استعادة شخصية لإلياس مرقص في الذكرى 24 لوفاته (1929ـ1991) / منذر مصري

أعمل هذه الآونة، في ما يمكن اعتباره العمل الرئيسي في تجربتي. نوع من السيرة الشعرية، عنوانه المبدئي: «رجل أقوال«، وكان مقتصراً على ما أطلق عليه، إحضاراتي الشعرية، جمل وصور وأفكار، منها استخدمتها في كتابة قصائدي ومنها لم يتح لي استخدامها، إلا أنه بسبب ميلي المعروف للاستطراد والتركيز على التفاصيل، أو ربما لشعوري الحاد بقرب نهاية العالم، نهاية النهايات، بات يحتوي تقريباً على كلّ شيء عني، أو ربما أكثر من كلّ شيء، لأنه يحتوي أيضاً أشياء كثيرة عن أناس آخرين كانت لهم أدوار تتراوح أهميتها في حياتي، الذين لولاهم، لولا عبورهم بي، وعبوري بهم، لكنت إنساناً آخر، منذر مصري آخر، ليس أفضل بالتأكيد، مع أني، دون أي رغبة في التواضع، لا أعتدّ كثيراً بما أنا عليه اليوم، وهذه حقيقة يدفعني لقولها، أنه كان من المفترض بي، بسبب هؤلاء الناس، ولأجلهم، أن أكون إنساناً أفضل بقدر ما؛ أكثر شجاعة، أكثر كرماً، أكثر قدرة على التضحية، وأكثر من أي شيء.. أكثر حرية. وهؤلاء الآخرون ليسوا اثنين أو ثلاثة، أو حتى قلّة يمكن تعدادهم، بل هم كثيرون لدرجة أنه لا يمكن التفكير بحصرهم، فمنهم أناس بالكاد عرفتهم، وربما لم تسمح معرفتي بهم أن أحفظ أسماءهم، إضافة إلى أن أحداً لا أظنه يهمه أسماؤهم، قالوا لي شيئاً، أو فعلوا أمامي شيئاً، واختفوا. ومنهم أناس عشت معهم يومياً، لأشهر، ولسنوات، وكانوا جزءاً من حياتي، علموني كل ما أعرف؛ ما أريد أن أعرف وما لا أريد أن أعرف، غير أنهم جميعاً على اختلافهم، مضوا، أو أنهم سيمضون، كما بالتأكيد أنا سأمضي، كما جميعنا سنمضي.

واحد من هؤلاء، الياس مرقص، الذي كان لقائي الأوّل به، رغم أنه من أبناء مدينتي، إذا لم أقل من أبائها، عن طريق كتابين له، استخدمتهما كمرجعين في رسالة تخرجي من كلية العلوم الاقتصادية في حلب: (دروس وتجارب اشتراكية: كوبا- إثيوبيا- اليمن- فيتنام)، التي تشاركت بها مع ثلاثة طلاب عرب أنهوا دراستهم الجامعية عام 1971 معي، وهم؛ الفلسطيني نعمان كنفاني، الأخ الأصغر لغسان كنفاني، والمغربي عبد اللطيف عواد، والسوداني عمر عبد السلام. أوّل هذين الكتابين كان ذلك المجلد الضخم (الماركسية والشرق/1968/دار الطليعة/بيروت)، وثانيهما، وها هو أمامي، الطبعة الثانية من الكتاب، الذي من دون أية مبالغة، رسم الجزء الأكبر من أفق تفكيري الثقافي والسياسي لليوم: (الماركسية في عصرنا/طبعة أولى1965- طبعة ثانية1969/دار الطليعة/بيروت) الكتاب الوحيد الذي أعيد طبعه لإلياس مرقص من بين جميع كتبه. وبعدها تحول هذا الإنسان إلى صديق ومعلم شخصي لي، ولأكون أحد الأشخاص القريبين منه، الذين رافقوه إلى الخط الأخير من حياته.

لا حاجة لي بعد هذا التقديم، بالتعريف بالرجل ولا بأهميته، كتبه والكتب التي نشرت عن سيرته، والأبحاث التي قدمت عنه، وأخص بالذكر تلك المحاضرة التي ألقاها عبد الله هوشة في منتدى الأتاسي بدمشق، بعنوان (الفكر السياسي عند الياس مرقص)، وكذلك المتابعات والاستعادات التي نشرت بعد وفاته، التي أرى أنها على قلتها وتواضعها، كفيلة بهذا وأكثر، فمهمتي هنا تقتصر على نقل المقاطع، غير المترابطة، التي جاءت على ذكره في «رجل أقوال«، العمل الذي أجدني أهرب إليه، بعيداً عن كل ما يعتري حياتي وحياة من حولي هذه الآونة، آملاً منها أن تقوم برسم جزء من صورة الياس الإنسانية أكثر من أي شيء آخر. يتبع هذه الاستعادة الشخصية، بعض المقتطفات من كتابه «المذهب الجدلي والمذهب الوضعي«، الذي يظهر ما كان يشغل فكر الياس مرقص، في وسط الأزمة الحادة التي كانت تعبر بها سوريا في بداية الثمانينات، التي يعتبرها البعض، على كارثيتها، صورة مصغّرة لما يحدث في سوريا اليوم.

ـ 31/10/1974: قام رئيس فرع الأمن العسكري (ح. ب) بزيارتي في بيتي، وبعد معاينته السريعة لرسومي، أبدى موافقته الشفهية على إقامة المعرض، وهو يقول لأبي ممازحاً: «لولا معرفتي بكم لكان من الواجب أخذ منذر إلى الفرع للتحقيق معه في معاني هذه الرسوم«. اضطراري لأخذ هذه الموافقة، جاء من كوني ضابطاً مجنداً في إحدى القطع العسكرية في اللاذقية.

ـ افتتاح معرضي الثاني في قاعة مركز الفنون التشكيلية، بعد أن تغاضيت عن ذكر المحافظ أو مدير المركز الثقافي في بطاقة الدعوة، جاءت أمي وقصّت بنفسها الشريط. فقال سعد يكن وقتها: «أول ما رأيتها، كانت على شكل مساحة بيضاء«.

ـ على دفتر زوار المعرض، وبعد حوار من طرف واحد، ونحن ننتقل من أمام هذا الرسم إلى ذاك، وينتقل معنا رهط من الزوار، كتب الياس مرقص: «لئن كان الفن تعبيراً عن تطلع الإنسان فمن الواضح أن هذا التطلع غير محدود وأن عصرنا بانسلاباته المتنوعة والآخذة في التعمق يخلق ردوداً متنوعة وبالغة الحدة أرجو أن تصب جميعاً على انعتاق الإنسان وسعادته وديمومة النوع. وإني إذْ أبدي إعجابي وسروري بما رأيت أشكر الأخ منذر وأتمنى له دوام التوفيق«.

ـ 16/10/1977: البارحة كان افتتاح معرضي الثالث، شعرت وكأن الجميع يشاركونني عدم قناعتي بالرسوم! ولكن شيئاً فشيئاً بدأ بعض الزوار يبدون بعض الإعجاب بما يرون. أما الياس مرقص فقد أعجبه كلّ شيء، مما أراح قدميّ قليلاً.

ـ يحدثني الياس في المعرض عن جلسائه من الشيوعيين اللاذقانيين، بطريقته الخاصة في القص، وكأنها متابعة لما كان يجري من حوار: «إذا قلت لهم إن هذا قاله روجيه جارودي، أو قلته أنا، أو قاله مكسيم رودنسون، يعارضون، وينقدون، ويتهجمون، ثم إذا ذكرت لهم قولاً لكارل ماركس أو لينين يؤيد ما قاله جارودي أو قلته أنا، يقولون: لا .. ماركس كان يقصد بأن.. ولينين كان يعني أنه..»؟!

ـ يقول لي الياس: «عندما أقارن نفسي بجارودي أو إسحق دويتشر أو رودنسون أجد نفسي صغيراً جداً، ولكن عندما أقارن نفسي ببعض الماركسيين العرب، أجد نفسي عملاقاً. ثم يضيف مباشرة: أرجوك لا تعتبر هذا تباهياً، بالعكس، إنه أقرب لهجاء مقذع لمستوانا الفكري والمعرفي.

ـ 28/5/1980: بعد أن قدمت لإلياس مرقص كتابي «بشر وتواريخ وأمكنة«، التقيت به من دون موعد في مقهى البستان، ودون أن أسأله ما إذا كان قد قرأ الكتاب؟ بادرني بقوله إن ما لفت نظره هو ذلك الجواب الرهيب الذي يردّ به المغربي عبد اللطيف عواد علينا، عندما نناديه شاتمين: «يا بربري« فيجيبنا مقهقهاً وقد تقوّس ظهره: «يا عرب«.

ـ لم يتطرّق الياس في حديثه عن كتابي سوى عن لغتي، ليقول لي إنني أستخدم لغة متقشفة، وسيلة لأداء المعنى، لا غير. أي أنه لم يجد في شعري شغلاً على اللغة. وهذا برأيه ما يمكن اعتباره الشيء الجديد في شعري، ذلك لأن لغتي تمضي بعكس اتجاه مفهوم العرب عن لغتهم، حيث أن العرب بإصرارهم على عروبة لغتهم، على صفتها، «لغة عربية عربية عربية« يكادون أن يضيعوا اللغة نفسها، كجوهر ومفهوم ووظيفة.

ـ 4/1/1982: في طريقي لبيت بوعلي ياسين، مررت على الياس مرقص الذي كان عائداً من بيروت في اليوم السابق، واصطحبته معي للسهرة، من دون أن يتاح لي الاتصال ببوعلي لإخباره، فقد كنت أعلم أنه سيسر كثيراً به. استقبلني ميشيل كيلو الذي كان قد سبقنا، وقد فاجأه حضور الياس، عندها وجدت المناسبة لأمازحه حول عادته في احتكاره معظم الكلام في جلساتنا قائلاً: «أحضرت أبو زياد ليأخذ عنك كتفاً في الكلام«، فما كان منه، بسرعة بديهته المعروفة، إلا أن ردّ لي الصاع صاعين وقال،: «البركة فيك يا أخي«.

ـ 8/9/1984: تلهيني مكتبة (فكر وفن) التي أنشأتها، عن كل شيء، فلا رسم ولا شعر ولا حتى قراءة وشراء كتب، بل العكس، ها أنذا أبيع كتب مكتبتي الخاصة، وبخاصة تلك التي لم أحتجها يوماً ولن أحتاجها أبداً. إلاّ إني أحظى بزيارات يومية لإلياس مرقص، فبيته الجديد يقع على مبعدة أمتار من مكتبتي. يمرّ ويحييني ذهاباً وإياباً، وأحياناً يجلس عندي بعض الوقت، أسمعه وأحدثه عن موسيقى الجاز، لا يستنكر ولا يرتاب بأي نتاج حضاري حديث، خلاف الأستاذ محمود عجان وأيضاً الأستاذ جبرائيل سعادة، المتعصبين للموسيقى الكلاسيكية. البارحة قال لي: «صحيح هناك موسيقى شرقية، عربية أو فارسية أو هندية، جميلة، ولكن شيئاً لا يقارن بعظمة وروعة الموسيقى الغربية«.

ـ 13/3/1986: دخل الياس مرقص هلعاً إلى المكتبة: «منذر منذر، أتصل بي أحدهم و قال إن الحطينيين ضربوا زياد في الصالة المغلقة«. أغلقنا المكتبة وذهبنا بالسيارة أنا ومصطفى عنتابلي وحسان زريق إلى الصالة المغلقة عند عامود (السانت ألكسي) أو بلفظ اللوادقة (السانكلس)، حيث كانت تجري مباراة كرة السلة بين فريقي حطين وتشرين. طوال الطريق كان الياس يلهج: (يا رب يا رب.. يا يسوع يا يسوع.. يا مسيح يا مسيح). وعندما وصلنا اكتشفنا أن الأمر كان مزحة سمجة من قبل أحد أصدقاء زياد.

ـ 6/8/ 1988: رويت لإلياس مرقص، ما نقلته لي إحدى معلمات ثانوية الكرامة للبنات، كيف أن الشاعرة هند هارون بعد أن أقالوها من منصبها كمديرة المدرسة، ذهبت إلى دمشق وقابلت الرئيس حافظ الأسد، الذي قال لها، كما أخبرت الجميع: «لا تقلقي يا أم عمار.. ستبقين مديرة مدرسة الكرامة ما دمت أنا رئيس الجمهورية العربية السورية«. لم يضحك الياس كما كنت أتوقع، لكنه أخذ القصة إلى أبعد مراميها، وصار يردد: «فظيعة.. فظيعة«.

ـ 3/1/1990: خلال نقاش دار البارحة في بيت الياس مرقص، اصطفّ الياس معي في فكرتين، الأولى فيما يتعلق بالترجمة، حيث كان رأيي، بمواجهة ما كان يقوله أكثر الحاضرين بأن الترجمة خيانة للنص، وبأن الشعر لا يترجم. أن الترجمة ربما في الأدب، الكاشف الحقيقي عن القيمة الإنسانية للنص المترجم. فكان رأي الياس أن الضرورة القصوى للترجمة كوسيلة لنقل المعرفة وترابط الجنس البشري، يغطّي كل عيوبها. أما فكرتي الثانية بوجوب بقاء الانتفاضة الفلسطينية سلمية، وكنت أعرف رأي الياس سابقاً في هذا الموضوع، فقد قال: «من يدعو ويدفع بالفلسطينيين لاستخدام السلاح إذا لم يكن عميلاً فهو مجنون«.

ـ 9/8/1990: علمت أن مرض الياس مرقص، صديقي ومعلمي وأبي الفكري، هو سرطان البنكرياس، وليس كما أخبروه وكما كان يخبرنا بأنه يعاني التهاباً مزمناً في البنكرياس، بترداده: «مجرد احتضار طويل، قد يستغرق أكثر من السنوات التي من المقدر لي أن أعيشها«!؟

ـ 15/1/1991: زرت الياس مرقص، من الساعة /7.30/ حتى /9.30/ مساء. لا يستطيع القيام عن السرير، ازداد نحولاً وضعفاً، يصرخ، يطلب من الموجودين إمساك يده. عندما تعطيه ماري الحقنة، يسألها إذا كانت تسمح له بالصياح!؟ أمسكت أنا بيده الصغيرة الشاحبة ذات الشعيرات الطويلة، وقبلتها، وأدمعت. يردد: «بسم الآب والابن والروح القدس« و«يا فاطمة«. ثم يقول لي، وقد خفف المورفين من آلامه: «إذا شفيت، سأدور أنا وأنت يا منذر كل المزارات، وسنصلي في الجامع«. أقول له: «منذ 30 سنة، أنا يا أبو زياد، لم أدخل جامعاً، ولا أعرف كيف أصلي، ولكن نعم سنصلي معاً في جامع المغربي، بالتأكيد«.

ـ د. وهيب الغانم، يقول: «لا تبخلوا عليه بالمورفين، ضيف خفيف«.

ـ 22/1/1991: أزور إلياس مرقص، أجلس في الصالون مع ماري وبعض الزوار الآخرين، ولكن لا أحد يدخل غرفته.

ـ 26/1/1991: السبت، أخبروني أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، الساعة /10/ مساء أعلن خبر وفاة إلياس مرقص.

ـ 28/1/1991: جنازة إلياس مرقص، حضر الكثيرون من دمشق وحمص وحلب، منهم هاني الراهب وعبد الرزاق عيد وجمال باروت الذي عرفني وأنا لم أعرفه. وكان أيضاً نبيل سليمان وبوعلي ياسين ووفيق خنسة وآخرون. انحشرنا جميعنا في قاعة الكنيسة الصغيرة عند مدخل مقبرة الأرثوذوكس في الفاروس. حيث ظل الخوري الشاب ذو اللحية الطويلة المشعثة، يتبعه طفل يرتدي ثوب الكهنة، يرتل وينفث البخور ويقرع الأجراس حتى داخ الجميع.

– قال لي عبد الرزاق، كنا نظن أننا نحن المسلمين متخلفون، أنتم المسيحيين ما زلتم في العصور الوسطى. ظاناً أنني مسيحي كما أكثر الذين لا يعرفونني إلا بالاسم.

ـ 28/1/1991: سهرتنا كانت في بيت يوسف جهماني، نبيل سليمان وبوعلي ياسين وعبد الرزاق عيد وجمال باروت وأخوه الذي جاء بهم في سيارته، وضابط في من رفاق يوسف. النقاش كان على أشده، بخصوص الحرب على العراق، وصدام حسين، وما إذا كانت الكويت محافظة من محافظات العراق، كما لبنان بالنسبة لسوريا، وهو ما يصدق به الجميع، ما عداي. كنت، خلافاً لبوعلي وعبد الرزاق، لا أرى في صدام حسين بسمارك العرب، ومع أن تخرج قواته من الكويت، إذا لم يكن باتفاق ما، فبالقوة. يسأل الضابط بوعلي ياسين ما إذا كان مستعداً للحرب في صف صدام حسين؟ يجيب بوعلي: «أنا لا استطيع حمل بندقية، ولكن…«. يقاطعه عبد الرزاق عيد صائحاً: «أنا مستعد«.

ـ كانت الساعة قد قاربت الخامسة فجراً عندما قررت المغادرة، والذهاب للبيت. العتمة الحالكة للدرج جعلتني أندم وأفكر بالعودة، لولا أني لن أعرف في أي طابق بيت يوسف. ولكن ما أن وصلت للمدخل حتى ساورني قلق مبهم، بأن شيئاً سيئاً سيحدث، لذا فضلت أن أسلك الشوارع الفرعية بدل شارع عمر بن خطاب الرئيسي، تجنباً للدوريات الأمنية الليلية التي تجوب المنطقة. لم أمكث في البيت سوى ساعتين وها أنذا في المديرية، بوعلي ليس حاضراً كما توقعت.

ـ 31/1/1991: ما زال بوعلي غائباً، الأمر الذي أعاد لي إحساسي بذلك القلق، فطلبت من سميرة عوض زميلتنا في العمل، أن تتصل بسلمى زوجته، التي أخبرتها بأنه لم يغادر السرير منذ عودته من فرع الأمن العسكري البارحة. ما أوجب علي التوجه مباشرة لبيته الجديد في مشروع الزراعة، الذي لا أعرف موقعه تماماً.

ـ قرب البناء الذي أشاروا لي عليه، سألت صاحب دكان سمانة صغيرة، عن بيت الصحافية سلمى سلمان، وليس عن بيت بوعلي ياسين تجنباً للشبهات، وبالفعل سألني الرجل: «ماذا أريد منها؟» فتحججت بعمل يخصّ الجريدة، عندها أشار للمدخل بجواره، وقال: «الطابق الأخير». فتحت لي سلمى مبتسمة كعادتها، يا جبل ما يهزك ريح، وقادتني إلى غرفة النوم، حيث بالكاد استطعت تمييز بوعلي مغطى كله باللحاف، ما عدا وجهه. أوّل ما قال لي إنهم اتفقوا جميعاً على ألاّ يأتوا على ذكري، وإنه لا داعي للقلق، وغداً سيأتي للمديرية ويخبرني كل التفاصيل. بعد ذلك سألني كيف تعرّفت على البيت، فأخبرته أني سألت السمان في الأسفل. فإذ به يخرج نصفه من تحت اللحاف، ويصيح: انتبه.. إنه من أخبر الأمن العسكري. دون وداع هبطت الدرج ثلاثاً ثلاثاً، وغادرت المكان لا ألوي على شيء سوى ألاّ يراني هذا المواطن الغيور على أمن الوطن.

ـ 1/2/1991: رواية بوعلي ياسين عن عواقب سهرتنا بعد جنازة الياس مرقص، أنهم غادروا بيت يوسف جهماني وذهبوا لبيت نبيل سليمان لتناول الفطور، بعد ذلك اتّجهوا لبيت بوعلي ليستريحوا قليلاً ثم يهمّوا بالسفر. ولكن ما أن جلسوا حتى داهمت البيت دورية أمن، وقامت باعتقالهم جميعاً وأخذهم لفرع الأمن العسكري باللاذقية بعد تفتيش سريع للبيت. وهناك تمّ التحقيق معهم على نحو فردي، ليس بخصوص السهرة تحديداً، بل بخصوص بيان المثقفين المناهض لمشاركة الجيش العربي السوري في قوات التحالف ضد العراق، حيث كانوا يتوقعون أنهم جاؤوا من حلب للاذقية ليجروا اجتماعاً بهذا الخصوص. وعندما سئل بوعلي، ما إذا كان يؤيد صدام حسين؟ أجاب أنا مع كل زعيم عربي يطلق صواريخ على إسرائيل. في اليوم التالي أطلق سراحهم جميعاً ما عدا شقيق جمال باروت، الوحيد الذي ليس اسمه على البيان، مما اضطرهم أن يبقوا السيارة قرب بيت ياسين لحين خروجه.

ـ ضحك بوعلي عندما أخبرته أنني أرتدي البيجاما تحت ثيابي، تحسباً لاحتمال اعتقالي، قال لي سأكتبها في مذكراتي.

ـ 18/2/1991: يخبرني ياسين أن الأمن استدعى يوسف جهماني إلى دمشق، ويجري التحقيق معه بتهمة القيام بنشاط سياسي محظّر على العاملين في الجيش، ومن المتوقع تسريحه.

ـ 1/4/1991: أنهيت إعداد أسئلة المقابلة التي أنوي إجراءها مع ماري حداد زوجة الياس مرقص، على أن تكون المقابلة عنها، كإنسانة، ومربية، وكزوجة رجل كرّس حياته كلها للفكر والسياسة، تاركاً لها كل شؤون البيت ورعاية الأولاد، أحد هذه الأسئلة يبدأ هكذا: «أذكر مرة، وكان الياس في فرنسا، أني سألتك: كيف تدعينه يغيب عنك كل هذه المدة؟ فأجبت: «طوال حياته كان يدعو للحرية، فكيف تريدني أن أكون سجّانته؟».

ـ 2/9/1991: جاء زياد إلى المكتبة وقدم لي نسخة من كتاب الياس: «المذهب الجدلي والمذهب الوضعي«. قائلاً: «طبعناه على حسابنا، وأحببنا أن نقدم لك أوّل نسخة منه.. كان البابا يحبك».

ـ 16/3/1992: تجري ندوة المجلس القومي للثقافة العربية، تحت عنوان «الياس مرقص والفكر القومي«، في فندق ومسبح الشاطئ الأزرق، خارج اللاذقية. التقيت بأناس عديدين أعرفهم، منهم الأستاذ أنطون مقدسي الذي سألني لماذا لم أشارك بإلقاء محاضرة؟ ما جعلني أفكر طوال الوقت، ليس بالأفكار والآراء التي تضمّنتها المحاضرات على أنواعها، بل بأنه كان من المفترض أن أكون أحد هؤلاء المحاضرين حقاً، فعلاقتي بإلياس ليست بأقل من علاقة نزيه جرجي به على سبيل المثال، ولكني بالتأكيد غير مهيأ بعد لمناسبات كهذه.

ـ أشعر أن كثيرين يتمسّحون بإلياس بعد وفاته، ومنهم من يدّعون صداقته الشخصية، وهو في الحقيقة براء من أكثرهم. مشكلته معهم، برأيي، كانت وما زالت هي هي، هم مغرضون ذو غايات، وهو بريء ذو إيمان. ويا إلهي كم كان الياس مرقص بريئاً. طفل بشعر شائب، هكذا وبكل بساطة.

ـ ما يجب علي فهمه، وما قد يساعدني على تفسير ما ذكرته سابقاً، أن الياس مرقص كان يملك القدرة على أن يجعل كل إنسان يعرفه يشعر أنه صديق شخصي. فلطالما استغربت من الذكريات الحميمة التي أسمع البعض يروونها عنه، مع أنني يوماً لم أره برفقتهم، كما لم أسمعه يأتي على ذكرهم.

ـ 26/1/1996: الذكرى السنوية الخامسة لوفاة إلياس مرقص. ذهبت صباحاً إلى مقبرة الأرثوذوكس، أحمل باقة زهر. كانت أم زياد، زوجة الياس، تقف وحيدة بجانب القبر. ابنهما الأكبر زياد درس الطب وغادر إلى أميركا، ولا يفكر بالعودة أبداً، قالت. أما إياد فهو يقضي خدمته الإجبارية في الجيش. سألتني ما إذا كان لدي فكرة عن الجهة التي يفضل أن تقدم لها مكتبة إلياس الفرنسية!؟ أجبتها، دون تردّد، الأمر لا يحتاج لتفكير، أرى أن لا تعطيها لأحد، وتبقيها حيث هي.

ـ 26/1/2014:أخبرت أصدقاء عديدين أنني سأذهب لزيارة قبر الياس في مقبرة الأرثوذوكس بالفاروس. هذه المرة أيضاً لم يكن هناك أحد، سألت ما إذا جاء أحد قبلي، أخبروني لا أحد. أم زياد عند أحد ابنيها، إما زياد في أميركا وإياد في كندا.

المذهب الجدلي والمذهب الوضعي

– كتبه الياس مرقص في 1982، وصدر بطبعة خاصة، بعد وفاته بأشهر، في 1/8/1991.

ص 4: الجدل هو جهاد المعرفة.. جهاد ضد كل معرفة غير مجاهدة ضد أصنامها. يوازيه في الدين، جهاد النفس.

ص 5: إن الركيزة الأساسية والطبيعية هي أن الإنسان صاحب اللغة، (أداة الفكر وشرط الاجتماع والإنتاج والحياة البشرية) وصانع أصنامها مع الأصنام الأخرى، يحتاج إلى كلمات – مخدات يرتاح برأسه عليها- وينشئ في العالم الجدلي والصراعي والشيئي، قاموساً وثنياً (شيئياً) ومانوياً… هذا القاموس يختلف بين فئة وأخرى، لكن أسوأه، قاموس المثقف، فهو ذهني، لا حسي.. المثقف يوثن الكلمات.

ص 6: منطق الهوية الذي يعتبر الهوية بطناً، أي أنها ليست عقلاً وليست علاقة.

ص8: جورج بوشنير (مسرحي ألماني/1813-1837) : «الدماغ يفرز الفكر كما يفرز الكبد الصفراء»

ص 23: الاعتقاد بأن العرب من طينة أخرى، وأنهم في غِنىً عن، أو عاجزون عن، المجتمع المدني. اعتقاد لا يستند إلى أساس.

ص 24: لا أرى ما يدفعني جِدياً للاعتقاد بأن ماركس وأنجلز ولينين بشروا بفردوس قادم، بجنة على الأرض، لا أعتقد أنهم آمنوا بمستقبل بشري دنيوي يزول فيه كلّ شرٍ وداء، لكنهم آمنوا بمستقبل ممكن وواجب، لا يكون فيه فقر، جوع، حرب، استغلال اقتصادي وقهر سياسي من إنسان لإنسان.

ص 28: الديموقراطية ليست هدفاً وطريقاً وأداةً في العمل السياسي وحسب، بل هي موقف من نظرية المعرفة، هي اعتراف بالكائن والواقع، موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ.

ص 28: سياسياً، الليبرالية هي موقف اعتراف بنخبة، بطبقة وسطى، ببرجوازية، بمثقفين وأحزاب… من السهل أن تنقلب هذه الليبرالية إلى فاشستية.

ص 29: أوغست كونت (1798-1857) صاحب المذهب الوضعي ( ليتريه- غيزو – رينان – دوركيم – سبنسر – ميل – جيمس …) لقبوه بـ«هيغل فرنسا«.

ص 32: يؤكد كونت الحالات الثلاث التالية للبشرية:

1- الحالة اللاهوتية (العسكرية!)

2- الحالة الميتافيزيقية (الماورائية الغيبية) مثل كونت هنا، حوارٌ لموليير يسخر به من الأطباء المدعين: «يسأل المريض: لماذا الأفيون ينوِّم.. يا سيدي الطبيب؟ يجيب الطبيب: لأن له قدرة على التنويم؟«.

3- الحالة الأخيرة .. الوضعية .. الايجابية .

ص 33: في الحالة الوضعية يتم التخلي عن البحث في الأسباب (التعليل والتفسير) ويعمل لاكتشاف القوانين التي تحكم الواقع والوقائع، وذلك بالملاحظة والمحاكمة.

ص 35: في الحالة الوضعية الدين (دين الشعب والدولة) هو عبادة البشرية – الإنسانية، أما الأخلاق فشعارها الحب والنظام والتقدم. أي دين بلا لاهوت، لكن مع طقوس وعبادات وتراتب وألقاب وبابا. نوع من الكاثوليكية من دون المسيحية.

ص 51: مفهوم الخصوصية في الذهن العربي اليوم بالغ الالتباس والخطأ، إنه مفهوم ماهوي وصخري.

ص 53: ليس للغة العربية خصوصية، بل لها مفردية، أي طابع مفرد (فرادة).

ص 76: الثورة الفرنسية، الروسية، الصينية، الانكليزية قرن /17/ .. الخ، كلفت البشرية ثمناً باهظاً، إن عملية ترحيل، هذه الحقيقة، عملية يجب أن ترفض من جميع الزوايا.

ص 77: لا كعبة، الكعبة هي الوجدان، الوعي.

ص 77: التاريخ كله له وجه دراما، وجه مأساة، وجه قبيح.

ص 88: يجب أن نعترف أن كلمة مادة تضخمت في القاموس الماركسي من دون أي مبرر حقيقي.

ص 93: ديكارت: «أنا أفكر إذا أنا كائن» أنا أشك في معطيات الحواس، في وجود كل هذه الأشياء والأجسام، حواسي تخدعني أحياناً، بل تخدعني دائماً، ولعلها تخدعني خصوصاً. الحواس ليست برهاناً.

ص 93: جون لوك (أبو التجريبية)، المعارض لديكارت (أبو العقلانية): المعرفة كلها مصدرها الحواس، الخبرة أو التجربة.

ص 93: كانط: الطعن بالمعرفة، وإعادة طرحها كمسألة.

ص 96: الماركسيون كانوا في الحاصل دون مستوى الفهم الهيغلي (المثالي)، وذلك لوقوعهم تحت تأثير المادية والمادية التاريخية، فلم يعوا جدّياً مبدأه: «كل ما هو واقعي هو عقلي (منطقي)، وكل ما هو عقلي هو واقعي«، حيث تمسكوا بالشطر الثاني، المثالي، من الأطروحة «الأوضاع الألمانية المناقضة للعقل، فهي غير واقعية ويجب أن تزول« واليمين الهيغلي تمسك بالشطر الأول المادي: «الأوضاع الألمانية واقع، إذا فهي معقولة وعقلية«.

ولأنه لا يحضرني ما أختم به هذه الاستعادة غير الشخصية تماماً كما تبيّن في النهاية، فقد رأيت أن أتحفكم بتلك القصيدة التي كتبتها من وحي زيارتي المتكررة للياس مرقص، حيث كنا، نحن أصدقاءه الأخيرين، على عادتنا نتناقش ونتجادل ونختلف، بينما صاحب البيت (سقراط اللاذقية) المريض، يدخل ويخرج من غرفته، يبدي رأياً أو يذكر طرفة، أو فقط، كما روى لي ميشيل كيلو عنه عندما كان يتداوى في باريس، يمدّ رأسه ويصيح: «أمة العرب لن تموتي وإنّي أتحدّاك باسمها يا فناء«:

[سُقراط في الحُجرةِ المُجاوِرة

(إلى الياس مرقص)

كُنّا ثلاثةً تِلكَ الليلة

وقد احتدمَ الجِدالُ بيننا

وراحت أصواتُنا

تنطحُ السقف

وترفُسُ الجُدران.

/

كُنّا ثلاثةً

وهذا يعني أنّي لم أكن أحلُمُ

وأنَّهُ ليسَ من بناتِ الخَيال

عندما سمِعنا خِلالَ صمتٍ قصيٍر

نلتقِطُ بهِ الأنفاس

نَقراً خفيفاُ على الباب

وفتىً بَهيُّ الطَلعةِ

يرتدي جُلباباً أبيضَ

يدخُلُ علينا ويقول:

«رَجاءً لو تخفِضوا أصواتكم

سُقراط

في الحُجرةِ المُجاوِرة«..

اللاذقية 21/1/2015

الياس مرقص

ولد في اللاذقية: 25/9/ 1929، وتوفي فيها: 26/1/1991.

حصل على شهادته الباكالوريا من مدرسة الفرير /1945/ وشهادة القسم الثاني فرع الفلسفة /1946/

كان من عداد الطلاب المتفوقين الذين اختيروا في أول بعثة حكومية للخارج. وعاد إلى سوريا، حاملاً شهادة في العلوم الاجتماعية والتربوية من جامعة بروكسل في بلجيكا، عام /1952/.

أدى خدمته الإجبارية /1953-1955/ وأستدعي للخدمة الاحتياطية أكثر من مرة.

عمل في سلك التعليم (دار المعلمين) من عام /1955/ إلى /1979/.

صدر له /17/ مؤلفاً، أولها (الحزب الشيوعي وقضية الجزائر- 1959) وسابعها كتابه المفصلي (الماركسية في عصرنا 1964) الذي ظهرت فيه لأول مرة وصية لينين بالعربية، وآخرها (الماركسية السوفيتية والقضايا العربية المعاصرة- 1973) ثم لم يصدر له في حياته أي مؤلف.

له /29/ كتاباً مترجماً منها تبدأ بكتاب (الثورة الصينية – ماوتسي تونغ-1955) لتصل إلى (مبادئ فلسفة المستقبل – لودفيغ فيورباخ – 1975) و(فلسفة عصر النهضة- 1980- أرنست بلوخ) و(تحطيم العقل – أربعة أجزاء – 1980- جورج لوكاش) (سلطة الإيدولوجيا- 1982- جوران تربورن) .. أي بتوجه مضطرد من السياسي والراهن إلى الفلسفي والثقافي.

صدر له بعد وفاته (المذهب الجدلي والمذهب الوضعي- 1991) (العقلانية والتقدم – 1992) (نقد العقلانية العربية-1995).

( ندوة الياس مرقص و الفكر القومي) المجلس القومي للثقافة العربية- 1993

(حوار العمر- أحاديث مع الياس مرقص) دار حوران- 1999. نقلاً عن حوارات شفهية مسجلة أجراها معه جاد الكريم جباعي قبيل وفاته بأيام.

(الياس مرقص – حوارات غير منشورة) المركز العربي للأبحاث- 2013. وهو حوار طويل أجراه معه طلال نعمة ونقله صقر أبو فخر.

يعرف أن له /7/ مخطوطات و/4/ كتب مترجمة لم تنشر.

 

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق