في الحاجة الى ميتافيزيقا مغايرة من أجل وجود متسامح

- الحقيقة احترام للكائن. ذلك هو معنى الحقيقة الميتافيزيقية (لفناس)

1-


يبدو أن السؤال الجوهري المتعلق بهذا المقال هو التالي: هل الميتافيزيقا ضرورية للحياة الإنسانية؟
وإذا كانت كذلك، فلماذا هي ضرورية لوجودنا؟ هل لأننا كائنات ميتافيزيقية، أم لأنها تُصَيِّرُ علاقتنا الاجتماعية ممكنة إنسانيا؟
إذا كانت الميتافيزيقا ضرورة وجودية للحياة الإنسانية، فمعنى ذلك أن صيغة الحياة التي نعيشها لن تكون ذات دلالة ومعنى، ولن تكتسب قيمتها العليا إلا من خلال تغدية البعد الوجودي للإنسان بالأسئلة الجوهرية المتعلقة بالغاية من الوجود الإنساني في العالم. ذلك لأن ماهية الإنسان بما هو حيوان عاقل ميتافيزيقية، ومعنى ذلك أنه لا يوجد فحسب وفق الضرورة العمياء، أي وفق نمطية المحايثة، ولكنه يوجد أيضا وفق كينونته التي يحقق من خلالها رغبته ووعيه بالذات عبر الكلام أي عبر الفكر. أي أنه يوجد متعاليا. والكينونة بما هي كينونة وجود بالتعالي، والتعالي الحق هو تعين الجسدية في العالم، فعندما أقول إن ماهية الإنسان ميتافيزيقية ليس معناه سوى أنه يتحقق جسدانيا على نحو يتعالى فيه عن المحايثة العمياء، ومن ثمة فالكائن الميتافيزيقي كائن تاريخي لأنه يؤسس وجوده الزماني باعتباره ابتكارا للذاتية. ليس الكائن الميتافيزيقي كائنا مفارقا للزمان والتاريخ، أو كائنا يصبو فقط نحو الماوراء أو التحقق خارج العالم كما هو الشأن في التيولوجيا. ولكنه كائن ميتافيزيقي لأنه يمنح روحا للعالم تجعل إبداع الوجود ممكنا وتأسيسَه من جديد، كما تجعل هذه الروح العلاقات الاجتماعية ممكنة. من غير هذه الروح ليس ثمة زمان ولا تاريخ، وليس ثمة علاقات اجتماعية. وإنما هناك وجود فيزيقي وعلاقات ليست من طبيعة إنسانية، وإنما من طبيعة طبيعانية، لأن التأسيس الميتافيزيقي للإنسان ينتشل الوجود الاجتماعي من قدر الطبيعة الطبيعانية، ومن قانونها الحتمي الذي لا تناُزعه أية قوة مادام أن الوعي الإنساني فيه، مازال غائبا، كما ينتشل هذا الوجود من عنف العلاقات الاجتماعية التي لم تنعم بعد بلحظة الانتماء إلى الفضاء الحر للإنسانية المشترك، أي التي لاتزال تعيش تحت وطأة الحرمان الميتافيزيقي.
فما معنى الحرمان الميتافيزيقي؟
ليس الحرمان الميتافيزيقي، غيابا كليا للميتافيزيقا، بل هو فقر ميتافيزيقي، من قبيل إخضاع الأفراد لتصور ذي بعد واحد للوجود، وهذا التصور يتبنى مجموعة من المبادئ التي تحدد بكيفية قبلية وإلزامية، سبيلا وحيدا للعلاقات الإنسانية، أي ترسم شكلا للإجماع الذي يُفرض على الأفراد، ويحد من نزوعاتهم الذاتية، واختلاف أفكارهم وإبداعاتهم. وبالتالي فأي تصور ثقافي كهذا غالبا ما يؤدي إلى الإيديولوجيات العمياء، أي إلى تضليل الفكر والحد من قدرات الأفراد وإبداعاتهم، وقمع رغبتهم في الإسهام الفعلي في المصير المشترك داخل المجتمع الذي يعيشون فيه. في لحظات الحرمان الميتافيزيقي تنتعش من جديد كل الإيديولوجيات العمياء التي تتسلح بالعنف من أجل السيطرة على المجتمعات التي تظهر فيها. فما يطبع لحظة الحرمان الميتافيزيقي هو العماء الدوغمائي الذي يحتكر كل حقيقة سواء كانت إنسانية، أو لاهوتية لصالحه، فالدوغمائية ذات مظهرين: مظهر تدعي من خلاله تطابق العقل والواقع، فالفكر هنا لا يعكس سوى ماهية الواقع المعطى، ومظهر تزعم من خلاله أن الفكر الذي تتبناه كقاعدة عقدية يعكس ماهية الله ذاته.
وهكذا يغدو العالم الإنساني سجين نسقين إيديولوجيين يهدفان معا إلى رهن الوجود الإنساني وإخضاعه؛ النسق الأول نسق توتاليتاري/ كلياتي يقوم على وحدة الإيديولوجيا الحاملة لتصورات الأمة المتعلقة بالمذهب والجنس واللغة الخ. والنسق الثاني: نسق الثيو– إديولوجيا القائم على وحدة المذهب الفقهي الديني الذي لا يعترف بالمذاهب الأخرى، ولا بغيرها من العقائد، والذي يسعى إلى اقصاء كل التيارات الإنسانية ذات النزعات المذهبية المختلفة. وقد قادت كلا الأيديولوجيتين إلى فظاعات إنسانية، بل إلى تدمير للثراء الميتافيزيقي للإنسانية، أي أنها سعت إلى هذا الحرمان الميتافيزيقي الذي ينتعش فيه التعصب والمذهبي، وكراهية الآخر، واللاتسامح، والعنف بشتى أنواعه.
وما هو مطروح علينا اليوم كمنشغلين بالتفلسف في عالم يتميز بسرعة تحولات جذرية تهم الأسس الفلسفية للعلاقات الإنسانية، هو هل بإمكاننا استعادة ميتافيزيقا مغايرة، تغني الحياة الإنسانية بتقديرها للكائن البشري؟
– 2-
الإنسان كائن فيزيقيي وجود جسدي، لكن فيزيقيته أو جسديته لا تتحقق إلا على نحو ميتافيزيقي، وبذلك يمكننا أن نعتبر أن الإنسان يعيش على الأرض ميتافيزيقيا، فمن غير ميتافيزيقا ليس للإنسان معنى أو قيمة يضفيها على وجوده الفيزيقي. هل معنى ذلك أن الدلالة منبعها ميتافيزيقي؟ وهل معنى ذلك أن هذه الدلالة هي بدورها منبع فن عيشنا في العالم الذي نوجد فيه، ومنبع كل اختلافاتنا وأنماط تفكيرنا؟ وهل الاختلاف نفسه بما هو اختلاف حقيقة ميتافيزيقية؟ وهل معنى الميتافيزيقا دوما كما هو الشأن، في الميتافيزيقا التقليدية والسكولائية هو التطابق بين الكائن والوجود، أم أنها تعني العلاقة بالآخر بوصفها ضيافة كما هو الشأن عند لفناس؟
حينما نزعم بأننا نعيش ميتافيزيقيا على الأرض، فليس معنى ذلك أننا نعيش خارج وجودنا الطبيعي المشروط بالزمان والمكان، ولكننا نعيش زمنيا كيفية تحقق كينونتنا، أي أن الكينونة التي تتحقق ليست هي مجرد وجود فيزيقي يتطابق مع كلية الوجود، بل هي وجود غدا واقعيا، وواقعيته ليست من نسيج التطابق، بل من نسيج الاختلاف. فالإنسان كائن ميتافيزيقي لأنه مختلف، لقد غدا ذلك الآخر الذي يفيض بالمعنى، وهو كائن مختلف لأن حقيقته الميتافيزيقية تجعله يعيش تجربة الحياة على نحو يعي فيه وعبره معنى الوجود، والعدم، القلق والطمأنينة، الهم والمتعة، العناء والسعادة، الألم واللذة، إلخ.. ومن ثمة فالميتافيزيقا هي خلاف الوجود.
تغدو الميتافيزيقا من خلال هذا المنظور تمرينا على الحياة في عالم تنكشف فيه كينونة الإنسان بوصفها برَّانية « Extériorité » أي بوصفها رغبة ميتافزيقية Désir métaphysique وتعال transcendance حركة ميتافزيقية تتجه ضد فكرة الكلية totalité أي ضد تشميل الوجود الإنساني واحتوائه داخل الموضوع المشيأ. ومن ثمة فالتعارض التقليدي ما بين النظري والعلمي ينمحي انطلاقا من التعالي الميتافزيقي حيث تتأسس العلاقة مع الآخر مطلقا، أو مع الحقيقة، بحيث تكون الإيطيقا هي المسلك السامي. يذهب لفناس بعيدا إلى حد المخاطرة بإبداء خلط ما بين النظري والعلمي، فيعتبرهما معا نمطين للتعالي الميتافزيقي، ويرى بأن الفينومونولوجيا الهوسرلية جعلت هذا الانتقال من الإيطيقا إلى البرانية الميتافزيقية ممكنا.
– 3-
توجهنا هذه الملاحظة إلى كتابات هوسرل المتأخرة، أي إلى كتابه الرئيسي “أزمة العلوم الأوروبية والفينومولوجيا الترسندالية” الذي انتقد فيه هوسرل العلم الحديث والنزعة الموضوعية لأنه يقصي مبدئيا تلك الأسئلة بالذات التي تعتبر هي الأسئلة الملحة للإنسان المعرض في أزمتنا المشئومة لتحولات مصيرية. الأسئلة المتعلقة بمعنى هذا الوجود البشري بأكمله أو لامعناه. والإعراض عن تلك الأسئلة الجوهرية أدى إلى أن تصبح الحقيقة العلمية الموضوعية مجرد تسجيل لما هو العالم، سواء العالم الطبيعي أو الروحي. “إن علوما لا تهتم إلا بالوقائع تصنع بشرا لا يعرفون إلا الوقائع” فهل يمكن في الحقيقة أن يكون للعالم والوجود البشري معنى إذا كانت العلوم لا تعتبر حقيقيا إلا ما يقبل الملاحظة الموضوعية بهذه الكيفية…؟ هل يمكننا أن نعيش في هذا العالم إذا كان حدوثه التاريخي ليس سوى سلسلة لا تنقطع من الاندفاعات الوهمية والخيبات المريرة؟
يرى هوسرل “أن المفهوم الوضعي للعلم، مفهوم اختزالي، فقد تخلى عن كل تلك الأسئلة التي تدرج تحت المفاهيم الضيقة تارة والواسعة تارة للميتافزيقا، وضمنها كل الأسئلة التي تنعت بأنها” الأسئلة العليا والأخيرة“عند النظر الدقيق تتمثل الوحدة الوثيقة لهذه الأسئلة، وكل تلك التي تم إقصاؤها عموما، في أنها تشمل بكيفية صريحة أو ضمنية، مشاكل العقل – العقل في كل أشكاله الخاصة. هذه المشاكل هي بكيفية صريحة، تيمة الفروع التي تهتم بالمعرفة، بالتقويم الحقيقي، وبالحق، وبالفعل الأخلاقي، وهنا يفهم العقل كعنوان للأفكار والمثل”المطلقة“،”الأبدية“،” فوق الزمانية“التي لها صلاحية”لا مشروطة“. عندما يصبح الإنسان مشكلا”ميتافزيقيا“، مشكلا فلسفيا نوعيا، فإنه يكون موضع سؤال ككائن عاقل، وعندما يكون تاريخه موضع سؤال، فإن الأمر يكون متعلقا”بالمعنى“، بالعقل في التاريخ.
تتخطى الأسئلة النوعية”الميتافزيقية“- من قبيل سؤال الإله، العقل”المطلق“، سؤال الخلود، الحرية – العالم من حيث هو كلية الوقائع المحضة، ومن حيث أنها أسئلة تقصد فكرة العقل، وهي كلها تحتل مكانة أعلى من أسئلة الوقائع التي توجد أيضا حسب نظام الأسئلة تحتها. وإقصاء هذه الأسئلة من قبل النزعة الوضعية، هو بحسب هوسرل إطاحة برأس الفلسفة، أي بالميتافيزيقا. وهو ما قاد إلى تحول غريب في التفكير بأكمله. فأصبحت الفلسفة بالنسبة لذاتها مشكلا، وفي البداية كما هو مفهوم، في صورة إمكانية الميتافيزيقا… أما العلوم الوضعية فقد ظلت في البداية قائمة كشيء لا يمكن التطاول عليه. إلا أن مشكل إمكانية الميتافيزيقا احتوى من تلقاء نفسه مشكل إمكانية علوم الوقائع التي يوجد سياق معناها…، في الوحدة الوثيقة للفلسفة.
إن الريب بصدد إمكانية ميتافيزيقا يعني انهيار الاعتقاد في العقل، وفي عقل مطلق يستمد منه العالم معناه، وفي معنى التاريخ، ومعنى الإنسانية، في حريتها من حيث هي ممكنة، في قدرة الإنسان على منح معنى عقلي لوجوده البشري الفردي والعام. أي في الإنسان ذاته، أي في وجوده الحقيقي المميز له، الذي يملكه في صورة كفاح من أجل حقيقته. وهذا الكفاح هو ما يميز تاريخ الفلسفة الحديثة من أجل معناها الحق، ومن أجل معنى بشرية حقة. يؤكد هوسرل أن الطريق الوحيد لجعل الميتافزيقا أو الفلسفة الشاملة تتحقق في مسار مليء بالعمل هو دفع العقل الكامن إلى الفهم الذاتي لإمكانياته، وبالتالي جعل إمكانية الميتافزيقا بينة كإمكانية حقيقية. بذلك فقط يتقرر الجواب عن السؤال: هل الغاية (Telos) التي تسكن البشرية الأوروبية منذ ميلاد الفلسفة اليونانية … مجرد مكسب عارض لبشرية عارضة وسط بشريات مختلفة تماما، أم أنه بالأحرى قد انبثق لأول مرة مع البشرية الأوروبية ما هو متضمن ككمال أول (Entéléchie) في ماهية البشرية بما هي كذلك؟ تعني البشرية عموما في ماهيتها أن نكون بشرا في أشكال بشرية مترابطة من خلال الأجيال والعلاقات الاجتماعية. وإذا كان الإنسان كائنا عاقلا، فإنه لا يكون كذلك إلا إذا كانت إنسانيته عاقلة – سواء كانت متوجهة بصورة كامنة نحو العقل أو متوجهة بصورة صريحة نحو الكمال الأول، الذي أتى إلى ذاته، وتجلى لذاته، وأصبح بضرورة ماهوية موجها بكيفية واعية للصيرورة البشرية. بناء على ذلك ستكون الفلسفة أو العلم الحركة التاريخية لانكشاف العقل الشامل”الذي يسكن“البشرية بما هي كذلك.
تغدو الفلسفة من هذه الوجهة مسؤولية إزاء الوجود الحقيقي للإنسانية الذي لا يعتبر وجودا إلا بالنظر إلى غاية، ولا يتحقق إلا بفضل الفلسفة. وسيتبين مع المهمة الجديدة للفلسفة وأرضيتها القطعية الشمولية الإمكانية العلمية لفلسفة جديدة، عن طريق الفعل، لكن سيتبين أيضا أن فلسفة الماضي كلها. كانت دون وعي منها، متجهة داخليا نحو هذا المعنى الجديد للفلسفة ومن ثمة فالمسؤولية تقتضي الكفاح لتخليص الإنسانية من عداء الروح ومن البربرية المتوحشة ومن حريق الابادة ، ومن رماد العياء الكبير، قصد انبثاق حياة داخلية جديدة وفعالية روحية جدية كعربون لمستقبل كبير وبعيد للإنسان ذلك أن الروح وحده لا يموت. الأمر إذن يقتضي استعادة الميتافيزيقا وربطها بالعالم المعيش، فعالم العيش هو عالم الروح، أو عالم الإنسانية المسؤولة. 
– 4-
يفتتح لفناس القسم الأول من كتابة”الكلية واللاتناهي“بحث في البرانية والعبارة التالية:” الحياة الحقة غائبة“غير أننا نوجد في العالم.
وإذا كانت الحياة الحقيقية غائبة، بسبب الحروب والعنف الماثل في التجربة البشرية، فإن ذلك يعد بمثابة حجة ودعامة تقوم عليها الميتافيزيقا.” إنها توجه إلى -الخارج- و- المخالفة – والآخر- فتظهر بالفعل، كحركة تنطلق من عالم مألوف لنا – مهما كانت الأراضي التي ما تزال مجهولة والتي يضمها أو يخفيها – من “حُضن الذات” « chez soi » الذي نسكنه، باتجاه الغريب الخارج – عن- الذات، باتجاهِ ما، هناك، هذه الحركة نحو الخارج والآخر يعبر عنها“لفناس، بالرغبة الميتافزيقية. Le désir métaphysique التي تنزع نحو كل شيء آخر، نحو الآخر على الإطلاق. فالميتافيزيقا ترغب في الآخر من غير إرضاء أو إشباع sans satisfaction ، خارج الجوع الذي يمكن إشباعه أو العطش الذي يمكن إرواؤه، والآخر المرغوب فيه ميتافزيقيا ليس”آخر“كالخبز الذي آكله، كالبلد الذي أقطنه، كالمنظر الذي أتأمله، بل ليس هو أحيانا الذات عينها بالنسبة للذات، أو هذه الأنا، وذاك” الآخر“ففي هذه الوقائع يمكن لي أن” أتمظهر“وأرضي نفسي ، بقدر كاف، كما لو كنت في حاجة ماسة لها. لكن الرغبة من غير إرضاء تنزع نحو غيرية وبرانية الآخر. فهذه الغيرية بالنسبة للرغبة، لا تطابق الفكرة أو معنى ما. فهي هنا بمثابة غيرية الغير Autrui وبمثابة العلو السامي. وبعد السمو ذاته ينفتح بالرغبة الميتافزيقية. ولا يعني السمو هنا السماء، بل هو اللامرئي، هو علو السامي ونبالته. ففي الموت من أجل اللامرئي تتجلى الميتافزيقا.
الحركة الميتافزيقية متعالية، وبوصفها رغبة ولا تطابق فهي بالضرورة تعال transcendance والتعالي هو حركة مضادة لأي تشميل كلياتي أو أي اختزال أنطولوجي تقتصر مهمته على إرجاع الآخر إلى عين الذات، أي حرمان الكائن من بعده الميتافزيقي المتمثل في الغيرية، ومن ثمة امتلاك الآخر ونفيه.
وإذا كانت الأنطولوجيا في التقليد الغربي فلسفة أولى فهي لذلك فلسفة قوة وتملك.
الغير في الاستعادة الميتافزيقية عند لفناس ليس هو فقط أنا آخر، بل هو ما ليس أنا. فبرانية الآخر”ليست ناجمة عن المكان الذي يفصل ذلك الذي يصير بواسطة المفهوم مطابقا، وهي ليست ناجمة عن اختلاف ما يظهر حسب المفهوم بواسطة البرانية المكانية، فعلاقة الغيرية ليست من قبيل العلاقة المكانية ولا المفهومية. إذن الآخر ميتافزيقيا هو ما ينكشف في حركة التعالي، لأنه كوجه يتحدده معناه بذاته ولا يخضع للمعرفة. وفي الوجه تتأسس العلاقة الإيطيقية، بما هو أثر لللامتناهي اللامرئي. ذلك لان الماهية الحقة للإنسان تمثل في وجهه، بحيث يكون مختلفا تماما عن أي عنف ماثل. فحقيقة الوجه تشل عنفي من خلال ندائها المسالم الآتي من العلو. وحقيقه الكائن ليست صورة للكائن، أو فكرة عن طبيعته، ولكنها تتموضع داخل حقل ذاتي يحور الرؤية، غير أنها تسمح للبرانية بأن تعبر عن ذاتها بكامل وصيتها وسلطتها وسموها.
إذا كان الكائن هو البرانية، فإن برانية الكائن هي الأخلاقية ذاتها.
ميتافزيقا لفناس هي إذن علاقة مع الآخر، تكتمل بوصفها خدمة service وضياف، وإذا كانت كذلك فمعناها مختلف تماما، وما دام أن حركة الكائن تقود نحو المتعالي كما هو، فإن التعالي لا يعني حيازة ما هو كائن، بل يعني احترامه وتقديره. والحقيقة بوصفها تقديرا للكائن هي معنى الميتافزيقا.
وبعد،
لماذا استعادة الميتافزيقا الآن؟
نستعيد الميتافزيقا من أجل غاية مزدوجة، من أجل إمكانية انكشافها على نحو مغاير أو من أجل تحققها العيني داخل الفضاء الإنساني المشترك، كثراء أو غنى روحي، بما هي تعبير عن إنسانية الإنسان مقابل وحشية الوجود. ومن أجل إضفاء المعنى على وجودنا، أي من أجل استعادة قيمتنا الإنسانية التي تهددها النزعة الكلية التي تصير الحوار الإنساني مستحيلا. كما تصير الإنسان ذاته مجرد وسيلة من أجل غايات لا إنسانية.
ليست إذن الغاية من الميتافزيقا المستعادة البحث عن العلة الأولى للوجود كما هو الشأن في الميتافيزيقا التقليدية الأونطولوجية. فقد غدا ذلك مستحيلا منذ كانط، ولكن مجال الميتافزيقا غدا هو الإنسان ذاته، بما هو ما وراء الوجود، ولا يعني الماوراء، مفارقة العالم، بل هو المشاركة في عالم إنساني مغاير لعنف الوجود وحياديته ووحشيته. غاية الميتافزيقا المستعادة تتمثل في مواجهة الاغتراب داخل الوجود بألفة الضيافة في مسكن العالم الإنساني. فالعالم تأسيس ميتافزيقي من خلال هذا المنظور، ومن ثمة يكون الإنسان ذاته أساس العالم “علة تأسيسية”. وهذا هو البعد الميتافزيقي لهذا المفهوم الذي ما نزال نشتغل عليه، باعتباره محورا من محاور تفلسفنا.
حينما نقول بأننا نعيش ميتافزيقيا على الأرض، لا يعني ذلك سوى أننا نمنح بما أننا “علل تأسيسية” هذه الأرض التي تحضننا قيمة إنسانية تحمينا من عنفوان تسلطنا وعنفنا ضد بعضنا البعض. كما تحمي الأرض ذاتها من سلطة تكنولوجيا تكتسح الأرض وتحولها إلى أشلاء فاقدة الخصوبة والعطاء. أليست الميتافزيقا هي “نَهج” لحمايتنا معا (الإنسان والأرض)؟، أليست منقذا لنا حيث الخطر الداهم على مسافة قريبة منا؟.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق