أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة

حين تسلّمت من الصّديقة مفيدة العبّاسي الملفّ المتقادم الذي يضمّ وديعة شكري بلعيد الشعريّة منذ أن انقطع عن نظم الشعر وجدت نفسي متهيّبا، وقلّما أتهيّب، لأسباب لم أتبيّنها على أفضل وجوهها.
كنت متأكّدا من أنّني سأبرز للناس من أوراق الديوان المخطوط وجها آخر « للشهيد السّعيد » (بعبارة رفيق دربه الفقيد سنان العزّابي)، وجه الشّاعر ذي الغريزة الشعريّة. فشكري بلعيد كان، من أوّل ما عرفته وهو تلميذ سنة 1981، شاعرا يبني شخصيّته الثقافيّة والفكريّة بمطالعة الأدب شعرا ومسرحا ورواية بقدر ما يبنيها بمطالعة الكتابات ذات الطابع الفلسفيّ والإيديولوجيّ والسياسيّ. ورأيي أنّ وجه المثقّف، واسع الثقافة، علاوة على ذكاء وقّاد وحسّ نقديّ رفيع وكفاءة عالية في الحجاج والجدل، هو الذي يسّر لوجه السياسيّ منه أن يكون على ما عرفه الناس عنه من فصاحة في التعبير وسلاسة في التفكير وحضور بديهة.
وما إن انفردت بأوراق الصّديق الشهيد حتّى طفقت أقلّبها وأقرأ ما فيها. تذكّرت بعضها الذي كان يتلوه على مسامعي، ونحن فتية نحلم بالدخول إلى مملكة الشعر والشعراء نمارس هواية التجوال والنّقاش في شارع العصافير بين باب البحر ومحطّة أرتال الشمال. ولكنّني وجدت جلّها جديدا أجوَدَ ممّا أعرف فقد جاس فيه، بحكم الخبرة والسنّ والوعي والمراس الشعريّ، مناطق من الذات والكيان حميميّة وضرب في أرض القول الشعريّ مجرّبا صيغا في التعبير أدقّ وأرحب. غير أنّني، في جميع ذلك، وجدتُ وعدَ الشاعر الذي كان سيصبح شاعرا مجيدا جديرا بأن ينشر شعره على النّاس ويعرض على عشّاق الأدب ليتناولوه ويقاربوه على أساس من شعريّته لا على أساس أنّه من ميراث السياسيّ الذي غدرت به رصاصات القتلة فأدمت عليه القلوب لوعة وأسى رفعاه إلى مصاف الرمز الوطنيّ.
لم يكن هاجسي أن أتجنّب النظر في وجه السّياسيّ الشهيد من صديقي المغدور بل القصد، كلّ القصد، أن يكرّمه أحباء الشعر على اعتبار «فحولته الشعريّة»، كما يقول النقّاد القدامى، حتّى لا يهضم له حقّ أراده في حياته، ولا ريب، ولكنّه تهيّب منه ربّما أو لم يجد الوقت لإنجازه. فقد حدّث أحد الصحفيّين في حوار له منشور عن استعداده لنشر مجموعته الشعريّة التي اخترنا عنوانها «أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة» مذ كنّا نخربش الشعر في بداية الثمانينات ونحلم بنشر مجموعة مشتركة باسمينا. غير أنّه غاب في النضال الطلاّبيّ ثمّ سافر إلى العراق وعاد ليساهم في الحركة الحقوقيّة وتركت أنا الشعر إلى البحث. فرّقتنا سبل الحياة ولكنّ صداقة الشعر والرّوح ظلّت، رغم السنين، قائمة لم تزدها الأيّام إلاّ ألقا وتوهّجا.
وربّما في هذا تحديدا بعض ما يفسّر ما انتابني من تهيّب منذ أن أخذت المخطوط من صديقتنا المشتركة التي أودع الفقيد عندها، بعد عودته من العراق، أشعاره. فلعلّ واجبَ الوفاء لصديق عزيز سخيّ بفكره وجدله والحرصَ المبالغ فيه على أن يظهر هذا الديوان للناس في حلية تليق بصاحبه وبقصائده جعلاني أشعر بثقل المهمّة. فثمّة شيء ما لم أتمكّن إلى الآن من أن أفسّره في علاقتي بأوراق شكري بلعيد: كنت أسمعه يتلو عليّ قصائده وأنا أقرأ أوراقه وأسعى إلى تحقيق كلمة مطموسة أو تبيّن سطر مكتوب على عجل أو التثبّت من بيت مشطّب تداخل مع سطر شعريّ آخر. غير أنّ هذا الحضور الروحيّ الطاغي زاد في تهيّبي خصوصا أنّني كنت أمام أوراق جلّها غير مرتّب تاريخيّا. فلئن كانت جميعها تقريبا قصائد بخط شكري بلعيد الذي أعرفه جيّدا فإنّ القليل منها مؤرّخ وبعضها يتكرّر في نسخ مختلفة لا أحد يمكنه أن يجزم أيّها تمثّل الصيغة الأخيرة التي رضي عنها صاحبها. والمفارقة أنّ هذه الرحلة الفكريّة والتخييليّة في عالم شكري بلعيد الشعريّ سمحت لي أن أتتبّع تطوّر تجربته وتحوّلات أسلوبه في الأداء وأن أغوص في تفاصيل من معجمه وطرقه في تركيب القول ما كان من المتيسّر لي أن أعرفها لولا هذا المشقّة المرهقة الشيّقة.
وكلّ أملي أن أكون بهذه المجموعة قد ساهمت في تحقيق رغبة الشاعر الشهيد في أن يخرج إلى الناس شعره وحرص صديقتنا المشتركة على ان تبلّغ الأمانة التي شرّفتني بالاطّلاع عليها وسعيي الشخصيّ إلى أن أكون، علاوة على رغبة الصديق وحرص الصديقة، وفيّا بعض الوفاء لشاعر بدأت معه الضرب في فيافي الشعر والفكر فأهدتني الصّدفة فرصة إخراج صورة أخرى عنه جميلة ناصعة.
وقد عملت جهدي على أن تكون نصوص هذه المجموعة ممّا أرجّح أنّ شكري بلعيد يرضى عنه. فحذفت من المخطوط النصوص التي مثّلت ما سمّيته في البداية «دفتر الفتى» وهي قصائد تعود إلى بداية الثمانينات إذ كتب الشاعر أولى قصائده المؤرّخة في المخطوط سنة 1980 وهو في السادسة عشرة من العمر. وربّما نشرنا يوما هذه القصائد المتبقّية من باب حفظ أرشيف الشاعر. فلهذه النصوص ولا شكّ قيمة توثيقيّة وأخرى جماليّة تبيّن تتطوّر التجربة الشعريّة.
أمّا القصائد التي رأينا نشرها لما فيها، في الأغلب الأعمّ، من نضج فنّيّ فقد قسّمناها إلى أبواب ثلاثة سمّينا كلّ باب منها دفترا. أوّلها « دفتر الغريب » وجلّ قصائده تعود إلى ما بعد خروجه من الجامعة وقبل رحيله إلى العراق. وبين هذه القصائد من الوشائج الفنّيّة والمضمونيّة والتخييليّة ما ييسّر على الناظر في شعر شكري بلعيد أن يرى الوجه الذاتي من الشاعر والروحانيّة العميقة التي تقود كثيرا من قصائده. وثانيها « دفتر العاشق في بغداد » وهذا الدفتر يتكوّن من قصيدة بديعة بعنوان «نشيد بغداديّ على إيقاع كرديّ» ومقاطع شعريّة مستلّة من رسائل شخصيّة تطفح عشقا وحنينا وذكريات ووجدا وجّهها الشاعر إلى حبيبته التّي كان يكنّيها بـ« مليكة النوّار ». وهي رسائل ستكشف، لو نشرت، عن شخصيّة عاشق رقيق. ولعلّ هذه النصوص البغداديّة من آخر ما كتب الشاعر إن لم تمثّل آخر عهده بالشعر.
أمّا ثالث الدفاتر فقد اخترنا له عنوانا رأيناه معبّرا عن شعر شكري بلعيد الشاعر الملتزم في غير مباشراتيّة فجّة وهو « دفتر المصارع الطبقيّ ». وهي قصائد تعود في أغلبها إلى أواسط السنوات الثمانين.
وعلى هذا فمن المفيد أن ننبّه إلى أنّ ترتيب الدفاتر الثلاثة لا يخضع إلى منطق زمني تاريخيّ بما أنّ آخرها يتوسط القصائد التي كتبت قبله ولكنّ كلّ دفتر بالمقابل يتضمّن قصائد متقاربة في زمن نظمها تمثّل، في ما بدا لنا، وحدة في الموضوع وأسلوب التعبير والأكوان الشعريّة.
وننبّه كذلك إلى أنّ تصرّفنا في النصوص وتحقيقنا للمخطوط لم يتعدّ تصويب بعض السهو في الكتابة أو الأخطاء اللّغويّة في الرسم. فهدفنا أن نقدّم صورة أقرب ما تكون للصيغة التي وجدنا عليها الديوان.
وكلّ أملنا أن نكون قد ساهمنا، بنصيب ولو ضئيل، في التعريف بوجه من وجوه شخصيّة الصديق الشهيد يسعد بها وهو في أبديّته وعرّفنا كلّ من أحبّ هذا الرمز الوطني من رفاقه وأحبابه وأصدقائه وعامّة التونسيّين والعرب والأصدقاء من العالم كلّه بشكري بلعيد الشاعر.
ولا يسعني إلاّ أن أشكر كلّ من ساعد على تحقيق هذه المجموعة وأخصّ بالذكر السيّدة الصديقة مفيدة العباسي التي وفّرت جميع النصوص الأصليّة وحتّى الرسائل الشخصيّة. وأشكر أيضا الصديق شكري الحميدي على ما أمدّني به من نصوص شكري بلعيد المصوّرة بالآلة الناسخة لمعارضتها بالأصول التي بين يديّ والأستاذ الصديق سهيل الشملي الذي راجع معي النصّ النهائيّ مرقونا للتثبّت والتدقيق. ولا يفوتني أن أشكر الأستاذ سامي الطاهري الذي تابع جميع مراحل هذا التحقيق وذلّل الصعاب لينشر في أفضل صورة سهر عليها السيّد محمّد الدريسي في التصفيف والسيّد محمد كريم السعدي في الإخراج الفنّيّ.
وكلّ العرفان لعائلة الفقيد التي وافقت على أن يُخرج الاتّحاد العام التونسيّ للشغل للناس هذه المجموعة محقّقة بذلك، ولا شكّ، أمنية عزيزة على قلب الشهيد الرمز. وما اختيار منظّمة حشّاد ناشرا إلاّ وجه من وجوه تحقيق هذه الأمنية كما تصوّرناها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق