض عليه. فبعد كلامه على «الجمل البليغة« مباشرة، يكتب و«من هذه الجمل قولهم«. وتلي إعلان العزيمة منتخبات بلاغية هي أقرب الى التوقيعات المختصرة والنافذة التي تتوسل بالأضداد والطباق والمجانسة والاستعارة، على شاكلة صنع جماليات الأحلام والمنامات والرؤى. فالمستبد، على قول أحد الحكماء البلغاء، «يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم…». وهذا يستبعد التعريف المزدوج و«القانوني« للسياسة والاستبداد، ومقابلة الحكمة بالهوى. ومثل آخر يذهب الى ان «… العوام صبية أيتام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم إخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا، وإن دعوهم لبوا«. وتكرر الجملة ركن التعلم والدعوة في صورة تشبيه و مثل…. ويتمم الركن هذا الزعم «ان مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي شر الاستبداد«. ويؤول ضرب الأمثال بالحيوان على مثال «كليلة ودمنة« الى تقرير أن «الانسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب، فالمستبد (والمقدمة الاولى من القياس توجب أن «المستبد انسان«) يود أن تكون رعيته كالغنم دوراً وطاعة وكالكلاب تذللاً وتملقاً…»

وهذا النحو في الكتابة، وفي إخراجها أو مسرحتها، ليس صنيعاً ثانوياً يقتصر على ظاهر عرضي وموضعي منقطع من باطن و معنى مفترض، ولا يتطاول إليه (الى المعنى المفترض) فعلُه أو عمله. فالكتابة (الكواكبية)- على معنى إدراج الجمل وأجزائها وألفاظها البارزة في صيغ متعالقة ومتواردة تتولى ضبط المقالة على موضوعاتها وإنشاء الموضوعات من طرق الإطناب أو الحمل أو التحليل- تتناول السياسة، والاستبداد فرعها الاول، على وجه علاقة معيارية قطباها أو طرفاها ضدان مجردان ومعنويان يتنقلان بين حدين مقيمين أو ثابتين على تنافيهما وشكليتهما ولفظيتهما. ويقود هذا الضرب من الكتابة الى المختارات والمنتخبات التي تجدد صورة الضدية الاولى، الحكمة والهوى، وتولد من نسلها ورحمها الاشياء والاضداد لا الى مقدار معلوم. ويفترض هذا الصنف من الكتابة شبكة المواقع والعلاقات التي يتقاسمها «المحرر« والجمهور في علاقتهما بمطلب المقالة، أي السياسة والاستبداد، وأحصتها الحلقة الاولى من المقال: الطبابة والتنبيه والدعوة والوحي والعرفان والهدية، ونظيرها الداء الدفين والسبات والغفلة والجهالة والنزع، وبين هذه وتلك الشرق والمرض ومعاناة سكرات الموت والناشئة والعلماء و«المحررون« السياسيون والبلغاء ومحاكو المراقبة والمحاسبة. وهذه القسمة المثلثة ترسي المطلب أو الموضوع على أدوار ثلاثة أو طبقات ثلاث: طبقة أهل الاستبداد، وطبقة أهل الانقياد والجهالة، وطبقة المبلغين. وتقيم هذه الطبقات على طبائعها المزمنة. فأهل الاستبداد سادرون في هواهم وعدوانهم وسطوهم، وأهل الانقياد والجهالة في عماهم وغفلتهم. ويتردد المبلغون بين محاباة الحكومة المستبدة والتمكين لسلطانها وبين تنبيهها أهل الجهالة الى موتهم الوشيك، إذا لم ينتبهوا ويستفيقوا على الخطب وطميه الى الرُّكَب، على قول الشاعر اللبناني الذي أرَّخ جورج انطونيوس بصيحته «يقظة العرب«.

ومقارنة الكتابة الكواكبية بسيرة الرجل، أو حمل كتابته على حوادث سيرته ووقائعها المتعلقة بالسياسة والاستبداد، يدعو إليها انغلاق «الطبائع« على نفسه، ودورانه الرتيب والعقيم في دائرة من النظائر والأشباه والأضداد. فهو لا يتعدى هذه الى «سيرة« تملأ شبكة المواقع والعلاقات والعلامات اللفظية والمعنوية بأعيان أو انيات زمنية ومكانية وإجرائية وتوثيقية تسلكها في سلك خبري أو استقصائي، على قول هيرودوتس في وسم مروياته. فمقالات «الطبائع« في الاستبداد العثماني تيمم صوب مثال خطابي وتعليمي وبلاغي يراه صاحبها مناسباً الغاية التي يقصدها وينهض إليها (التنبيه والتبليغ)، وموافقاً توقع جمهور «المحررين« السياسيين من أمثاله وأصحابه واستعدادَ أفهامهم. والحق ان التعويل على موافقة توقع الجمهور ومجاراته يترتب على المشاركة في المثال الخطابي والتعليمي والبلاغي، وعلى اختبارها والإيقان بها. وإثبات هذه الموافقة يقتضي مقارنة عريضة ودقيقة بين «المحررات« أو المقالات الصحافية المعاصرة لا تقتصر على «الأعلام«، على قول خير الدين الزركلي، صاحب أحد معاجم هؤلاء الاعلام. ويلاحظ أن مسألة إخراج كتابة «النهضويين« ومسرحتها مزمنة، وكانت على الدوام منشأ التباسات واشتباهات ملحة.

فحين يصرف رفاعة رافع الطهطاوي في «مناهج الألباب المصرية الى مباهج الآداب العصرية« (1869) فصلاً من مدونته هذه الى مطلب «الوطن« يسرع أنور عبد الملك، الوطني والتقدمي المصري، الى حمل مقالة الطهطاوي في الوطن على سبق فكري وإيديولوجي (مصري)، وفاتحة وعي المثقفين المصريين مسألة الوطنية على نحو تاريخي وعضوي «مطابق«. وإذا صدق أن الطهطاوي يُعمل فعلاً لفظة «الوطن«، في بعض جمل فصله، على معنى سياسي وجامع يلم بالدولة وبالجماعة التاريخية المتماسكة في بعض المواضع، فليس خلطه هذا المعطى المبتكر بمعانيه العربية الأدبية (مثل «حب الوطن من الايمان« أو «حبب أوطان الرجال إليهم/ مسارح قضاها الشباب هناك«…) أقل صدقاً ولا تواتراً من معناه السياسي والتاريخي الجديد. وجوار المعاني الجديدة، ودائرتها، بمعان سابقة تَنحو نحواً فكرياً وعملياً وحسياً مختلفاً (أو تنحو أنحاء مختلفة) يترتب عليه فهم مختلف لدلالة الافكار والمقالات حين صوغها وفي أثناء تناقلها. ومثل الخلط والجوار هذين متواتر في مدونة الكواكبي. فهو يحمل 1) المحاسبة، والمراقبة البرلمانيتين أو التشريعيتين، على السلطة التنفيذية الدستورية، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في فرنسا وبريطانيا، و2) الثورة المسلحة والأهلية على استئثار جزء من سلطة الفتوح بعوائد الفتح والحرب في اواخر القرن السابع أو منتصف القرن الاول للهجرة)، و3) الأدب الحكمي في التدبير الملكي («كليلة ودمنة«…، و4) و«الأدوية« النفسانية التي تعالج حب الحياة بحب الموت ومد الرقاب للسلاسل بالشموخ عن الذل…، و5) فراق عشائر البادية حكوماتها إذا هي ضيقت عليها- يحمل صاحب «الطبائع« هذه كلها على (معنى) واحد.

فلا مناص بهذه الحال من أن تُسوّى حدود الوقائع المختلفة والمتفاوتة على حد واحد ومستوٍ. والاطار المناسب والظرفي الذي يستقبل تسوية الحدود والمعاني، وجمعها من غير ظهور تفاوتها أو انقلابه الى تنافر مُعمٍّ وغير مستبين، هو الأدب. ويبث الكاتب تعريف الأدب في مواضع من مقدماته وفصوله يستهل بها ما يوشك على قوله، ويريد تنبيه القارئ إليه. فالأدب هو مجمع أقوال مرسلة في موضوع من الموضوعات، أو باب من أبواب القول. ولذا، يصح ما منها مصدره الدرس وما هو مقتبس من كتابات متفرقة في أزمان وأحوال ومسائل متباعدة، وما هو مزيد عليهما. ولا تحول كثرة المصادر من «(تحويلها) الى هيئة كتاب«، على أن يوحدها القصد، وهو، في هذا المعرض، التنبيه والاستدراك. ويُفَرَّع الباب من هذه الابواب الى مباحث الأقدمين وكتبهم، وإلى مؤلفات القرون الوسطى و«أمزجتهم« (يمزجون فن السياسة بالأخلاق، وبالأدب، وبالتاريخ)، و«توسُّعِ« المتأخرين من أهل أوروبا وتمييزهم مباحثهم، وتآليف المتأخرين من الشرقيين الترك والعرب، وأخيراً منشورات المحررين السياسيين من العرب في الجرائد والمجلات. ويتنكب صاحب الكتاب وصحبه إفادة «إخوانهم« العرب«، بـ«البحث والتعليل وضرب الأمثال والتحليل«، وصفَ الداء والدواء، وتعريفهم هذا الوصف. ويقتضي الامر، أي تحصيل الفائدة، «تلخيص النتائج التي تستقر عندها أفكار المتكلمين فيها« أو «تعريفاتهم«. و«هي نتائج متحدة المدلول مختلفة التعبير«. فلا يُنبه للمُختلف، ولا يؤخذ إلا بالمتحد والمتفق و«المتضافر«. وهو عينه شأن الـ«التعريف… بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات«. فهذه من حلي الأدب وزينته.

كاتب الأدب

والحق أن سيرة عبد الرحمن الكواكبي في رواية محقق أعماله محمد عمارة (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970) لا تقتصر، شكلاً وحوادث، على احتراف الأدب وامتهانه. فهو تحدر، نسباً وأعمالاً، من أشراف طالبيين عادت نقابة الاشراف بحلب إليهم. ووُلد والده، السيد أحمد بهائي بن محمد بن سعود الكواكبي (1829-1882)، لمهاجر فارسي قدم حلب في وقت سابق، وتزوج امرأة حلبية. والمهاجر الفارسي أردبيلي أذري (من أذربيجان) المنبت. وتزعم الرواية التي ينقل عنها صاحب التقديم أن الجد الأردبيلي الأذري هو من ذرية رأس السلالة الملكية الصفوية، اسماعيل الصفوي التبريزي، التركي والصوفي أصلاً وابتداءً قبل تشيعه وتشييعه أهل فتوحاته في بلاد إيران المغولية. وكان والد عبدالرحمن فقيهاً وقاضياً في مسائل المواريث من باب الفرائض، وأميناً لدار فتوى ولاية حلب بعض الوقت، وخطيباً في مسجد بناه جده ووقفه، ومدرساً في مدرسة المسجد العائلي وفي مدرسة الجامع الأموي بالمدينة.

ونشأ الولد المولود بحلب (في 1848 وليس 1846)، والمقيم بها الى 1854 سنة وفاة والدته، بانطاكية، وتعلم بها التركية 3 أعوام ورجع بعدها الى حلب. فدرس التركية بمدرسة الشيخ ظاهر الكلزي، وإليها الفارسية. وعاد الى انطاكية، ودرس في مدرسة خاصة على عم والدته، السيد (لقب الاشراف) نجيب النقيب. وآب الى مدرسة أبيه وجده، الكواكبية. وعين، في 1879، عضواً فخرياً في لجنتي المعارف والمالية من لجان الولاية، وعضواً في لجنة الاشغال العامة في السنة التالية. وكان، من بعدها، عضواً في لجنة المقاولات، وفي رئاسة قلم مأمورية الإجراء، وشريكاً في لجنة امتحان المحامين. وعينته وزارة العدلية العثمانية في محكمة تجارة الولاية. وترأس الغرفة التجارية المحلية، في 1892، والمصرف الزراعي، وكتَّاب المحكمة الشرعية، ثم غرفة التجارة ولجنة بيع الاراضي الاميرية في 1896.

ونظير وظائفه أو أعماله في دواوين السلطنة، ويسرع عمارة الى جمعها في باب أو اطار كبار الرجال (الشاغلين) أبرز الأماكن في سجلات «رجال الدولة« من غير وصف أعمالهم وصلاحياتهم، توالت استقالاته: من مأمورية الاجراء، ومن محكمة التجارة والمصرف الزراعي. وبعد توليه، أو توليته نفسه، مختاراً، تحرير «ظلامات الناس وشكاواهم (على) الموظفين والولاة العثمانيين«، وانقلابه عرضحالجياً، هجر حلب سراً الى استانبول، وأقام بأحد خاناتها متخفياً الى حين اكتشاف أرصاد الشيخ أبو الهدى الصيادي، محظي السلطان عبد الحميد الديني و«مدير مكتبه« على ما كان لم يكن دَرَج القول بعد، تخفيه. وسبق تخفيه باستانبول اعتقاله مرتين، وثورة «جماهير الشعب« على الاعتقال، على قول صاحب التقديم، الناصري يومذاك. وقام هو على «اغتصاب« الصيادي نقابة أشراف حلب من أسرة الكواكبي، وأقام مشيراً على المحامين المتقاضين باسم أصحاب الحقوق. ومثل أمام محكمة بيروتية، استأنف بين أيدي قضاتها إدانة بالارتشاء و«الاتصال بدولة أجنبية« أصدرتها محكمة حلب، بناء على وثائق زورها الوالي المحلي. فعمدت الولاية الى تسليط قبضايات من الجوار، وحرضتهم على اذائه وربما قتله. فهرب الى مصر مهاجراً في 1899. ويفتقر السجل الوظيفي المزدحم بالأعمال والمهمات والاختبارات والقيود الى تاريخ حوادثه العامة، والى تبويب مسائله وقضاياه الكبيرة.

فالسيرة الكواكبية، الشخصية أو الفردية، موازية للسيرة الحميدية السلطانية، زمناً ووقائع. ولابست السيرة الحميدية خلافةٌ مضطربة ودامية تحدرت الى عبدالحميد من طريق الاغتيالات، ومنازعات الاهل والوارثين، وتربص كتل الاعيان وكبار الموظفين والعسكريين بعضهم ببعض، وبروز أدوار سياسية وأهلية جديدة اضطلعت بها كتلتا طلبة المدارس الدينية باستانبول وجموع الأتراك المهجرين من الولايات البلقانية المحتلة السابقة والمستقلة تدريجاً، منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الى تركيا. وأدى تعاظم التدخل الروسي في البلقان، وفي شؤون الشعوب السلافية والارثوذكسية بالبلقان وبجنوب أوروبا ووسطها، انفجار حروب متعاقبة. وترددت أصداء الحرب القوية في بعض بلاد الشرق الادنى وشمال افريقيا، وصار معظمها في الاثناء محميات أوروبية، وعلى تخوم مناطق النفوذ الروسي الممتد والنفوذ الامبراطوري البريطاني. وأرادت التنظيمات العسكرية والادارية والحقوقية والاقتصادية تطويع السلطنة وولاياتها وتكييفها في خضم أزمة موارد بشرية ومالية ومعنوية عامة. ففاقمت اضطرابها وخلخلتها، واسلمتها نهباً للدول الكبرى، ولحركات الاقوام التي أخضعتها جيوش آل عثمان بالقوة والفتح، وأناخت عليها بثقلها العسكري والمالي، وبأنظمتها الاجتماعية الجامدة والخانقة وسياستها القاهرة والمتعنتة. وقريباً من ذروة سجل الكواكبي الوظيفي، تصدت السلطنة للحركة الاستقلالية الأرمنية بمجازر ثخينة كانت مجازر 1896-1898 أقربها الى إبادة 1915-1916. وسلطت الادارة الحميدية، «التحديثية« من كثير من الوجوه، على المجتمعات والأقوام والبلدان والشعوب الملحقة، المضطربة والمتحفزة، وعلى حركاتها الاستقلالية والانفصالية السرية، طبقة ملتزمين مطلقي اليد في الجباية، وجهازاً بوليسياً وأمنياً كاسراً، وجهازاً عسكرياً وقومياً عصبياً خسر تدريجاً شطراً راجحاً من ضباطه المنتمين الى الأقوام الاخرى ونخبها الوليدة.

وجمع الانتقال العثماني، في عقوده الاخيرة، بين أبنية سلطة ومجتمع تغلب عليها انظمة طائفية وصنفية مرتبية (تضطلع فيها اللحمات الاهلية والعصبية والسلكية بدور راجح)، وبين علاقات حقوقية قانونية وإدارية واقتصادية و«ثقافية« اجتماعية، بورجوازية مدنية ورأسمالية. واقتحمت العلاقات هذه حصون الأبنية والانظمة العثمانية، المتينة الاركان والضعيفة الحيلة معاً، والموقوفة الفعل. فلم يسع العلاقات البورجوازية المدنية والرأسمالية- ومثالا اجراءاتها إقرار الاصلاحات أو التنظيمات المساواة بين أقوام السلطنة ومللها في 1839، والملكية العقارية الخاصة في 1858- لا إنشاء وطنيات فرعية عثمانية تكتل مواطني الأقوام في إطار ذاتي وائتلافي (كونفيديرالي) أو اتحادي (فيديرالي) من بعد؛ ولا وسعها إنشاء سوق رأسمالية عثمانية، مشتركة ومتصلة، تطيح تدريجاً الامتيازات المرتبية والسلكية وريوع المواقع والمكانات السلطانية والأهلية التي لا تحصى.

وحين قدم عبد الرحمن الكواكبي القاهرة، في 1899، خالط فيها مخالطة قريبة «طبقةَ« (أو صنفَ أو طائفة) المحررين والكتاب والأدباء والدعاة والموظفين والاعيان السياسيين، اللاجئين من الولايات العربية المشرقية، ومن بعض بلدان المغرب. وكانت هذه «الطبقة« على حال عثمانية من ضعف التجانس والتمايز، وضعف التقسيم الداخلي والوظيفي، معاً. والقاهرة يومها المنتدى العربي والاسلامي، الاصلاحي والإحيائي، ومجمع نخب نشأ معظمها ونضج على مزج الهويات والوطنيات والثقافات والمعارف والسياسات في صنف فكري وذهني رخو البنية ومائعها. وهو (أي مجمع النخب) يضمر اثنينية «العلم والإيمان«- على ما لخص أنور السادات، الرئيس المصري وصريع المنظمة الاخوانية، وعنفها – أو الهوية والتقنية، ومرادفات أخرى شبيهة. وترجحت هذه النخب بين توحيد السلطنة العثمانية وخلافتها المدعاة في إسلام جامع وعالمي، وبين التطلع الى «مملكة« عربية عريضة تستمد (من) اللغة والتاريخ «المجيدين« لحمتها وسننها ودليلها، ومن مدونة الانساب الشريفة والصريحة رجالاتها وطواقمها. ولم يفضِ الترجح آنذاك، وهو فقير المادة، الى خلافات ومناقشات فكرية ناتئة ومتبلورة، ولا أفضى الى منازعات سياسية داخلية حادة. فكلا الوجهين انتظر نهاية الحرب الاولى ليخرج الى العلن والتمييز، على مقادير متفاوتة. والحق أن الحرب الاولى حسمت الوقوف العثماني، السياسي والاجتماعي، وأبطلت دور السلطنة في التحجير على المنازعات والخلافات و«حلها«، وأحلت قوى كبرى، رأسمالية وليبرالية امبريالية، محلها.

و«الأدب« الكواكبي، أو «مرادفاته ومقابلاته« هو لغة طائفة أو سلك المحررين العثمانيين المؤتلف من الروافد التي أحصيت للتو، في الوقت الذي تقدمت صفته أو بعضها. والقول أن ادب المرادفات والمقابلات وخطابتها هما لغة سلك المحررين العثمانيين- قبل جيلين ثقافيين من انقلابهم «مثقفين« عن أيدي التيارات السياسية والفكرية الحركية والثورية (الانقلابية والاستيلائية)- يستتبع توسيط هذه اللغة وكتابتها حين التحري عن الوصلات بين قطبين: قطب الإنيات والوقائع الحسية والمعنوية النفسية والاجتماعية والثقافية التي لابسها المحررون العثمانيون وكانت طينة خُبُرهم وأفقه، وقطب مقالاتهم حين استوائها مذاهب ومللاً ونحلاً فكرية ونظرية. فالمقارنة العارية، إذا جاز القول، بين الاختبارات الكواكبية و(اختبارات) من شأنهم شأن الموظف والشريف الحلبي في الثلث الاخير والعثماني من القرن التاسع عشر، وبين مقالاته في عَمَلَيْه («أم القرى« و«طبائع الاستبداد«)، تدعو الى تقرير انفصام المقالات من اختباراتها. فالمقالات تُجري ما تتناوله على انتخاب أبواب الدلالة والمعني، وإقامة الوصل والفصل، على أنحاء قد تؤدي الى تولية اللغة وأنظمتها العبارة المستأنفة عن الإنيات والاختبارات وتَعَرُّفها في مرايا العبارة؛ وقد تحمل اللغةَ (وأنظمتها) على تناول الإنيات والاختبارات من طرقٍ تُدْرجها في أدب حكمي (والاقتصار على نوعين يسوغه حصر الكلام في الكواكبي ووقته).

فما يستعجله «الطبائع« هو إدخال «الاستبداد- بعد نقله من موضع «الظلم« الاسلامي وحده، ثم حله في علامات تيسر جمعه الى أحوال عامة ومشتركة تناولتها مقالات الامم ومثلت عليها وعلى اضدادها الأمثال والأشباه- تحت باب عام. فيشترك في تعريفه ومقاومته والقيام عليه، أو في ذمه ورذله وثلبه، أهل الأدب في الأمة (وهم من يحصي «أم القرى« في مقدمته أحوالهم البلدانية: الفراتي والشامي والتونسي والتبريزي والبيروتي المتغيب…، والعلمية والعملية المرتبية: العلامة والمحدِّث والحافظ والفقيه والمولى…). ونَظم «الطبائع« مبناه على هذه القسمة: قيام عالِم رئيس بإبلاغ علماء مفطورين على الدين الصادق والتوحيد الصحيح، حقيقة الداء الذي تشكو منه الامة، ودعوتهم الى المشورة والمداولة والاجتماع متكتمين أول الأمر، ثم إذاعة علمهم «الجمعي« و«الخفي« اللابس حلة «سلفية متوسطة«، يرتجى ارتضاؤها لدى الحكام الشرقيين، في الناس على مراتبهم. ويؤدي استبعاد الاختبارات الكواكبية الكثيرة من تقصي أحوال الاستبداد العثماني، على ما عركها الشريف والموظف الحلبي وعجمها، الى استبعاد أصحابها وأهلها. فليس في ندوة «ام القرى« المندوبة الى مناهضة الاستبداد الحميدي، وترجمتها جمعية شورى، من يشبه أهل الادارة العثمانية خبرة وتنوعاً وعلماً بالاستبداد والفساد والتعسف الاجرائية والاجتماعية. ولا ريب في ان عضوية لجنة المقاولات ورئاسة قلم مأمورية الإجراء والشراكة في لجنة امتحان المحامين، وشبه القضاء في محكمة تجارة الولاية ورئاسة غرفة التجارة الحلبية، إلخ.، الى «وظيفة« العرضحالجي التلقائية والطوعية، خلفت في متوليها تباعاً إلماماً موسوعياً بمجاري نظم الاستبداد ومبانيها، وأطوارها، ومسالكها ومقاوماتها ومساوماتها، ومراتب أهالي هذه الأحوال كلها وإجماعاتهم وخلافاتهم وحيلهم.

فليس أن العلامة والمحدِّث والحافظ والفقيه والمولى- وغيرهم مثلهم من أهل «العلم« والكتابة« المحررين« الذين جمعتهم ندوة «أم القرى«، وندبتهم الى معارضة طبائع الاستبداد بطبائع «الحكومة العادلة«- لا يلمون بـ«علوم« الموظفين العثمانيين بالاستبداد، وحسب، بل أن «علومهم« المعيارية التي يتشاركونها لا تؤهلهم الى قياس الوقائع والأقضية (الأحكام) على مثالاتها أو أبنية تصريفها، أو على سوابقها. وهذا ما يصنعه الكواكبي حين يتناول مسألة الاستبداد، والسياسيات من ورائها. والمثال الذي يجري عليه يقضي بالقسمة الطبقية المثلثة التي تقدم الإلماح اليها: طبقة أهل الاستبداد، وطبقة أهل الانقياد والجهالة، وطبقة المبلغين المنبهين. والقسمة الوظيفية (الفيزيولوجية) المثلثة تترتب على تناول الاستبداد (والسياسة) على مثال علاقة معيارية قطباها أو حداها ضدان مجردان ومعنويان ثابتان، على ما مر القول كذلك. ويحيل الركنان، القسمة المثلثة الطبقية والعلاقة القطبية المعيارية، السياسة أو السياسيات، على ترجمة أو نقل أوغسطينوس بربارة البولسي وسم كتاب أرسطو (طاليس) في الموضوع، مطلباً أدبياً وأخلاقياً مجرداً من صروف السياسة ووقائعها وأحوالها.

وهذا التشخيص أو الوصف لصنيع عبد الرحمن الكواكبي في «طبائع الاستبداد« على الخصوص، يفتح الباب على مصراعيه لمقارنته بأفكار سياسية عربية وإسلامية لاحقة، مثل الفكر القومي (العروبي والسوري) وقسمته الأمة على أهل نهضة وأهل انحطاط وأهل إقطاع (وعمالة وتجزئة)، والفكر التقدمي وقسمته المجتمع على طليعة عالمة وأهل اقتصادوية وطغمة مستغِلة وعميلة، والفكر الاسلامي وقسمته أمة أو جماعة المسلمين على قادة علماء وأهل جهالة أو جاهلية وأهل طاغوت واستكبار وكفر. وتشترك هذه المذاهب أو العقائد في إخراج السياسة، والسياسيات من بعد، من المجتمع ومنازعاته وأبنيته وأهل هذه وتلك، وتسليطها من فوق عليه وعليها، ونسبتها الى أهل اختصاص بها، ووقفها عليهم وعلى اهل العلم بها. وقد ينبه هذا الى احتفاء بعض ذُرية عبد الرحمن الكواكبي و«طبائعه« بصاحبهم وبمقالته حين بَرَق شبه أدبي بحوادث ماثلة، فخلصوا منها الى ما خلص إليه صاحبهم من الاستبداد الحميدي: ذم الاستبداد وأهله والقعود عما يتعدى الذم.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق